القدرة الأميركية في إطلاق سباق التسلّح

الدكتور رائد المصري
بهدوء… فمحصّلة الصراع اليوم بين القوى الدولية الكبرى المؤثرة يشير إلى أنه ليس صراعاً إيديولوجياً، وهو لهذا يتخذ أشكالاً وأحجاماً تعلو على السطح وتنخفض وتدخل في حراك سياسي وتفاعل بين المحاور من دون الثبات على موقف واحد، فالسياسة الدولية تنتقل وبسرعة من متغيّر الى آخر دون أن ترسو أو تستقرّ على حال، كون هذا التشكل وذاك الصراع يجري بين قوى رأسمالية عالمية، منها من يسير بمنحى التفوّق الاستعماري وتعميم تكتلاته الرأسمالية وتوزيعها على القارات ليضمن تسويق مشاريعه في نهب الثروات، ومنها من يريد أن يكون شريكاً رأسمالياً متفوّقاً بنموذج في الحكم المبني على الشرعيات والحفاظ عليها كمبدأ عام معتمد في السياسات الدولية، حيث تشكل روسيا أحد أبرز هذه القوى مع الصين، وهو ما تحاول الولايات المتحدة تجاوزه ونزع المواد القانونية التي تتسلح بها كلّ من الصين وروسيا كونها تصنع وتوسّع البيئة الدولية الحاضنة وتحشر أميركا وسياسات ترامب في زوايا المنقلبين على أسس الدساتير والقيم الديمقراطية وتداول السلطة وشرعيات النظم السياسية الحاكمة…
لذلك بدأنا نشهد سلسلة من الإجراءات الأميركية الرافضة لمجموعة من الإتفاقيات الدولية المنظمة والراعية لأطر علاقات النظام العالمي، ومنها محاولة إطلاق سباق تسلّح جديد بعد انسحابها غير المبرّر وغير المدروس من اتفاقية الأسلحة المتوسطة المدى بين أميركا وروسيا، في قرار يعتقد ترامب ومن حوله أنه في أستطاعته بذلك وقف توسع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، طالما أنه صار أمراً واقعاً وباتت القدرة الأميركية محدودة بعد الإعلان والبدء بإنسحاباتها من سورية والعراق وأفغانستان، لتأتي خطوة وقف العمل باتفاقية الصواريخ متوسطة المدى صفارة البدء لجرّ روسيا الى سباق تسلح تفقد معه موسكو قدرتها على الاستمرار فيه وتهتز من الداخل، ذلك أنّ سقوط الاتحاد السوفياتي لم يكن بحرب خارجية بل باستنزاف في سباق تسلّح وفي حرب النجوم صرف فيها كلّ إمكاناته آنذاك…
الخوف أن تقع روسيا وهناك شكوك حول قدرة الرئيس بوتين وجرأته من الوقوع بردّ الفعل الأميركي ليقبل التحدي على سبيل إثبات القدرة الروسية وهيبتها، فعملية الدخول بهذا النوع من سباق التسلح مكلف وباهظ ويتطلب إمكانات مالية وقدرة إنتاجية كبيرة هي غير متوفرة في الاقتصاد الروسي الذي يعاني من عقوبات وحصار غربي حتى لو كانت فاعليتها محدودة، فالقدرة الأميركية لهذا النوع من السباق موجودة كدولة استعمارية لا زال العالم بحاجة الى طباعة دولاراتها والتداول بها كعملة عالمية مضمونة التفوّق بتفوّق المعدل العام للقوة الشرائية للفرد الأميركي، ولمعدل الناتج القومي الأميركي البالغ 20 ألف مليار دولار، بينما معدل الناتج القومي للاتحاد الروسي يبلغ 3 آلاف مليار دولار.
