هيكل .. بين أرشميدس والفرعون والمعبد


بقلم / ياسر رافع
بعد بضعة أيام تحل علينا الذكرى الثالثه لرحيل الكاتب المصرى الكبير ” محمد حسنين هيكل ” عملاق الصحافه الحائز على لقب ” الأستاذ ” بجداره وإستحقاق ، وهو اللقب الذى لم يستحقه بعده أحدا ممن تمنوا رحيله من على منصة الأهرام ، وكثر ممن حاولوا تقليده فى الوسط الصحفى ، الجميع رسبوا فى إختبار الأستاذيه التى تعتبر فى ” الحاله الهيكليه ” حاله فريده لا يمكن فهمها من مجرد البحث حول القدره الصحفيه والموهبه الفذه للأستاذ هيكل ، وإنما يستدعى ذلك فك طلاسم الشخصيه المصريه المحفوره على جدران المعابد .
هيكل ، كثر من تكلموا حوله إما مدحا أو قدحا ، وتعرضوا لموهبته التى لم يختلف عليها أبدا ولكن الخلاف تمحور فى الشق الأكبر منه حول الخلاف السياسى والأيديولوجى ، وعلى الرغم من إشتداد حدة الهجوم عليه فى معظم الحالات داخليا وخارجيا إلا أنه نادرا ما يرد على هذا الهجوم واصفا المهاجمين له بأنهم ” أصحاب الساحات الفارغه ” وهو بذلك قد أضاف لشخصيته بعدا جديدا يضاف إلى عبقرية الصمود وسط العواصف فهو يدرك قانون الطفو الذى يقول ” بأن وزن الجسم المغمور كليا أو جزئيا فى سائل لا يذوب فيه فإن السائل يدفع الجسم بقوه للطفو وهذه القوه تساوى وزن السائل الذى يزيحه الجسم ” ، إنها قاعدة أرشميدس التى أتقن فهم قانونها فجعل من موهبته وعبقريته الثقل الذى لا يذوب فى السوائل وكلما أرادوا أن يغرقوه كان قادرا على إزاحه الكثير منهم سكبا على أرضية الأوهام .
لكن لا يمكن فهم قانون الطفو فى شخصيه ” هيكل ” إلا إذا عرفنا أن الموهبه وحدها ليست كفيله بأن تجعله يطفو إلا إذا إستطاع أن يكون قريبا من قصر الفرعون متفاديا الصدام مع كهنة المعبد ، فهيكل قارئ ممتاز للتاريخ وقادرا على إستيعاب ما يسمعه وينفذه بدقه ، فبعد بدايه ناجحه فى عالم الصحافه وذاعت موهبته إلا أنه وجد من يهمس فى أذنه ” الأستاذ محمد التابعى ” ويقول له ” السياسه تصنع فى القصور ” لافتا نظره إلى أن الموهبه وحدها ليست كافيه لصعوده إلى آفاق عاليه ، وبما أنه يدرك مكنون الشخصيه المصريه فقد إتجه مباشرة إلى القصور يسمع ويتعلم ويصيغ بموهبته كل ما يسمع ، ولم يضيع وقتا فى تملق القصور من بعيد على أمل أن يلتفت إليه أحدا فى شرفة أحد القصور ، وهو ما أوصله فى النهايه إلى ساكن القصر الكبير وأصبح متربعا فيه بلا منازع ، ولكن هذا لم يكن بالأمر السهل فالقرب من الفرعون ليس عملا ممتعا ولا شيقا فى معظم الحالات حيث أن هناك كهنه للمعبد لا يحبذون أن يقترب احدا أكثر من اللازم من الفرعون .
