بعد 56 عاماً: الشباطيون يعودون لإكمال مهمتهم
صائب خليل
في مثل هذا اليوم، من عام 1963، كان الحرس القومي عادل عبد المهدي، كما يذكر أياد علاوي، على الدبابات التي نفذت انقلاب 8 شباط على عبد الكريم قاسم، وأدخلت العراق في سلسلة الدماء والدموع(0) التي لم تنته حتى الآن.
واليوم، وبعد 56 عاما من المجازر التي نفذها عبد المهدي ورفاقه، هاهو يعود رئيساً للحكومة العراقية هذه المرة. فما الذي يهدف اليه؟
قبل حوالي ثلاث أعوام كتبت مقالة بعنوان “عادل عبد المهدي يهاجم الزعيم قاسم ويعّد لـ 8 شباط جديدة”(1) ذكرت فيها ما قاله عبد المهدي صراحة، وكان وزيراً للنفط، بأن “التغييرات التي حصلت في بنية الدولة العراقية منذ أواخر الخمسينات وبدايات الستينات خربت الكثير من البناءات التي حصلت سابقاً”.(2)
يفضل عبد المهدي دائماً ان يلمح للأشياء بمراوغة، لكي لا يستفز سامعه الذي يشعر بالاحترام والتقدير لثورة تموز 58 وقائدها عبد الكريم قاسم. فما هي البناءات التي “حصلت سابقا” و خربتها ثورة تموز؟
عبد الكريم قاسم قام بتأميم الأراضي غير المستثمرة بالقانون رقم 80، والذي تم التفاوض عليه في الخمسينات وأقر في 61، وتسببت تلك “القوانين الجائرة” التي تحدث عنها عبد المهدي، وتداعياتها، بزيادة كبيرة جداً في مدخولات العراق من النفط!
كذلك قام عبد الكريم بإصلاحات عظيمة خلال سني حكمه القصيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصاد، فوضع الأسس لصناعة وطنية متطورة، تطورت في فترة النمو في السبعينات وتركت اثراً كبيرا على التعليم والتقدم التقني في العراق.
.
فما هي “البناءات التي حصلت سابقاً” وخربتها ثورة تموز؟
منح امتيازات استثمار النفط الى البريطانيين بشكل اعتباطي في وقت كان فيه العراق تحت الانتداب البريطاني المباشر او النفوذ البريطاني المتمثل بالمعاهدات غير المتكافئة والقواعد العسكرية ومختلف وسائل الضغط السياسي، فامتدت احتكارات شركات النفط تدريجيا الى جميع أراضي العراق، وكانت العقود تمنح الشركات حرية التحري والحفر او الامتناع عنها (وهو الأسلوب المعروف للشركات في الخنق الاقتصادي متى تشاء)، وتم تغيير العقود نحو الأسوأ. واستخدمت الشركات أراضي العراق احتياطا مجمدا لمكانتها النفطية، فلم تستثمرها بعد ان مر على امتيازاتها مدة تتراوح بين 23 – 36 سنة دون أن يستفيد العراق منها، فلم تنتج خلال ربع قرن من الزمان سوى 6.5 مليون طن! وكان واضحاً أن الشركات تتعمد تأخير تطور العراق.
.
هذه إذن كانت “البناءات التي حصلت سابقاً”، والتي غيرها عبد الكريم بـ “قوانينه الجائرة” بالنسبة لعبد المهدي.
.
لم تأت تلك القوانين فجأة، بل استمرت المفاوضات بين العراق والشركات ثلاث سنوات. وفي مرحلة منها حضر الزعيم عبد الكريم قاسم المفاوضات دون التوصل الى تسوية، فتم تعليق عمليات الحفر والاستكشاف خارج حدود منطقة عمليات الشركات الفعلية، حتى يتم التوصل الى اتفاق.
وكان الشعب يتابع الاجتماعات عبر محطة الاذاعة من بغداد بشوق وكانت تنقل بصيغة الحوار بين الزعيم عبد الكريم قاسم وبين رئيس وفد الشركات السيد هاريج (قال الزعيم…… وقال هاريج……).
قدمت الشركات عرضا في أواخر 1961 رفضه قاسم وقام بتقديم عرض بديل تضمن استعادة 90% من الأراضي غير المستثمرة من قبل الشركة ومشاركة الحكومة للشركات في جزء من اعمالها، مع بعض التنازلات عن مطالب سابقة. لكن الشركات رفضته بدورها، مما تمخض عن صدور القانون رقم 80 الشهير.
.