القراءة الموضوعية توجب علينا إدراك ومعرفة حقائق الأمور بعيداً عن الرغبات والتمنيات والعواطف، حيث أنّ الولايات المتحدة ومع إدراكها لحجم الخسائر الاستراتيجية التي مُنيت بها في منطقة «الشرق الأوسط» بسبب صمود محور المقاومة وتعزيزه للدور الروسي وإمساكه تقريباً بكل مفاتيح الصراع، ينتقل ترامب الى أميركا اللاتينية والجنوبية، حيث أمامه مهمتان:
المهمة الأولى تصفية حسابه مع آخر معقل أو قلعة من قلاع الثورة البوليفارية وهي فنزويلا لإسقاط حكمها، أو لإدخالها في حرب أهلية وانقسامات عمودية حادة تضرب النسيج الاجتماعي من خلال عملية استمرار الضخ الكاذب للبروباغندا الدعائية الغربية فتسقط كلّ أميركا اللاتينية بعد البرازيل التي خرجت من «بريكس» والأرجنتين وكولومبيا والبيرو وكلّ تحالف دول المركسور، فتحكم أميركا قبضتها على كلّ مقدرات القارة الجنوبية وثرواتها البترولية والتعدينية والقوة البشرية التي تجاوز الـ 500 مليون نسمة…
المهمة الثانية هي لمواجهة القوة الصينية والنفوذ الصيني عبر المحيط الهندي والذي بدأت بكين ببناء وإطلاق مدمّرات وبوارج عسكرية حربية خلف البحار وإقامة قواعد عسكرية لها على القرن الأفريقي لاستكمال مشروع طريق واحد حزام واحد. فلا تستطيع الولايات المتحدة الأميركية خوض غمار هذه المواجهة من دون أن تمتلك أو تعيد بناء قوّتها الاقتصادية انطلاقاً من امتلاكها للنفوذ في قارة أميركا الجنوبية والسيطرة على كلّ مقدراتها الاقتصادية.. فأميركا تتعاطى مع الوضع في فنزويلا اليوم كطريقة تعاطي حلفها العربي مع أهل اليمن، فتفرض حصاراً تجويعياً خانقاً يرافقه قصف جوي وغزو بري، ثم تقوم بإرسال المساعدات الإنسانية لإنقاذ الشعب اليمني أو الفنزويلي من المجاعة.
هذا المشروع الأميركي يتوقف عند الرغبة لدى الصين والقدرة لدى روسيا في تنسيق قوة التحالف بينهما وما يحكم بينهما من مصالح مشتركة في العالم، وهل أنّ الحاجة الروسية أو الصينية بقوة لدور سورية وحضورها وحمايتها هي نفسها الحاجة لدولة مثل فنزويلا…؟ علماً أنّ كلاً من روسيا والصين لم توفرا مناسبة ولا موقفاً إلا وأعلنتا الدعم لشرعية مادورو في الحكم، لكن ما هي حدود ومحاذير هذا الدعم…؟
وكذلك يتوقف هذا المشروع الأميركي على الدور الأوروبي الذي يتخبّط اليوم ولم يستقم، فهل ستنهي أوروبا بشكل كامل فوبيا الخوف من روسيا ومن التمدّد الروسي إليها، وهو ما كانت ولا تزال تبني عليه أميركا كلّ رهانها السياسي بجعل القرار الأوروبي ملحقاً بسياسات العم سام بشكل دائم…؟ أم أنها ستأمن الجانب الروسي وتتوافق بالحدّ الأدنى مع السياسات الروسية وتبني لنفسها مسار علاقات خارجية تقدر من خلاله على اللحاق بالتكنولوجيا الأميركية ومواكبة التطورات التقنية والإبداعية في الخلق والإبتكار من دون أن تكون مرتهنة…؟
فهذا هو الخوف والإضطراب الأوروبي الحقيقي كأنموذج يتغنّى بتطوّره، والخوف من الانجرار الروسي الى سباق تسلح تريده أميركا بالظرف الزماني والمكاني غير المناسبين… وعلينا ترقب مسارات هذا الصراع وأشكال الأحجام الدولية التي تضع أوزانها…
أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
‎2019-‎02-‎13