سباق الزمن لإنقاذ الوطن
صائب خليل
في احد أفلام عالم الحيوان تطارد مجموعة من الأسود الجائعة، قطيعا من الجواميس. المجموعتان عاشتا مع بعضهما طويلاً، وهما في حالة توازن وصراع بقاء، ليس في القوة فقط، وإنما في معرفة كل الآخر ايضاً. في مشهد متكرر في هذا الصراع، يثير عجبنا نحن البشر، تمسك الأسود أحد الجواميس وتبدأ بمحاولة نشطة لإسقاطه وقتله، بينما يقف القطيع يراقب متردداً، حتى يقرر اخيراً الهجوم على الأسود وطردها عن رفيقهم. حياة هذا الأخير تتوقف على الوقت الذي سيحتاجه القطيع لحسم امره والهجوم. لذلك تكون الأسود في عجلة من امرها، فهي تعلم ان الهجوم قادم، وإنها ان لم تصب الضحية بجراح قاتلة قبل أن يقرر القطيع المبادرة، فسوف يفشل الصيد. الدقائق ثمينة وحاسمة لتحديد النتيجة.
وهنا يأتي السؤال: لماذا لا يهجم القطيع مباشرة؟ لماذا يعطي الجواميس، الوقت للأسود لقتل رفيقهم ماداموا يعلمون أن بإمكانهم إنقاذه؟
يبدو ان وقت التردد هذا ضروري للقطيع ليحسم امره. ليتأمل الموقف ويعي مدى خطورته ومدى فائدة الهجوم، ولكي يجمع البعض شجاعته، ويقرر من يبدأ الهجوم وكيف وإلى أي مدى يجب ان يقترب؟ هل سيحصل على الدعم من الباقين؟
الكائنات “الاجتماعية” تعاني دائما من مشكلة القرار والتنسيق، ونحن البشر لا نختلف عنها في ذلك. قد ينزعج البعض من تشبيهنا بقطيع الجواميس، لكني سأبرهن اننا لا نتفوق عليهم في هذا بل بالعكس، نحن اقل كفاءة!

نحن العراقيين مثلا، نواجه تحدياً واضحاً جداً. لدينا حكومات نصبت تحت ضغط الاحتلال، ثم صارت تعين من قبل الاحتلال مباشرة. احتلال لم نعد نشك مما كشف من قصص الإرهاب وداعش، انه يستهدف القضاء على البلد والشعب. ومن خلال ردود الفعل على المقالات التي تكشف ما تقوم به حكومة عادل عبد المهدي، من الواضح ان هناك اغلبية ساحقة صارت تدرك الاتجاه الذي يتجه اليه ومدى خطورته على وطنهم. وإن كانت السوابق القديمة لتاريخ عبد المهدي تكفي لإثارة الريبة والقلق منه، فأن تقديمه قانون شركة النفط الوطنية، الذي وصفه خبير المحكمة الاتحادية بأنه يهدد بضياع ثروة العراق النفطية ويضع البلاد على شفا حرب أهلية(1) وتم رفضه بالتالي، نبه الكثير من الغافلين الى حقيقته. وأخيراً جاء توقيعه لاتفاقية التجارة الحرة مع الأردن رغم تحذير اتحاد الصناعيين والكثير من الاقتصاديين، وكذلك مد أنبوب النفط السيء الصيت إلى الأردن وتوقيعه عدد كبير جدا من القروض مع اخطر المؤسسات المالية العالمية المشهورة بعدوانيتها وتدميرها الاقتصادي للبلدان المختلفة، لم يترك الكثيرين من الموهومين به أو اللامبالين.

لقد صار الخطر واضحاً امامنا إذن، تماماً كما هو للقطيع في الصورة. ويبدو من السرعة المذهلة لتوقيع تلك المشاريع، ان عبد المهدي (أو من يقف وراءه وينسق حركاته) يدرك الموقف أيضاً، ويتصرف بالضبط كما تفعل الوحوش مع الجاموس الضحية: هي تعلم أن وقتها محدود، وتحاول قدر استطاعتها ان تقضي على فريستها بأنيابها ومخالبها، قبل ان يقرر القطيع الهجوم، وعبد المهدي وحكومته يتصرفون بسرعة مذهلة لتوقيع الاتفاقيات المورطة، والبدء بمشاريعها الضخمة والخاسرة، رغم وضع العراق المتزايد الديون، متجاوزين شروط الدستور بتوقيع النواب على تلك الاتفاقيات، مثلما تجاوزوا الدستور في ترشيح هذا الرجل.
من يقف وراء عبد المهدي ويخطط له ما يفعل، يعلم جيداً إذن أن وقته قد لا يطول، وأن العراقيين الذين ادركوا خطره، قد يتوصلون قريباً إلى طريقة لتنسيق التحرك لوقف حريته في قتل بلدهم، بل أن رد الفعل قد يؤدي الى ازاحته أو يضطرهم الى إبداله. ولعلهم أخذوا درساً من الفشل المدوي الذي انتهى اليه مشروعهم التدميري الآخر، “شركة النفط الوطنية العراقية”.

ما العمل؟ ما الذي يجب ان يفعله من يريد انقاذ الوطن من هذه المخالب والأنياب؟
| | | Next → |