غالب قنديل

تخيل الكثيرون عند انطلاق الغزوة الاستعمارية في المنطقة باحتلال العراق اننا نعيش فصلا من الحروب الأميركية المباشرة وبالوكالة التي قد تنتهي إلى تسويات كما في زمان الحرب الباردة ما بعد الحرب الكونية الثانية لكن الوقائع تثبت العكس تماما وتؤكد ان استراتيجيات البنتاغون الكونية وفي منطقتنا بالذات هي أقرب إلى نظرية الحرب الدائمة التي اشتقها ليوشتراوس ملهم جماعة المحافظين الجدد من نظرية تروتسكي عن الثورة الدائمة.

بعد الحرب العالمية الثانية كان الصراع بين المعسكرين الغربي والسوفياتي محكوما بخطوط الجبهات التي رسمتها الجيوش في انتشارها خلال تلك الحرب وعبر محاورها القتالية وعلى خطوط النار قامت خنادق المعسكرين العالميين الكبيرين وتوزعت معظم الدول والحكومات عبر المحيطات بين حلف الناتو وحلف وارسو.

في الوقت الراهن تزاوج الحروب الأميركية لفرض الهيمنة بين القوتين الخشنة والناعمة والولايات المتحدة واجفة من ارتجاج الأرض تحت قدميها في ظل انقسام وارتباك داخل البيت الإمبراطوري ومع تفكك التحالفات الغربية أو اهتزازها في أفضل الأحوال وحيث تخسر واشنطن في ميادين القتال تضع على الطاولة لوائح العقوبات الخانقة وتدير استنزافا للدول المستقلة المقاومة وما يزال التحدي الفعلي الذي يعيق التحول الكوني إلى وضع جديد هو السطوة المالية الأميركية على أسواق المال والنظام المصرفي العالمي بينما تحبو النماذج البديلة ويسعى المبادرون إلى توسيع نطاقها كمشروع قابل للحياة.

خلال العشرين عاما الماضية دارت الحروب والغزوات الأميركية في مختلف مناطق الكرة الأرضية وهي مستمرة ومتصلة على جبهات متداخلة وبلا خطوط تماس واضحة وحيث فشلت الإمبراطورية الأميركية في منع قيام قوى عالمية منافسة وإخضاع إرادة الاستقلال والتخلص من رافضي الهيمنة نتيجة إرادة المقاومة نجح المقاومون في نسج التحالفات مع محور عالمي كبير شرع يتشكل بوضوح منذ انطلاق العدوان الاستعماري الصهيوني الرجعي على الشقيقة سورية التي مثلت مركز المقاومة العالمية والإقليمية للهيمنة الأميركية فقد تجمعت في الميدان حول إرادة الصمود السوري قدرات إيران وروسيا والصين وارتسمت ملامح جبهة مناهضي الهيمنة الأميركية على العالم .

سورية تواصل القتال وهي تحت الحصار والعقوبات وعلى المقلب الآخر من الكرة الأرضية يمكن لفنزويلا توقع مسار مشابه بعد انطلاق الحرب العدوانية الأميركية الصهيونية مؤخرا نتيجة التدخل الاستعماري ومؤامرته الدنيئة لزعزعة هذا البلد وإخضاعه وخنق نزعة التمرد الاستقلالي في القارة اللاتينية بأسرها.

من سورية التمست الولايات المتحدة ملامح كتلة الشرق الصاعدة التي شرعت اطرافها تنسج صيغا من الشراكات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وتؤثر على ميزان القوى في المنطقة والعالم بينما تواصل الإمبراطورية حربها التجارية على الصين واشتباكها المتواصل مع روسيا على جبهات اقتصادية وسياسية وأمنية ممتدة وتحكم عقوباتها المتشددة ضد إيران في حين صعدت هجومها العدواني في اميركا اللاتينية انطلاقا من العدوان على فنزويلا.

عنصر القوة الذي يستوجب التركيز في جبهة مناهضي الهيمنة قيام سلسلة متشابكة الأطراف وتنسق في ما بينها بفضل ما يربطها من شراكات تتيح التنسيق والتحرك لصد العدوان الأميركي الاقتصادي والمالي والعسكري ولكن ورغم ذلك تشكو الدول المناهضة للهيمنة الكبيرة منها والصغيرة من متاعب كثيرة تولدها العقوبات الأميركية وتدابير الحصار وقد بات من الضروري استكمال عناصر المقاومة العالمية للهيمنة بفرض منظومة دولية وأممية جديدة تنطلق من تصحيح التوازن في الأمم المتحدة وهذه المعركة أساسا هي مهمة روسيا والصين.

ما ينبغي ان يتحفز له مقاومو الهيمنة المناضلون من اجل الحرية هو نفير تعبئة الشعوب بمفهوم المقاومة الدائمة سياسيا وعسكريا وثقافيا واقتصاديا مقابل الحروب الاستعمارية الدائمة وحيث لن ينتهي الصراع بجولة مصافحات حبية كحفلات الملاكمة بين قادة البلدان المقاومة وسائر القوى الثورية التحررية من جهة وممثلي الاستعمار والعدوان وعملائهم من جهة ثانية اعترافا بانتصار الإرادة الشعبية فهذا مشهد لن يحصل مع هذه الإمبراطورية المتوحشة وادواتها العميلة فالإمبريالية العجوز إن صافحت تغرس دبوسا مسموما في اليد الممدودة إليها وهي باتت مدركة ان غطرستها تسير إلى حتفها المحتوم مع تمدد وعي الشعوب لحقيقة الاستعباد والاستغلال واللصوصية القذرة المصاحبة لعهود الهيمنة والوصاية الاستعمارية في كل مكان .

إن ما يواجه سورية اليوم من حصار وعقوبات بعد سطوع ملامح انتصارها القادم هو المثال الساطع وكذلك ما يواجه إيران منذ أربعين عاما وما تتعرض له فنزويلا وكوبا وحتى الصين وروسيا يؤكد ان الرد على حروب الولايات المتحدة المستمرة هو المقاومة المستمرة دفاعا عن الوجود والكرامة التي يدوسها الأميركيون في كل مكان لإذلال الشعوب والدول.

نداؤنا إلى المقاومة الدائمة في وجه الحروب الاستعمارية الدائمة … وسننتصر.

2019-02-08