العلاقات السورية – الإيرانية: أربعون عاماً وتتجدد
عبير بسام
بدأت العلاقات السورية – الإيرانية بأخذ طابعها المتميز مباشرة بعد الثورة الإسلامية في إيران. مع العلم، أن المنحى الإيجابي الذي اتخذته العلاقة مع الثورة الإسلامية ليس مستغرباً، خاصة وأن الذي دفع نحو هذا التقارب هو التصريحات التي أعلنتها الثورة منذ البداية: من وقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية، ووقوفها إلى جانب حركات التحرر وحركات المستضعفين في العالم، والعداء لأميركا وللمستكبرين في الأرض.
فتصريحات الإمام روح الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية في إيران، تجاه القضية الفلسطينية والولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي سبقت عودته إلى إيران في العام 1979 بأعوام. ولعبت هذه التصريحات دوراً أساسياً في توضيح موقف الثورة. الأمر الذي زاد من ثقة الرئيس حافظ الأسد بالثورة الإسلامية وبأهدافها السياسية والإستراتيجية التي أعلنت، والتي كان على علاقة مع قياداتها حتى قبل قيامها.
انتصرت الثورة الإيرانية في العام 1979 أي بعد عام تقريباً من توقيع اتفاقية كامب ديفيد في 17 ايلول/ سبتمبر 1978، حيث جاء توقيتها في وقت حساس جداً بالنسبة للجمهورية العربية السورية، التي وجدت نفسها وحيدة تقريباً مع المقاومتين اللبنانية والفلسطينية في مواجهة الكيان الاسرائيلي في المنطقة. جاءت الثورة الإسلامية لتعلن وقوفها إلى جانب دولة فلسطين، فطردت السفارتين الإسرائيلية والأميركية، اللتين كانتا مركزاً مخابراتياً لكل من الموساد والمخابرات المركزية الأميركية، وافتتحت سفارة فلسطين، واستُقبل ياسر عرفات في إيران في خطوة تعد متقدمة في دعم القضية الفلسطينية. هذه الخطوات الإستراتيجية عملت على تقريب المسافات والعلاقات الإستراتيجية ما بين إيران وسوريا منذ زمن القائد الراحل حافظ الأسد.
حاول البعض أن يلعب على وتر التقارب ما بين البلدين على أنه طائفي، لكن هذا الكلام لا يخرج عن إطار اللعب على التناقضات الطائفية، لأن الراحل القائد الأسد كان رجلاً عقائدياً عروبياً ورأى أن قضية فلسطين من أهم القضايا التي حملتها ودافعت عنها سوريا في عهده وعبر التاريخ الحديث وحتى اليوم. هذا اللقاء الهام حول فلسطين وتحرير الأراضي العربية والتخلص من الكيان الإسرائيلي كان من أهم نقاط التلاقي ما بين البلدين، هذا مع العلم أن سوريا كانت الدولة العربية الأولى التي اعترفت بجمهورية إيران الإسلامية والثالثة بعد الاتحاد السوفياتي وباكستان.
لم تأت العلاقة السورية – الإيرانية بعد الثورة الإسلامية، والتي أعلنت مبادئها المتناقضة مع أهداف الغرب في المنطقة، من فراغ. فقد جاءت بعد تاريخ مثقل بالمؤامرات المشتركة ما بين المملكة السعودية والولايات المتحدة، والتي كشفت عنها الدراسات المختلفة ومنها كتاب محمد حسنين هيكل في سلسلته حول العلاقات العربية الإسرائيلية، والتي تحدثت عن الدور الذي لعبته المملكة السعودية في حرب 1967 وفي الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، والتي تضمنت خططاً لاحتلال “اسرائيل” لدمشق. كما كان دور بعض الدول العربية في حرب 2006 على لبنان مكشوفاً. وحتى اليوم فإن الدور الذي لعبته كل من أمريكا والكيان الاسرائيلي وبتأييد مالي وعقائدي في حملة الحرب الإرهابية على سوريا، في ظل هذه الأجواء. وفي وقت تم فيه نقل مصر السند “الأهم” لسوريا في حربها مع الكيان الاسرائيلي نحو المقلب الآخر، جاءت الثورة الإسلامية لتشكل في علاقاتها مع سوريا وحدة إقليمية هامة في وجه كل من الولايات المتحدة والكيان العبري ومن معهما من العرب والأتراك، وحتى يومنا هذا.
رغم التباينات في بعض المواقف المرحلية، إلا أن العلاقة بين البلدين لم تشهد أية خلافات. خلال الحرب العراقية – الإيرانية في العام 1980، وقفت سوريا إلى جانب إيران وقامت بخطوات لوجستية هامة من أجل دعم الثورة الإسلامية. لم تبق العلاقات السورية الإيرانية عند هذا المستوى فقط بل شملت العلاقات الثقافية أيضاً حيث تأسس في العام 1983 المركز الثقافي الإيراني في دمشق ومن ثم توسعت العلاقات لتشمل التعاون في مجالات التربية والتعليم العالي والثقافة والفنون والرياضة والسياحة. أي أن العلاقات السورية – الإيرانية في العام 1984 تجاوزت العسكر والاقتصاد لتشمل النواحي الثقافية التي يمكن أن توطد العلاقات الإنسانية ما بين البلدين.
شهد العالم تغيرات جذرية ومنها سقوط الاتحاد السوفياتي، وتشكل الأحادية القطبية وحرب الخليج في العام 1990، كما سهل لسوريا تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الأولى التدخل من اجل إنهاء الحرب الأهلية في لبنان. كل هذه الأحداث لم تؤدِ إلى خلاف ما بين البلدين. بل على العكس في السنوات التي تلت وخاصة في السنوات ما بين العامين 1996-1998 شهد البلدان تطوراً في العلاقات التجارية والاستثمارية ما بينهما. واستمرت العلاقات بالتطور خاصة في زمن الرئيس محمد خاتمي الذي دعا إلى حوار الحضارات، والذي شهدت في عهده العلاقات العربية – الإيرانية تطوراً هاماً.
ليس من الغريب أن تشكل دولتان مثل سوريا وإيران هذا النوع من التحالف القوي، فكلا البلدان يشكل أهمية خاصة بالنسبة للآخر وللعالم بأكمله، حيث يعدان عمقاً جيوسياسياً هاماً بالنسبة لبعضهما البعض. إيران تقع في قلب آسيا وهي تاريخياً صلة الوصل ما بين الاتحاد السوفياتي والباكستان وأفغانستان أي وسط بلاد غرب آسيا. وسوريا تحتل الموقع الأهم تجارياً في العالم على البحر المتوسط باتجاه أوروبا والدول العربية. وهذه الأهمية كانت تعتبر أمراً استراتيجياً بالنسبة لكل منهما، وتعرف أهميته القيادات السياسية في البلدين.
وبالتقاء المبادئ بين سوريا وايران في تحرير الأرض والإنسان من الهيمنة الغربية والعدو الاسرائيلي، وجدت كل منهما مصالحها مع الأخرى، حيث أنتج هذا التحالف محوراً هاماً في المنطقة، وهو محور الممانعة الرافض للسياسات الأميركية في مقابل محور الاستسلام المتوافق مع السياسات الأميركية. وقد شكلت كل من سوريا وإيران والمقاومتان في لبنان وفلسطين النواة الأساسية لهذه الممانعة. وقد قدم هذا المحور تضحيات منذ رفضه إقامة العلاقات التطبيعية مع كيان محتل للأرض ومغتصب للحقوق ولكنه بدأ اليوم يحصد نتائج انتصاراته.

العهد
‎2019-‎02-‎14