بين زيارة بن سلمان إلى باكستان والتعاون التونسي السعودي .. 
     هل تكون القمة العربية المقبلة بتونس منعطفا جديدا؟


بقلم د. أعلية علاني*

السعودية تتمدد شرقا وغربا
كان متوقعا أن تكون زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باكستان في 17|2|2019 زيارة ملكية بامتياز اختلط فيها الجانب البروتوكولي الاستثنائي بالجانب الاقتصادي المُجزي: عشرون مليار دولار (أكثر من 60 مليار دينار تونسي) من الاستثمارات السعودية هي حصيلة هذه الزيارة، نصف هذا المبلغ مخصص لإنشاء مصفاة ومصانع بترو كيميائية، ونصفها الآخر في مشاريع متنوعة، بالإضافة إلى إعطاء اهتمام خاص للعمالة الباكستانية بالمملكة ورسوم الإقامة.
ولا يشك أحد أن المملكة لها استفادة اقتصادية ومالية باعتبار أن المشاريع مربحة، وكذلك استفادة في المجال الاستخباراتي خاصة في ملفات الأمن بالمنطقة. إن الاستفادة في عصر العولمة مشتركة أو لا تكون، فقد ولّى عهد المساعدات المالية المجردة. والمملكة السعودية في أفق مشروع 2030 تعمل بقاعدة الاستفادة المتبادلة :
Win/ Win
وتعرف المملكة أنها ستكون شريكا اقتصاديا هاما لباكستان مع كبار المستثمرين في العالم مثل الصين وأوروبا وغيرها. وأمام هذا الزخم الاقتصادي والشراكات الأمنية التي تعقدها المملكة مع حلفائها نجد في المقابل تعاونا محدودا مع دول شمال إفريقيا وخاصة مع تونس. فماذا يجب على تونس عملُه لكي تكون بلدا جذابا للاستثمارات الهامة؟ فباكستان رغم مشاكل الأمن والإرهاب التي تواجهها كل يوم مع الجماعات المتشددة فإن ذلك لم يمنعها من أن تصبح مركز جذب لاستثمارات سعودية وصينية هامة جدا.
تونس والسعودية وفرصة مؤتمر القمة العربية في مارس| آذار 2019
أعتقد أن على تونس استثمار عقد مؤتمر القمة العربية على أراضيها في مارس| آذار 2019 على مستويين: أمنيا واقتصاديا.
بخصوص المستوى الأمني، يجب على تونس أن تواصل انخراطها في الموقف العربي حول قضايا الأمن في المنطقة ورفض زعزعة الاستقرار بالبلدان العربية واعتبار ذلك خطا أحمر. واقتراح تفعيل الاتفاقيات الأمنية فيما بعد مرحلة داعش ومخاطر العودة القوية للقاعدة من خلال دعم التعاون الاستخباراتي العربي الذي ما زال أقل أهمية وحجما من التعاون الاستخباراتي مع الدول الأوروبية والأمريكية.
أما بخصوص المستوى الاقتصادي فمن حق تونس أن تبحث بمناسبة القمة العربية عن شراكات ثنائية وثلاثية. ويمكن القول أن أمام تونس فرصة مستقبلية واعدة للمشاركة في الإعمار في كل من ليبيا وسوريا والعراق. أما مع دول الخليج فلا بد أيضا للدبلوماسية السياسية والاقتصادية التونسية أن تكون جاهزة في مؤتمر القمة المقبلة بتونس لإعطاء دفع أقوى للشراكة مع السعودية والإمارات ومصر وتدارك الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الدبلوماسية التونسية بعد 2011 والتي لا نزال نعاني تبعاتها إلى اليوم. فتقوية التعاون مع هده البلدان الثلاث ذات الثقل المالي والسكاني سيمنح تونس فرصة تخفيف كبير لأزمتها الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. وهذا سوف لا يمس بتعامل تونس مع البلدان الأخرى.
أعتقد أن على القيادة السياسية في تونس أن تقرأ جيدا تغير المعطيات الجيوسياسية إقليميا ودوليا والمتسمة بالحرب على الإرهاب تنظيميا وفكريا والمتسمة أيضا بفشل تجربة تيار الإسلام السياسي في الحكم. وأعتقد أن من واجب الحكومة التونسية وضْع استراتيجية جديدة للنهوض بالتعاون التونسي الخليجي وجعْله مثالا يُحتذى به. فعندما نتصور ما قدمته السعودية من استثمار في زيارة ولي العهد بن سلمان الأخيرة لباكستان والتي توازي مرة ونصف الميزانية العامة بأكملها في تونس ندرك أن تونس بإمكانها الاستفادة من هذا المناخ وهي قادرة، بدبلوماسية جديدة ووقوف واضح إلى جانب المملكة، على حل معظم مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية . وإذا أضفنا لذلك تنشيط التعاون بشكل أفضل مع دولة الإمارات وما تحمله من حجم مالي وسياسي على المستوى الدولي، ومع مصر وما تزخر به من قدرات اقتصادية وسوق استهلاكية هامة أدركنا أن عمق تونس الاقتصادي والأمني والمالي والسياسي سيكون واعدا جدا فالاقتصاد هو العمود الفقري للسياسة. ولا ننسى أن من ميزة الاستثمار الخليجي انخراطُه في الاستثمار في البنية التحية وفي المشاريع الفلاحية والصناعية والسياحية مثلما رأيناه في زيارة بن سلمان الأخيرة لباكستان ونحن في تونس في حاجة كبيرة لتطوير بنيتنا التحتية خاصة في المناطق الداخلية، وفي حاجة إلى تقوية نسيجنا الصناعي والفلاحي والتجاري وما له من تأثير على امتصاص البطالة والتضخم وإيقاف تدهور الدينار. نحتاج فقط إلى إرادة سياسية واضحة وقوية وصادقة لإنجاح هذا التوجه.
رجاء أن لا تُضيّع تونس فرصة القمة العربية المقبلة ولتجعلها منطلقا لقفزة عملاقة في الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية والأمنية. وتكون خطوة تتبعها خطوات هامة وجريئة.

أكاديمي وباحث في القضايا الاستراتيجية

2019-02-21