يقول الغنام: “انني لأذكر ذلك اليوم المشهود لصدور القانون الذي عمت فيه الفرحة كافت انحاء العراق حيث كنا نحن العاملون في شركة نفط العراق ندرك اهمية ذلك القرار التاريخي الذي باركناه لاعادته الاراضي التي بقيت غير مستثمرة لسنين طويلة.”
يكتب الأستاذ غانم العناز (3): “يعتبر القانون رقم 80 اول واهم قانون في تاريخ العلاقات بين العراق والشركات، .. حيث استطاع فيه العراق لاول مرة من فرض ارادته على الشركات لاستعادة 99.5% من اراضيه.” (انظر ملف مفاوضات النفط *).
وإضافة الى القانون 80 انجز عبد الكريم قاسم في مجال النفط :
أ – انشاء وزارة النفط وبناء الكادر الفني النفطي، الذي مكن العراق من تأميم نفطه لاحقا.
ب – تأسيس منظمة البلدان المصدرة للبترول – اوبك، في بغداد لتصبح اهم المنظمات البترولية في العالم.
وقد غير هذا المستقبل الكلي للعراق واطلق بذرة الصناعة فيه.
.
أما خارج المجال الصناعي، فقد اطلق عبد الكريم قاسم بقوانين الإصلاح الزراعي وقوانين الاسرة، ثورة اجتماعية لو قدر لها أن تستمر لكان العراق اليوم من الدول المتقدمة.
.
لماذا يعتبر عبد المهدي هذه القوانين سيئة، ولماذا يسميها “القوانين الجائرة”؟
لو عدنا الى التاريخ، لوجدنا السر!
لقد امتنع عبد الكريم الذهاب إلى التأميم خشية رد دام من قبل الشركات مثل ردها بالانقلاب الدموي على تأميم مصدق للنفط الإيراني، لكن أمله بتعامل أفضل لم يكن في محله أبداً، فتآمرت الشركات مع كردستان والبعثيين، بقيادة السفارة الامريكية، لمجزرة رهيبة في العراق. وشارك عبد المهدي وفق مذكرات زميله أياد علاوي، في قيادة الاعتصامات والتظاهرات، والتي انتهت بقيامه ورفاقه من الحرس القومي، بانقلاب شباط وقتلوا عبد الكريم قاسم، واغرقوا البلاد في الدماء والدموع.
.
ما علاقة هذا بعبارة “القوانين الجائرة”؟ إنها بالضبط ما وصفت بها شركات النفط الأجنبية، القانون 80 حين صدوره! ويبدو أن تلك العبارة بقيت ترن في إذن عبد المهدي اكثر من نصف قرن!
لماذا؟ الجواب نجده عند ميكيافيلي الإيطالي الذي كتب قبل قرون كتابه الشهير “الأمير”، والذي يشرح فيه كيف يجب ان يسوس الأمير الناس في مملكته او بلده. والنقطة التي تهمنا هنا من الكتاب، تحذير ميكيافيلي للأمير أن لا يسلب أراضي رعيته وأموالهم! ويحذره بأن الحقد الناتج عن ذلك لا ينسى ابداً!
يقول مكيافيلي: الرجل قد ينسى اباه ان سلبته إياه وقتلته، لكنه لن ينسى أبداً ماله ان سلبته، ولن يغفر لك ابداً!
وعادل عبد المهدي سليل اسرة اقطاعية ثرية، وكان والده وزيراً في العهد الملكي، وقد سلبت الثورة هؤلاء المتسلطين سلطتهم وجاههم وبعض أراضيهم ووزعتها على الفلاحين، ويبدو أن عادل عبد المهدي لم ينس “مال والده” الذي نهبه من دم الفقراء ككل الأثرياء عموماً.
وهكذا مرت اكثر من خمسين عاماً ومازال يردد ذات العبارة التي قالتها الشركات: “القوانين الجائرة”. وحين تم احتلال العراق، لم يكن قد نسي، فبادر الى الـ 17% لشركائه في المؤامرة في كردستان التي ساهمت في وقتها بمؤامرة اغتيال الزعيم، وكان أبو مسعود يقود الكرد. وحين تم تعيين حيدر العبادي من قبل الامريكان سارع هذا بوضع عادل عبد المهدي وزيرا للنفط وهو لم يعرف أي شيء عن النفط! وخلال أيام ارسل عبد المهدي الى كردستان ليوقع على بياض كل ما وضعته كردستان من شروط ويعود في اليوم ذاته، ودون ان يصطحب معه أي خبير في النفط، كما قالت وزارة النفط في وقتها!
بعد هذا قام بحياكة مؤامرة شركة النفط الوطنية ورأس “عصابة الخمسة” التي قادتها، والتي اسقطت المحكمة الاتحادية جميع قوانينها الفعالة وكتب عنها خبير المحكمة انها تهدد بدفع العراق الى الخراب والحرب الأهلية!
