مساهمة في النقاش ،
علي رهيف الربيعي ( القسم الأول )
كتاب : الماركسية والاسلام ” دار المعارف مصر “
مصطفى محمود
بعد قراءتي للكتاب الذي اكتسح الاسواق العربية ، أن مؤلفه وقع في تناقض شديد من جهة ، وأساء فهم الماركسية بطريقة مؤسفة من جهة أخرى .
ولنبدأ أولا بالتناقض ..
ففي الوقت الذي يصب فيه الدكتور مصطفى محمود نقمته على المذهب الماركسي في جميع جوانبه ، نراه يبذل جهدا مضنيا لكي يثبت أن الاسلام يتضمن كل المبادئ التي يدعو إليها الماركسيون . . ولنستمع إليه وهو يقول :
” ولو نظرنا إلى الاسلام لوجدنا فيه نبعا من الأفكار والحقائق تسبق النظامين تقدما ومعاصرة .. ولوجدنا كل ما حسبناه جديدا في الاشتراكية العلمية هو أمر قديم قدم ثلاثة عشر قرنا في الاسلام . فقد جاء الاسلام من البداية مقررا مبدأ المساواة في الفرص ، وضمان حد للكفاية للفرد وتحقيق التوازن بين حرية الفرد في الربح وحقوق المجتمع ، ومبدأ الملكية الخاصة والملكية العامة ( القطاع العام والقطاع الخاص ) ، ومبدأ تدخل الدولة في الاقتصاد ، وهو ما نسميه اليوم بالاقتصاد الموجه ، ومبدأ مصادرة أموال المستغلين لصالح الفقراء والمظلومين ” . ( ٦٧).
ثم يعدد الدكتور مصطفى محمود ما يتضمنه الاسلام من مبادئ نظن في عصرنا الحاضر أنها من ابتداع الاشتراكية العلمية : فالاسلام لا يسمح بالطبقية ، والاسلام يرفض التفاوت الفاحش في الثروات ، وثروة الغني لا تكون مشروعة إذا كان في المجتمع فقير واحد لا يجد القوت ، بل ان الاسلام ، في رأي الكاتب ، قد عرف المنطق الجدلي أو الديالكتيكي واستخدمه ( ٧٠-٧١) . كل هذا كلام جميل .. ولكن ألم يفكر الدكتور مصطفى محمود أبدا فيما يؤدي إليه كلامه هذا ؟ انه يجعل حملته الضارية على الماركسية أمرا لا معنى له ، بل أمرا متناقضا مع ايمانه الديني الذي يتدفق على صفحات كتبه ومقالاته . ذلك لأنه إذا كان الاساس قد تضمن كل هذه المبادئ التي دعت إليها الماركسية بعده بزمان طويل ، فلا معنى للحملة على الماركسية ووصفها باقبح الصفات بل أن أقصى ما يمكن أن تتهم به في هذه الهفوة هو أنها ليست مذهبا جديدا كما تتصور وانما سبقها الاسلام في كثير من مبادئها الاساسية . وهذه كما نرى هفوة لا تستحق اقذع الشتائم .
بل انه إذا صح ما يقوله الدكتور مصطفى محمود فان مهاجمته للماركسية تصبح مظهرا من مظاهر ضعف الايمان وتزعزع العقيدة اذ ان المذهب الذي يتضمن كثيرا من المبادئ الدينية السامية لا يصح أن يهاجم ، بل عند أي متدين سليم العقيدة أن يثير للماركسية وجود هذه المبادئ فيها .. ثم اختلفت مع الاسلام بعد ذاك في نقاط اخرى وما دام الكاتب قد اثبت أن القضايا الرئيسية في الماركسية قد سبق أن دعا اليها الاسلام فان هذا وحده كاف لان يبعث في نفسه احتراما لها ، ما دامت قد اقتربت إلى هذا الحد من عقيدته التي يؤمن بها من أعماق قلبه .
على أنني أود أن اسجل هنا ، للانصاف أن هذا التناقض ليس قاصرا على الدكتور مصطفى محمود وحده ، بل لقد شهدت السنوات الأخيرة سيلا من الكتب التي ظهرت في مصر وفي بلاد عربية متعددة ، تتحدث عن اشتراكية الاسلام ، وتستمد كل المبادئ الرئيسية في الاشتراكية من مصادر اسلامية ثم تهاجم الماركسية بكل عنف . وهذا ما لا أفهمه ، لأن المنطق السليم لا يسمح لاصدار هذه الكتب إلا بأحد أمرين : اما ان يهاجم الماركسية ( وهذا حق مشروع لهم إذا شاؤ وا ويؤكدوا أن الاسلام مخالف لكل مبادئهم ولا يتضمن شيئا مما تدعو اليه ، وأما أن يؤكدوا اشتراكية الإسلام ويحترموا الماركسية لأنها تضمنت على الأقل بعضا مما سبق ان دعا اليه الاسلام . أما أن يجمعوا بين مبادئ الماركسية بضراوة وتأكيد سبق الاسلام إلى مبادئها الاساسية فهذا مالا يقبله عقل ولا منطق .
يتبع

Bilden kan innehålla: 1 person

 
2019/02/11