صيد العُزَّل


أبراهيم البهرزي
كم عدد الجرائم التي قيدت في سجلات القضاء على انها ضد مجهول ؟
لا يبالغ احدنا حين يقول ان هناك عشرات آلاف الضحايا من مختلف مكونات الشعب ممن قتلوا وظل قاتلهم مجهولا في وثائق الشرطة والقضاء
معنى ذلك ان هناك بالمقابل عشرات الآلاف من القتلة المطلقي السراح يجولون في طول البلاد وعرضها وهم مستمرون في ممارسات هواياتهم التي أدمنوا عليها : القتل بقلوب مطمئنة !
حين تجلس في باص عام او مطعم او تتجول في سوق او دائرة حكومية او تحضر تجمعا جماهيريا كإن تكون حفلة غنائية او مناسبة دينية او رياضية وتلتفت للناس وهم مابين مصفق وضاحك ومتحمس او خاشع وتسال نفسك :
ياترى كم من القتلة المجاهيل بالفعل او بالمشاركة او بالتستر يحتوي هذا الجمع ؟
خصوصا وان القاتل لم يعد مقتصرا على تلك السحنات التي صورتها لنا سرديات السينما ،فقد صار للقاتل سحنة المثقف البشوش ايضا !
السؤال الأخطر هو : هل يتوب القاتل من غواية القتل ؟
نعم لاغرابة ان يصبح القتل غواية طالما ان الثقافة القانونية السائدة تستسهل إغلاق القضايا الجنائية المتعلقة بالقتل وتسجيلها ضد المجاهيل
حتى ان ارواح البشر تهون عند البعض استنادا لهذه الثقافة فتهدر بسبب طائر او وجبة طعام او شبهات وظنون لا اكثر كما نسمع ونقرأ عن عجائب الإجرام العراقي ،ناهيك عن تبرير القتل عشائريا وطائفيا تحت ذرائع أهونها ابتداع قوانين موازية للقانون العام الذي يحكم الجميع
والغريب ان القانون العام والعرف العام يقران لها بذلك ويعتمدان قوانينها احيانا !
مع موجة هروب البشر المسالمين الى أراضي الله الواسعة بحثا عن السلامة لاغيرَ لمن استطاع للهروب سبيلا ،
فهل سيأتي اليوم الذي يصبح فيه المجتمع العراقي عبارة عن سلطة قتلة متنفذين يطاردون بحكم الهواية والغواية لا اكثر قطعان من المسالمين الذين لم يجدوا فرصة للهروب من البلاد ، قطعان لاتملك الفرص والأدوات اللازمة للدفاع عن أنفسها فتجد نفسها مقادة للذبح وسط أنظمة نذور وقرابين جديدة يسنها مجمع الآلهة الجديد المتمثل بالقتلة المجهولين ؟
هنالك نوع من الدببة القطبية لا يأكل بطبعه لحم الانسان، لكنه ان وجد ان هذا اللحم متاح له بسهولة اكثر من بقية الحيوانات ، وافترس إنسانا لمرة واحدة فقط ،فانه لن يستطيب بعدها لحما غير لحم الانسان وان تيسر له سواه ،
كما ان حكايات صيد الساحرات التي شاعت في القرون الوسطى والتي سوّغت للقتلة اغتيال وحرق عشرات الألوف من النساء المستضعفات تحت حجج خرافية وبغطاء ديني كنسي ، ليست ببعيدة في رموزها وشفراتها عما تمارسه قوى الاٍرهاب الديني حاليا ضد مستضعفين ومستضعفات من شتى الأنواع المخالفة
ويبدو ان سهولة افتراس لحم الانسان العراقي دون رادع سيجعلنا نحيا بين قبائل من أكلة لحوم البشر
انا لست بطرانا لأتحدث عن أفلام من الخيال العلمي ، فتلك الأفلام تتحدث عن بضعة من القتلة المرضى المستذئبين !
اني اتحدث عن عشرات الألوف من المستذئبين الذين سبق لهم اقتراف القتل ،وربما مرارا، دونما رادع ،بل وربما نالوا التبجيل لما اقترفوه من قبل جماعاتهم النوعية وهم يمتلكون كل المبررات الجاهزة والمغطاة عرفا (وقانونا احيانا ) لاقتناص من شاؤوا من الطرائد الداجنة الموهومة بحماية القانون
هل سيصبح افتراس المسالمين من قبل المستذئبين طقسا احتفاليا عراقيا ؟
في أنظمة سياسية يتم تمرير عشرات آلاف الجرائم تحت سلطتها لتقيد ضد المجاهيل سيكون سهلا جدا انتاج طقوس مباركة رسميا ودينيا يتم خلالها تمجيد القتل المجاني لمجاميع البشر الداجنة التي لا تملك حولا ولا قوة ولا طريقا يسيرا للهروب من الغابة
مرة اخرى ،انا لا اتحدث عن فيلم خيالي
فالخيال صار معقولا كما ان المجهول معروفا !
ولا يزال المثقف العراقي ، ولأكن انا مثالا ، تفاديا لإستفزاز الآخرين ،لايزال يمارس السخرية وكتابة النقد التنظيري او التسلي بقصائد الأشواق والغزل او إقامة الاصبوحات والأماسي الاستعراضية والبكاء على الأطلال او الاحتجاج ، بالكاسكيتة والنظارة السوداء وحقيبة الكتف ، كإسقاط فرض، دون ان يستطيع التعبير عما يجري في قلعة كافكا المحاصر داخلها !

2019-02-03