.
لا احد يعرف على وجه التحديد كيف تطورت علاقة عبد المهدي بالأمريكان، خاصة وأنه تنقل بشكل مثير للشبهة قافزاً من حزب البعث الى الشيوعي ثم الى المجلس الأعلى الإسلامي، لكننا نستطيع ملاحظة الجهد الأمريكي في وضع الرجل على السلطة، خاصة عند اسقاط كونداليزا رايس الجعفري، لكن عبد المهدي خسر التصويت امام المالكي بفارق صوت واحد كما قيل.
.
لكنه خلال توليه بعض المناصب ومنها وزارة النفط كان له محاولات عديدة (بالتعاون مع كردستان دائما) لتنفيذ الرغبات الأمريكية في الاقتصاد العراقي وخاصة ملف النفط، وقد كتبنا عنها سابقا وقد نعود لها لاحقا. ومن محاولاته الكثيرة الفاشلة، عدا مؤامرة شركة النفط الوطنية، إعادة كتابة عقود التراخيص(4) “بعقود مشاركة” كتلك التي وقعتها كردستان، والتي تحصل منها الشركات على أربعة اضعاف ما تحصل عليه من عقود التراخيص، وعلى حساب العراق.
.
أخيراً تمكنت اميركا من وضع صبيها القديم على رئاسة العراق، في ظروف مشبوهة وبطريقة غير دستورية وبمخالفة مباشرة لتوصيات المرجعية المعلنة بالترشيح عن طريق الكتلة الأكبر كما ينص الدستور. وهو يعمل بهمة ونشاط عظيمين وكأنه لن يبقى طويلا في الحكم، وتريد السفارة الاستفادة منه لتوريط العراق وربطه بأكبر عدد ممكن من السلاسل مثل اتفاقية التجارة الحرة مع الأردن والتي يراد تمريرها بمخالفة دستورية أيضا بعدم عرضها على مجلس النواب، والتي تبدو موجهة لإجهاض ما تبقى من صناعة وزراعة في العراق، بل وتدمير موانئه أيضا، كما بين الصناعيون ونواب البصرة.
كذلك وقع عبد المهدي وحكومته التي تشكلت بأغرب طريقة في تاريخ العراق أيضا، عددا كبيرا جدا من القروض مع المؤسسات المالية الدولية الخطرة. وتم تقدير سعر النفط اعلى كثيرا مما يجب في الموازنة، ومنحت كردستان فعليا صلاحية سرقة النفط وبيعه مباشرة دون قلق على رواتب موظفيها، إضافة الى مد أنبوب النفط الذي ليس للعراق أية مصلحة به.
.
من الواضح اليوم إن عادل عبد المهدي، رجل الشركات والسفارة، وقد عادتا به لإكمال سيناريو 8 شباط، بإلغاء “القوانين الجائرة” وإعادة العلاقات كما كانت قبل ثورة تموز، وبتعاون مع ذات الجهات قديمة مثل كردستان وبعض القوى الدينية الاقطاعية، وأخرى جديدة، والهدف كما تحدث جون بيركنز(5) هو إيقاع البلاد في براثن الفشل الاقتصادي والديون، وإجباره في النهاية على بيع نفطه واسقاط شعبه في الفقر إلى الأبد.
.
.(0) علاوي عن 8 شباط: هكذا صعد عادل عبدالمهدي على ظهر دبابات الانقلاب!
https://newnewsiq.com/view.php?cat=3017
(1) عادل عبد المهدي يهاجم الزعيم قاسم ويعّد لـ 8 شباط جديدة
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/879017382155332/
(2) وزير النفط: القوانين الجائرة حولت الاقتصاد العراقي الى ريعي
http://almadapress.com/ar/news/47400/1
(3) غانم العـنّاز : الزعيم عبد الكريم قاسم وسياسته النفطية أو القانون رقم (80) لسنة 1961
http://iraqieconomists.net/…/Ghanim-Al-Anaiz-Oil-policy-of-…
(4) العراق يراجع عقود إنتاج النفط مع الشركات الدولية بسبب هبوط الأسعار
http://www.non14.net/59237 /
(5) اعترافات القاتل الاقتصادي جون بيركنز
https://www.youtube.com/watch?v=mDRuoc6MSZA
(*) رابط لملف بي دي اف: مفاوضات العراق النفطية 1952 – 1968
http://iraqieconomists.net/…/عبد-الله-اسماعيل-مفاوضات-العرا…

Bilden kan innehålla: 1 person, utomhus
2019-02-09