يمكنني شرح ما يجري في فنزويلا في ثلاث صور:

أولاً، لدينا خوان جوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسا للدولة وظهرت إلى جانبه، زوجته وطفله، صورة وضعت بشكل بارز في صحيفة نيويورك تايمز.

بعد ذلك، صورة الفصل لأعضاء حزب غواديو في الجمعية الوطنية، بيضاء كالثلجخاصة عند مقارنتهم بأضدادهم السياسيين في الصورة الثالثة، أعضاء الكونجرس الذين يدعمون الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو. أنصار مادورو هم تقريبا كلهم بلون بشرة أكثر قتامة.

هذه هي قصة فنزويلا بالأبيض والأسود، لم يتم سرد القصة في صحيفة نيويورك تايمز ولا بقية وسائل الإعلام الخاصة. إن الانتفاضة الشعبية هي في جوهرها، ردة فعل غاضبة من الفنزويليين (والأغنياء) الأثرياء ضد استبدالهم بفقراء ميستيزو (العرق المختلط).

أربعة قرون من التفوق في فنزويلا من قبل أولئك الذين جددوا دور أسلافهم الاوروبيين مع انتخابات العام 1998 التي جلبت هوغو شافيز والذي فاز بتأييد ساحق من أغلبية المستيزو. هذا الابتعاد عن التفوق يستمر في ظل خليفة مادورو، الذي اختاره تشافيز.

في مقابلة شافيز للبي بي سي في العام 2002، تحدث عن غضب الطبقة الحاكمة التي وجدت نفسها نازحة بسبب صاحب البشرة الداكنة الذي كان واضحا جدا انه “زنجي إنديو”، وهو الاسم الذي كان يفتخر به.

لماذا أحب تشافيز الفقراء؟ (الحب ليس بكلمة قوية للغاية). فحتى كتاب الحقائق الصادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) المثير للدهشة يقول:

أدى الاستثمار الاجتماعي في فنزويلا خلال إدارة شافيز إلى الحد من الفقر من 50٪ تقريبًا في العام 1999 إلى حوالي 27٪ في العام 2011، وزيادة معدل الالتحاق بالمدارس، وانخفاض معدل وفيات الرضع والأطفال، وتحسين الوصول إلى مياه الشرب والصرف الصحي من خلال الاستثمار الاجتماعي”.

ولكن في الوقت الذي تولى فيه مادورو منصبه في العام 2013، بدأ سعر النفط في الانهيار، وتم الدفع الآن للبرامج الاجتماعية الهائلة التي دفعها النفط عن طريق اقتراض الأموال وطباعتها، مما تسبب في تضخم متوحش. إن الانزلاق الاقتصادي أصبح الآن أسوأ من غيره بسبب مقاربة الأمم المتحدة لفنزويلا مقارنة بـ “حضارات العصور الوسطى”. قامت إدارة ترامب بقطع فنزويلا عن عائدات بيع النفط من أكبر زبائنها.

لقد تضرر الجميع اقتصاديًا، لكن الحسابات المصرفية للنخبة المتميزة أصبحت عديمة القيمة تقريبًا. إذاً مع العلم أن الأغلبية من المستيزو لن ينتخبوا الأمل الأبيض العظيم غواديو، الا إن الأغنياء البيض الغاضبين خرجوا ببساطة إلى الشوارع – وغالباً ما كانوا مسلحين. (ونعم كلا الجانبين مسلح.)

لقد شاهدت هذا الفيلم من قبل عندما أنظر إلى التقارير الإخبارية اليوم عن المظاهرات الضخمة ضد ما يسمى بـ “الديكتاتورية” في حكومة اليسار الفنزويلية، يبدو الأمر كما لو كان في العام 2002، عندما كنت في كاراكاس اعمل لتلفزيون بي بي سي.

بعد ذلك ذكرت صحيفة نيويورك تايمز إن بي آر وغيرها من المنافذ السائدة في الولايات المتحدة تشارك في المسيرات ضد حكومة تشافيز، والتي تظهر ان عشرات الآلاف من الفنزويليين يطالبون بإقالة تشافيز. لكن عندما سارت طواقم الكاميرا من بي بي سي مع هؤلاء المتظاهرين، كانوا واضحين انهم من الأقلية ذات البشرة الفاتحة. كانوا أيضا الأثرياء – وأرادوا منك أن تعرف ذلك. سارت العديد من النساء في أحذية عالية الكعب، رجال يرتدون بدلات رجال الأعمال، وعرضوا بفخر زي الطبقة المميزة لهم.

