واشنطن ونهاية زمن الإرهاب المالي!..
بقلم: محمد علي جعفر

لا شك أن عملة الدولار لعبت دوراً أساسياً ليس فقط في هيمنة الإقتصاد الأميركي بل أيضاً كانت سبباً طبيعياً لهيمنة السياسة الأمريكية.

وهو حال الدول التي تمتلك النفوذ الإقتصادي، كما فعلت بريطانيا العظمى، فكان الجينيه الإسترليني عملة التداول العالمي، ثم جاءت واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية لتُهيمن على العالم من خلال نظام “بريتون وودز” عام 1944، الذي أعاد هيكلة النظام العالمي وربطه بالدولار.

اليوم، تحتدم الحرب الإقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، لأسباب عديدة، أهمها وجود اليوان كمنافس للدولار، وما يعنيه ذلك في حرب العملات التي تجري، في ظل مساعٍ صينية لكسر الإحتكار الإقتصادي الأمريكي للسوق العالمية.

وهنا فإن التأثير السياسي للأدوات الإقتصادية في الحرب، بات واضح المعالم. حيث أن واشنطن، لم تتوانى عن استخدام العقوبات المالية على سبيل المثال، لمعاقبة أنظمة وتغييرها، وذلك ببساطة من خلال لعبة المصارف والتي ما تزال تُسيطر على الحركة العالمية للمال. وعلى الرغم من تطوير واشنطن للتشريعات الدولية التي تُبرِّر سياساتها، يُعتبر ذلك إرهاباً من النوع المالي. فهل ما تزال هذه السياسة فعالة؟ وكيف تُنبئ تطورات الحرب الإقتصادية بزوال أداة أمريكا الأخيرة للحفاظ على هيمنتها؟
مع تراجع القوة العسكرية الأمريكية، فعَّلت واشنطن أدواتها الناعمة والتي منها أداة العقويات المالية، مُعتمدة على نفوذها السياسي والحقوقي في المنظمات الدولية، والتي كانت في أغلب الأوقات جزءاً من اللعبة الأمريكية. لكن هذه السياسة ومع مرور الزمن، دفعت بأعداء واشنطن للتفكير في كيفية التخلص من الهيمنة الأمريكية وأسلوب واشنطن الإبتزازي. خصوصاً أن العقلية الأمريكية، لم تكن عقلية حكيمة، حتى في التعاطي مع النظام الإقتصادي ومصالح الدول، وهو ما أثبتته “صدمة نيكسون” عام 1971 والتي ألغت ربط الدولار بإحتياط الذهب، ما أغرق العالم بالسيولة الأمريكية، وأدخل الإقتصاد العالمي في أزمات عديدة.
في العام 2006 أعلنت روسيا حربها على واشنطن ونظام الهيمنة. الصين سبقت روسيا، لكن معركتها تختلف في الأسلوب والأهداف. ما يجمع الدولتين هو هدف كسر الإحتكار الأمريكي للإقتصاد العالمي. خلال السنوات الأخيرة أخذت دول عديدة قراراً جريئاً بمواجهة إحتكار الدولار لسوق العملات. لم يكن ذلك صُدفة، أو سوء تقدير، فالعارفون بخفايا الحروب، يعرفون أن مجرد التفكير بهكذا موضوع، كفيل بإشعال حرب.

لكن تراجع القوة الأمريكية وفشل رهاناتها العسكرية وكذلك فشل حلفائها، وتعاظم دول كالصين وروسيا وإيران، جعل المسألة تخرج من النوايا الى العلن. كان نظام السويفت أحد النتائج، بالإضافة الى ظهور العملة الإلكترونية، وصولاً الى دول مجموعة بريكس (البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا) وقيام بعض الدول بتوقيع اتفاقيات ثنائية بعملات غير الدولار (على سبيل المثال، روسيا وإيران، الهند وروسيا و.. ). لكن الحدث الأبرز والذي صنع تحولاً في النظام العالمي، وأدخل منافساً قوياً للدولار الى سوق العملات، هو اعتماد الصين على اليوان لشراء النفط!
في بداية العام 2018 بدأت الحرب الإقتصادية بين الصين وواشنطن تأخذ مساراً تصاعدياً. حربٌ باردة لكنها طالت الأسواق العالمية. تُديرها العقول الأمريكية الصينية، بحسب المصالح السياسية. خلال العام 2018 أثبت اليوان الصيني قدرته على المنافسة، تحديداً خلال شهر آذار عندما أعلنت الصين عن إطلاق “البترو يوان”. شكل ذلك تحولاً في المسار المالي لتعاطي مع سوق النفط. شاركت كل من فنزويلا وروسيا في اللعبة الصينية، وساهمت الى حدٍ ما من إضعاف القوة التقليدية للدولار في سوق العملات. خلال الأشهر الأخيرة من العام 2018، خفَّضت الصين من قيمة اليوان أمام الدولار لتعزيز صادراتها للدول الغربية ومنها أمريكا. ودخل العام 2019 في ظل حربٍ محتدمة بين الصين وأمريكا، ترتفع وتيرتها وتنخفض بحسب المصالح السياسية المُتقلبة.
اليوم تراجعت تعاملات الدولار في السوق المالية العالمية من 90 % (خلال السنوات العشر السابقة) الى 64% (اليوم). تدعم عدة دول الصين في حربها ضد الولايات المتحدة. ما أحدث تحولاً في سوق العملات لا يبدو أنه سيتوقف. ديناميكيات الإقتصاد الدولي والتقلب في الأسواق، سيجعل من البترو يوان عملة تُهدد الدولار الأمريكي. وهو ما سيجعل أمريكا في موقع حربٍ وجودية. لنقول أن العالم يقف أمام طموحٍ صيني بالهيمنة على العالم من خلال الإقتصاد، وشراسة أمريكية للمحافظة على مكمن القوة الأساسي. ما يعني ان الحرب الباردة ستزداد شراستها، مع تحولها لحرب علنية وبشكلٍ رسمي (بين حكومات). ولأن روسيا وإيران والهند بالإضافة الى دول كالبرازيل والأرجنتين وفنزويلا شريكة في اللعبة ضد واشنطن، فالحرب ستمتد اليهم حتماً. النتيجة ستكون نظام عالمي مُتعدد الأقطاب الإقتصاديين ولو مرحلياً، ونهاية لزمن الإرهاب المالي الأمريكي!
2019-02-04