مساهمةفي النقاش ( القسم الثاني )
علي رهيف الربيعي
كتاب : الماركسية والاسلام
د . مصطفى محمود
ولننتقل في المناقشة خطوة أخرى ، ونتساءل أكان من الممكن للدكتور مصطفى محمود أو أي كاتب آخر يسلك هذا الطريق أن يتجه في الاسلام إلى مبادئ مثل ( عدم السير بالتفاوت الطبقي ، أو تدخل الدولة في الاقتصاد ) لو لم يكن ماركس نفسه .. هو من المفكرين الذين دعوا إلى هذه المبادئ قد ظهروا بالفعل ؟ لقد اهتدى اليها الدكتور مصطفى محمود ” بأثر رجعي ” .. وبدا له أنها كانت موجودة هناك ، في انتظار من يكتشفها . غير أن وقت اكتشافها لم يحن إلا بعد أن توصل اليها مفكر عادي من عباد الله الفقراء أمثالي وأمثالك ، وعندئذ فقط ” وجدها ” الدكتور مصطفى محمود وأمثاله من الكتاب في النص الديني . والدليل على ذلك أن احدا لم يتحدث عن الاشتراكية في الاسلام إلا بعد أن ظهرت الاشتراكية بالفعل ، وبالطريقة العادية ، كما أن النص الديني ، في المجتمعات الاسلامية التي تكره الاشتراكية لاسباب ” دنيوية ” خالصة .. لا يفسر أبدا على أنه يحمل معنى الغاء الطبقات أو مصادرة أموال الاغنياء لصالح الفقراء أو تدخل الدولة وتوجيهها للاقتصاد .
اننا لا نقول جديد إذا ذهبنا إلى أن كل عصر ” يقرأ ” النص الديني بروح مختلفة مستمدة من ظروفه ومن المرحلة التي وصل اليها تطوره . ولو كان النص الديني قد أودع كل شيئ ، من ماضي البشر وحاضرهم ومستقبلهم ، لما عاد البشر في حاجة إلى جهد أو فكر أو علم ، ولاكتفوا بقراءة النص وتطبيقه حرفيا . ولذلك فان الاعتقاد بوجود كل ما يحتاج إليه الانسان حاضرا ومستقبلا في النص الديني معناه قعود الانسان عن الحركة وعن التطور والتطلع إلى المستقبل .
وأخيرا ، أصل إلى الملاحظة التي ربما كانت أهم ما استلفتت نظري في هذا الكتاب ، وهي هبوط المستوى الذي نوقش به موضوع الماركسية ، وترديد المؤلف لمجموعة من ” الكليشات ” المحفوظة التي لا تليق بأي باحث يريد أن يتعمق الموضوع . وهنا أصل إلى النقد الثاني الذي كنت قد أشرت إليه من قبل ، وهو سوء فهم الماركسية ، بعد أن فرغت من الكلام عن النقد الأول ، وهو التناقض في معالجة الموضوع .
ففي الكتابات السوقية عن الماركسية ، شاع القول بأنها مذهب يجعل الانسان عبد للمادة ، وشاع انتقادها بالقول ان في الانسان ما هو أسمى من المادة ، وأنه لا يحيا بالخبز وحده . . وإن الفكر الماركسي لا يعترف إلا بالماديات ، ويسقط من حسابه كل العوامل الروحية والقيم الخلقية والمبادئ المعنوية . والقائلون بهذا التفسير المبتذل اما اناس يرددون ما سبق أن قرأوه في كتب رخيصة ، دون أن يكلفوا انفسهم عناء البحث في الموضوع بطريقة علمية ، واما اناس لهم مصلحة في هذا التشويه . ومن المؤسف أن الدكتور مصطفى محمود قد انساق في كتاباته وراء هذا الاتجاه ولم يحاول أن يتعمق بحث هذا الموضوع الحيوي ، بل ان من المستبعد أن يكون قد قرأ مرجعا أصليا واحدا في الماركسية ، لأنه لو كان قد فعل لما امتلأ كتابه بتلك الأحكام المتسرعة التي تتردد على السن السذج أو أصحاب الاغراض .