فهو كان يدرك أن فهم طبيعة الحكم فى مصر لا يحتاج إلا محاولات وتجارب كثيره ، فهى لم تتغير منذ أول بناء سياسى فى التاريخ على ضفاف النيل ، فالحكم فى مصر لم تتغير طبيعة بناءه منذ العصور الغابره حتى اللحظه الآنيه فهو يتمحور حول قصر الفرعون كبدايه للأحداث ونهايتها ، وبين المعبد وكهنته الذين وجدوا فى قصر الفرعون سر بقاءهم ، وعلى الرغم من تغير شكل المعبد وكهنته وتوزعها على فكرة مراكز القوى فى كل زمن إلا أنها أبقت على قصر الفرعون كشخصيه حاكمه ضامنه لإستمرار الوجود ، وهذا ما جعل هيكل يستميت فى المكوث فى قصر الفرعون لأطول الفترات حتى يضمن لموهبته تجذرا كبيرا ، ولكن هذا ظل صامدا فى قصر الفرعون فى عصر الرئيس عبد الناصر ، ولكنه كان قد أغضب كثيرا من كهنة المعبد الذين كانوا يتحينون الفرصه للإنقضاض عليه فى مشهد تاريخى مكرر فى الحاله المصريه ، وهو ما بدا سهل المنال مع رحيل عبد الناصر ، ولكنه سرعان ما وجد فى ساكن القصر الجديد الرئيس السادات حاميا له بل وتخلصا من كهنه المعبد فى العصر السابق ، وظن هيكل أنه بمأمن داخل جدران القصر ومع فرعونه الجديد لكنه لم يدرك قانون البقاء بالقرب من أعلى السلطه وظن أنه سيستطيع أن يسيطر عليه كما فعل الكاردينال الفرنسى ” ريشيليو ” الذى سيطر على القصر والدوله تحت مظلة ” لويس الثالث عشر ” ملك ضعيف يتحكم فيه ، وسرعان ما جاء خروجه من قصر الفرعون بل وتم تجريده من سلطته بين جدران جريدة الأهرام ، وكما فرح الشعب الفرنسى برحيل ” ريشيليو ” بالوفاة ، فرح كهنة المعبد الجدد المتحلقين حول الفرعون ساكن القصر الجديد وارادوا قتله معنويا والتشكيك فى موهبته ، ولكنه لم يعبأ بذلك على الرغم من زجه فى أقبية السجون إلا أنه موهبته الصحفيه جعلته طافيا فهو لم يعد ذاك الشاب الطموح الذى يرنوا ببصره ناحية قصر الفرعون متحاشيا كهنة المعبد ، فقد ثقلت موهبته وأصبحت رقما صعبا وأصبح قلمه مزعجا وقلقا ليس للكهنه فقط بل لقصر الفرعون ذاته فى بعض الأحيان إلا أنه لم يقطع الصله فهو يدرك أن صحفى بدون معلومه موثقه فلن يعدوا حديثه إلا مجرد رأى لن يجد له صدى مؤثر .
وبعد أن إندلعت ثورة 25 يناير وجدنا ” هيكل ” وقد بلغ من العمر عتيا يبعث من جديد وكأنه طائر الفينيق الأسطورى وجلس الشباب أمامه يسمعون منه قبل الشيوخ ، بل تعدى ذلك أن تم إستدعاءه لقصر الفرعون الجديد وكأنه إعتذار تاريخى على خلفيه نزاع أيديولجى بينه وبين ساكن القصر الجديد من الأخوان المسلمين ، ولكنه كان يدرك أن ساكن القصر الجديد لديه كهنته وأنه ليس لديه من السنوات الكافيه ما يجعله طامحا لوجود بداخل قصر يرفضه ، وأنه كان يدرك أن الزمن ليس فى صالحه وكان يصف نفسه ” بكراكيب زمنيه ” لهذا ما أن سكن القصر فرعون جديد بعد 30 يونيو حتى راح يكتفى بتوجيه النصائح فقط . وكان هذا تكريما يليق بموهبه تعدت حدود الزمن وحدود الصلاحيه ، موهبه أدركت قانون البقاء داخل جدران الشخصيه المصريه فحفر إسمه يوم وفاته على جدران المعابد كأحد مواهب مصر العظيمه حاملا لقب ” الأستاذ ” بلا منافس حيا وميتا

هيكل حاله مصريه خالصه لا يجوز فهمها إلا فى إطار الشخصيه المصريه المبدعه وعلاقتها بقصر الفرعون وكهنه المعبد ، وعلى الرغم من رحيله سيظل باقيا حيا لفترات أخرى طويله لخلو الساحه المصريه من موهبه مثيله له ، موهبه تدرك أن الإبداع وحده فقط فى مصر ليس حلا نهائيا للديمومه وحفر الإسم على جدران المعابد .
‎2019-‎02-‎12