كان العرق قضية بقدر الفلسفة السياسية. عندما تقدمت إلى جانب المتظاهرين المعارضين، صرخوا “شافيز ، قرد!” وأسوأ من ذلك.

لم يسمع الكثيرون في الولايات المتحدة هذه القصة عن حرب عرقية في فنزويلا ، لأن الصحافة الأمريكية لا تعترف بالتحيز العنصري الخاص بها. في العام 2002، كما هو الحال اليوم، تم الإبلاغ عن المظاهرات الضخمة كدليل على أن شافيز كان غير شعبي.

ومع ذلك، في اليوم التالي لكل مسيرة ضد شافيز، كنت أشاهد وأقوم بتصوير المظاهرات المؤيدة لشافيز التي غمرت كاراكاس بمحيط يضم ما يقرب من نصف مليون من المتظاهرين، وأغلبهم من الفقراء المستيزوس، الذين لم يتلقوا تغطية تذكر في الصحافة الأمريكية.

ويستمر التحيز. لم تقم صحيفة نيويورك تايمز بتصوير مظاهرات هذا الأسبوع الموالية لمدورو. ولكن في الصور والتقارير التي يصعب العثور عليها من زملائي على الأرض، فإن مظاهرات تشافيستا أكبر، وتنطوي على إقبال جماعي في العديد من المدن..

لماذا المسيرة الفقيرة لمادورو؟ على الرغم من أن أغلبية ميستيزو تعاني اليوم، فإنها لن تعود إلى أيام ما قبل تشافيز من الفصل العنصري بحكم الواقع.وعلينا أن نتذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها حكومة الولايات المتحدة الإطاحة بالحكومة المنتخبة في فنزويلا.

في العام 2002 قادت وزارة الخارجية التابعة لجورج دبليو بوش الانقلاب. وخطف المتآمرون تشافيز واحتجزوه رهينة. قاد الانقلاب قائد في صناعة النفط ورئيس غرفة التجارة، بيدرو كارمونا، واستولى على البيت الأبيض في البلاد، ومثله مثل جيدو اليوم.

إلا أن انقلاب بوش/ كارمونا انهار عندما قام مليون فنزويلي من ذوي البشرة الداكنة بإغراق العاصمة وأجبروا المتآمرين على إعادة بطلهم، وهو شافيز الذي يفترض أنه غير شعبي، إلى ميرافلوريس القصر الرئاسي و”الرئيس” كارمونا هرب.

اليوم يعرف أنصار غواديو مثل كارمونا أنهم لا يستطيعون الفوز في الانتخابات نظراً للحقيقة الساحقة لغالبية المستيزو التي تم تمكينها حديثًا. لذلك تخلى غواديو عن فكرة إجراء الانتخابات بالكامل، ببساطة تم استبدال الترشح للمنصب بـ “اعتراف” من ترامب والحلفاء الذين لا يستطيعون منح غواديو الشرعية من الفنزويليين.

عندما أرى الصور وأسمع هتافات المتظاهرين المناهضين لشافستا الآن، أتذكر ما رأيته في مسيرة ترامب في ماكون، جورجيا، في شهر نوفمبر الماضي. انزلق الرئيس من طائرة سلاح الجو الأول ليخبر الحشد أنهم بحاجة إلى استعادة بلدهم من أولئك الذين “غزوا” الحدود. أخبرهم ترامب أن يخافوا من مرشح الحزب الحاكم ستايسي أبرامز، قائلا إنه “سيحول جورجيا إلى فنزويلا”.لا أعتقد أن ترامب كان يتحدث عن برنامج أبرامز لتقديم الرعاية الصحية الشاملة لجورجيا، كما فعل شافيز في فنزويلا.

سارعت الصحافة الأميركية إلى إدانة الكراهية العنصرية التي تظهر في تجمعات ترامب، ولكني لم أسمع أو أقرأ في الصحافة الأميركية ما يمكن أن تراه أعيننا في الصور الثلاث من فنزويلا: انتفاضة البيض “لاستعادة بلدهم”.

ولاحظ ما يلي: انقلاب فنزويلا من قبل الأثرياء يعمل من خلال خطة تغيير النظام التي صممها المحافظ جون بولتون، مستشار الأمن القومي لترامب. وملاحظة أخرى: إنها خطة للسيطرة على فنزويلا ونفطها، كما يعلن بولتون بفخر وفي العلن.

آه، نعم، النفط إنه دائمًا النفط. وفنزويلا لديها الكثير للاستيلاء عليه: أكبر احتياطي في العالم.

ترجمة: وكالة اخبار الشرق الجديد- ناديا حمدان

http://www.informationclearinghouse.info/51083.htm