فنزويلا.. “نوايا” مع روسيا تفجّر أطماع واشنطن بـ”بحر نفط الفقراء”

عمان ـ خاص لـ “رأي اليوم” ـ

حسين الصرايرة

بعد عشرين عاماً من “شبه” الاشتراكية تكملها كاركاس مطلع شباط/فبراير القادم، تواجه فنزويلا انقلاب الأمريكيتين على نظام الحكم فيها، كفرصة لإنهاء آخر معاقل “التأميم” على موارد الطاقة حول العالم، بإزالة النظرة الاقتصادية المعارضة للسوق الحر الذي تتربع على عرشه الرأسمالية الأمريكية في واشنطن التي بدت في أوج وضوحها وشراستها مع تولي دونالد ترامب التاجر والمستثمر الذي ينظر حتى لأقرب حلفائه من ثقب في ورقة دولار.

ومنذ إعلان رئيس البرلمان الفنزويلي ورئيس المعارضة خوان غوايدو تنصيب نفسه رئيساً انتقالياً لبلاده، الأربعاء، بدلاً من الرئيس الحالي نيكولاس مادورو،  واصلت أسعار النفط الارتفاع مع استمرار أزمة “شرعية” الحكم في أثقل مخزن طبيعي للنفط، مهددة بتعقيد مهمة منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) في تحقيق التوازن بين إمدادات النفط العالمية، وعرضه وطلبه.

بحر نفط وفقراء يغرقون

انتهجت كاركاس منذ تولي الرئيس الراحل هوجو تشافيز سياسة نفطية متعصبة، حافظت على معدلات إنتاج ضئيلة مقارنة بمخزونها الفعلي، لتضبط مستويات العرض في أوبك الذي ترأست مكاتبه الدائمة لسنوات طويلة، فكل أنظار سوق الطاقة كانت تنظر إلى الخليج العربي الذي كان “مندفعاً” في استخراج موارده الأحفورية منذ اكتشافه في الثلث الأول من القرن العشرين. إلا أن نقطة ارتكاز هذا السوق تكمن تماماً في المنتج الشحيح للنفط في أمريكا الجنوبية.

شركة النفط الوطنية الفنزويلية، التي كانت أداة سياسية بحتة في يد الحزب الاشتراكي الموحد الذي يحكم البلاد، وقفت في وجه شركات التنقيب النفطية الأمريكية والكندية لزيادة الإنتاج، والذي انخفض إلى 1.339 مليون برميل يومياً في نهاية العام 2018، بعد أن كان قرابة  1.911 مليون برميل يومياً في نهاية 2017، بنسبة حوالي 30%.

إلا أن نهاية العام الماضي سعى مادورو لإنقاذ الاقتصاد المحلي بإبرام سلسلة “نوايا” لاستثمار روسيا 6 مليارات دولار أمريكي في النفط والغاز والذهب، ما أثار -على ما يبدو- حفيظة العدو التقليدي لـ”اليسار”، واشنطن.

كل ذلك جاء بعد أكثر من عقد ونصف العقد من المواقف السياسية الصريحة المعادية لأمريكا وحلفائها، والتي ترتبت عليها عقوبات اقتصادية حادة أدت بالدين العام في البلاد إلى التضاعف ليصل أكثر من 60 مليار دولار، ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي الذي يرفض الحزب الاشتراكي رفعه باستخراج ما لدى البلاد من موارد طبيعية.

فيما تجاوزت نسبة من هم دون خط الفقر أكثر من 80% من السكان الذين نزحوا إلى بلدان مجاورة جراء الظروف الاقتصادية الصعبة والكساد المستمر.

رفض مادورو لـ”لبرلة” نفطه واستخراجه بوفرة ليعود على اقتصاد فنزويلا وشعبها بالأمان الاقتصادي الذي غاب عنها منذ عقود، كان فرصة لكسب تأييد الفقراء بالملايين الذين وجدوا في زعيم المعارضة فرصة لتخفيف الضغوطات الاقتصادية بالتراضي مع رغبات الولايات المتحدة.

لماذا الآن؟

صعود المعارضة ومحاولتها دخول قصر الرئاسة بدعم “ليبرالي” من دول الأمريكيتين، ومعظم الدول الأوروبية، جاء استجابة لأمرين معاً؛ هشاشة سوق النفط، وغضب ترامب.

الوقود الأحفوري الذي رسم شكل الخرائط السياسية حول العالم لقرن من الزمان، بدأ ينضب وسط “كره” بيئي وأممي لما أثره، مصدر الطاقة هذا، من غازات دفيئة واحتباس حراري يرفع حرارة الأرض مهدداً استقرارها المناخي، وحياة السكان على سطحها. الأمر الذي جعل سوق النفط أكثر هشاشة واضطراباً ويلحق –كل حين- خسائر بأكبر الشركات ورؤوس الأموال التي ترتكز عليها دول عظمى كالولايات المتحدة.

