سورية.. همسات شجرة
ميشيل كلاغاصي
يا لحال هذا الزمان.. فلم تعد الجذور تحمي من اكترث وآمن بها ولا من تخلّى عنها، وبتنا لا نشبه بعضنا البعض، وأصبحنا فريقين أو أكثر، وتطابقت حكايتنا وحكاية شجرة الزيتون والبستاني، الذي يأتي في كل عام ليقطف ثمرها فيأكله أو يبيعه أو يعصره زيتًا.
يا له من ناكرٍ للجميل.. فقد يرحل في أية لحظة إلى غير بستان.. تروي الشجرة:
لا أدري كم سأعيش حتى يُرمى بي في النار، ومع ذلك سأقوم بواجبي، وسأكون سعيدةً إن رأيته استفاد من ناري ولبس نوري وحرارتي، وعساها تنبت في صدره وعقله جذورًا.
لا أدري من منّا خدع الآخر، أعساه لم يرَ جذوري وأنا لم أسمع صوته؟ بلى لقد سمعته يغني وهو يقطف ثمري ويلعن صلابة جذوع أخواتي وصديقاتي يوم الحطاب، وبتّ أتساءل هل خدعتني أُذني، أم لغته الجديدة، أم أصابه الجهل وقصر النظر والعمى؟! آه يا زمن.. فلو تكلم البشر بأفعالهم لسمعنا آلاف اللغات وكان للحطابين والأشرار والمنافقين والخونة والعملاء لغاتهم.
وفيما تروي الشجرة حكايتها، قفزت فجأة إلى رأسها الأفكار وشعرت بالحقل يدور، وكأنها تركض باكية، خائفة ولا تعرف لمن تلجأ..! وتقول: أفعلتها الأرض أيضًا وخدعتني، أهي الحقيقة المرّة أم هو الشك والريبة؟ يا للغرابة والفظاعة فلقد سمعتها مرارًا تتكلم العربية، لم أعد أستطيع التركيز والتفكير، ألعلّ عمري وقلة ثمري وثُخن جذعي أثقل سمعي ومنعني كضباب كثيف ولم أر الحقيقة؟؟
لا تخافوا سأهدئ من روعي وسأعيد التفكير من جديد ومن بداية الحكاية، وسأتمسك بجذوري وجذعي وأوراقي ولن أدع أفرعَ أفرعي تأخذني بعيدًا عن تاريخي وأصلي، وسأدوّن أفعال البستاني وليس أقواله، وسأعيد صقل حقائقي التي أؤمن بها أنا وجده بعيدًا عن تلك الكلمات والشعارات التي يرددها حتى يوم احتفاله بعيدي… يا لي من حمقاء!! إذ صدقته يوم قال: زرعوا فأكلنا ونزرع ليأكلوا، فليس من طبعي الغدر ولا البخل، وإلّا لحرمته من ثمري وفيئي وحضني..
لن أغير عاداتي وسأنتظر يومًا يعود بستاني أنا حاملًا بيده دلو ماء يطفئ ظمأي، لا بدموع و حسرة، فلن أتمالك نفسي ولن أدير وجهي وأخفي حبي.. فأنا شجرة زيتون سورية، فكما كنت لهم طوال عمري سأكون الآن، ولأني دائمة الخضرة وجذوري عميقة وجذعي ثخين سأبقى أظلّلهم وبثمري وبيدي أطعمهم علّهم يهتدون.

 
Bilden kan innehålla: träd, himmel, utomhus och natur

‎2019-‎02-‎04