وكما قلت من قبل ، فان من حق المؤلف أن ينتقد الماركسية كما يشاء .. ولكن إذا لم يكن هذا النقد مبنيا على دراسة متعمقة فانه يتحول إلى سلاح يرتد اليه ليصيبه هو ذاته . وكم في بلاد
الغرب من نقاد للماركسية يناصبونها أشد العداء .. ولكنهم يناقشونها على مستوى متعمق يدعو إلى الاحترام ، أما قصة جري الماركسية وراء الماديات فلم يعد أحد يرددها إلا في البلاد المتخلفة ، ولم تعد توجه إلا إلى الشعوب ذات المستوى الثقافي الهابط ، والتي آمل ألا نكون من بينها .
فماركس .. في نظر الدكتور مصطفى محمود يقول ” ببهيمية التاريخ ” ( ص ٣٠) ، وفي المجتمعات الاشتراكية ” لا يفهمون أن الانسان ليس مجرد بطن وغرائز ” ( ص ٧٤) ، كما أن ” خطأ الفكر المادي أنه تصور أن ثلاث وجبات دسمة ومصروف يد وكساء ودواء يمكن أن تكون عزاء كافيا لانسان يعلم أنه ولد ليموت ” ( ص ١١) .
وفي كل صفحة من صفحات الكتاب يردد المؤلف الخلط الشائع بين لفظ ” المادية ” الذي يطلقه ماركس وانجلز على مذهبهما في الفلسفة والمجتمع والتاريخ ، وبين السعي إلى الماديات والانقياد إلى الحياة البهيمية والحرص على اشباع البطن والغرائز .
ومع اعترافي بامكان انتقاد الماركسية في نواح كثيرة ، فان هذا النقد بالذات أبعد ما يكون عن روح الماركسية . بل ان الماركسية لم تظهر أصلا إلا لكي تحارب السعي وراء الكسب والمال ، ولم تكن لها من القوة دافعة سوى مهاجمة الجشع الرأسمالي الذي أحال الانسان إلى حيوان يقتنص اللقمة من فم أخيه ولا يوجد تشويه أبعد عن الحقيقة من استغلال اسم ” المادية ” ، الذي اطلقته الماركسية على نفسها ، من أجل نشر الاعتقاد بأن الماركسية تدعو الانسان إلى الجري اللاهث وراء المادة . لأن هذا بالضبط ما تعيبه الماركسية على الرأسمالية .. وهو الذي جعل الماركسية تسعى إلى القضاء على النظام الرأسمالي واحلال نظام اشتراكي أكثر انسانية محله .
ما رأيك ، يا دكتور مصطفى محمود ، في العبارة الآتية : ” الانسان يصبح ثريا بقدر ما يكون ، لا بقدر ما يملك ” ؟ أتدري من قائلها ؟ انه كارل ماركس ، وفي كتابه الأكبر ” رأس المال ” . وما رأيك في العبارة الآتية ، التي تصف حالة العامل في المجتمع الرأسمالي : إن العامل في عمله لا يؤكد ذاته بل ينفيها ، ولا يشعر بالرضا بل بالتعاسة ، ولا ينمي بحرية قدراته الجسمية والذهنية بل يدمر جسمه ويدمر ذهنه .. ونتيجة لذلك فإن الانسان لا يعود يشعر بأنه يسلك بحرية إلا في وظائفه الحيوانية .. أي في الأكل والشرب والتناسل . أما في وظائفه الأنسانية ( أي العمل والانتاج ) فإنه لا يشعر إلا بأنه حيوان . فما هو حيواني يغدو انسانيا .. وما هو إنساني يغدو حيوانيا ، أتدري من قال ذلك ؟ إنه كارل ماركس في ” المخطوطات الفلسفية والاقتصادية ” .
هل سمعت عن نقد ماركس لفكرة الربح في النظام الرأسمالي ، وهل تعلم أن أول ما تدافع به الرأسمالية عن نفسها في عالم اليوم هو أن دافع الربح ( أي الكسب المادي ) أساسي لدى الانسان ؟ انني لا أود أن ادافع أو أهاجم ، ولكني فقط أقرر حقيقة عامية : هي أن الماركسية لم تظهر أصلا إلا لمحاربة مبدأ الربح المادي .. بوصفه حافزا لعمل الانسان .. في النظام الرأسمالي .
يتبع
2019/02/12