إلى ذلك، فإن أكبر مخزون للنفط في العالم يقبع بجوف فنزويلا ويزيد عن 302 مليار برميل، عدا عن الغاز الذي يصل إلى 148 تريليون قدم مكعب، ما يجعل عدم إفراج كراكاس عن هذا الكم من الطاقة قوة معاكسة لأمريكا التي تستمر في معاقبتها، على توجهاتها اليسارية، التي تعتبر النفوذ الأمريكي حول العالم إرهاباً، إضافة إلى مناهضة الاحتلال الإسرائيلي صراحة.

تقييد فنزويلا لمخزونها الطاقي، ينافس الولايات المتحدة التي تستورد النفط من مختلف مصدريه وتصبه في جوفها، سعياً لفترة احتكارية قادمة تشكل قبضة جديدة للبيت الأبيض على العالم.

فحكومة مادورو كسابقتها ترفض استخراج النفط بكميات تشبع أمريكا، المستورد شبه الوحيد لنفط فنزويلا، التي اقتصرته على مليون برميل في اليوم فقط، ما يعني سيطرة دائمة لدولة اشتراكية غنية الموارد فقيرة السكان على منظمة أوبك من جهة، وتناكف واشنطن بصورة متفاوتة، من جهة أخرى.

ومناكفة كاركاس للبيت الأبيض، كلما تبنت الأولى توجهاً سياسياً يغضب الأخيرة، يعني إحراجاً لسوق الدولار المتذبذب أصلاً، وقد تكون هذه المناكفة في فترات لا يقوى الدولار على مواجهتها.

كل ذلك، أظهر مخاوف ترامب من جيرانه، فالمستفيدون من الحجز الفنزويلي على النفط داخل الأرض هي دول القارة الأمريكية، كندا والمكسيك، والبرازيل، لأنها ستستغل ذلك برفع إنتاجها وسد الفجوة التي تركها الفنزويليون في السوق، ليشكلوا تنظيماً موازياً لأوبك فجميع جيران أمريكا ليسو أعضاءً فيها.

بالرغم من أن واشنطن ليست عضواً في أوبك أيضاً، إلا أنها تسيطر من تحت الطاولة على سياسات أكثر الدول إنتاجاً في الخليج العربي والعراق، وبذلك لن يسمح ترامب باستيلاء “غير الحلفاء” على السوق، وتلاعبهم بالنفط، الورقة الأمريكية السحرية في الاقتصاد، المبني على دولار لا يغطيه احتياطي.

الاحتياطي المالي واحتياط الطاقة

واجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي شداً وجذباً واسعاً، بين ترامب وموازنة بلاده، تكلل بأطول إغلاق للحكومة الأمريكية عن خدمة الولايات الـ51، في التاريخ، فاجتهدت الخزانة الأمريكية برفع نسب الفائدة خلال العام الماضي أربع مرات، بواقع ربع نقطة كل مرة، وما زال المجلس يتوقع زيادة أسعار الفائدة ثلاث مرات أخرى في العام 2019، فضلاً عن زيادة واحدة في عام 2020.

رفع الفائدة يضعف حكماً ضمانة تداول العملة الورقية، التي تشكل إلى جانب برميل النفط معادلة يومية توجه قرارات الدول من خلال السوق.

فضعف الدولار النازح تحت وطأة الديون المتضخمة، لن يكون قادراً على مواجهة أي حركات مفاجئة في كفة النفط، ما يعني خسارة الولايات المتحدة سيطرتها “المالية” على العالم في أي لحظة.

اجتياح شركات النفط الأمريكية لفنزويلا يعني القبض على مخزون نفطي منافس، وحماية أكيدة للدولار، وذلك ما لن يحدث ما دام مادورو “الاشتراكي” على رأس السلطة.

بعيداً عن محور الحقوق والحريات المتردية في فنزويلا، إن تغيير شكل النظام في كراكاس يعني دخول ترامب إلى أقرب وأكبر مخزون لصناعة البتروكيماويات، يضمن لأمريكا تزويداً كثيفاً ومستمراً وسريعاً (حيث لا تبعد شواطئ البلدين مسافة 5 أيام في ناقلة نفط)، وذي جودة، حيث خلطت شركة النفط الوطنية الفنزويلية مراراً نفطها  القليل أصلاً بالماء عام 2018، وأرسلته للولايات المتحدة كرد على عقوباتها.

ملاحظة:

اعتمدت الورقة على مصادر  موثقة للمعلومات من قاعدة بيانات منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) وإدارة المعلومات الأمريكية ونشرات شركة النفط الفنزويلية، ومحاضر جلسات مجلس الأمن في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعدد من البيانات الصحفية الرسمية.

*خبير أردني معتمد في إدارة الطاقة

رأي اليوم” ـ

2019-02-04