إسلام البترول
علي رهيف الربيعي
استغلال المشاعر الدينية لدى الجماهير من أجل نشر نوع من الإسلام لم يكن له نظير طول تاريخ الأمة الإسلامية ، هو إسلام الحجاب واللحي والجلباب القصير وتوقف العمل في مواعيد الصلاة وتحريم قيادة المرأة للسيارات . في هذا النوع من الإسلام ينصب الكفاح على منع الاختلاط بين الرجل والمرأة ، وتلعب التحريمات والمخاوف الجنسية دورا يتجاوز أهميتها في الحياة بكثير ، ويصبح أداء الشعائر غاية في ذاته ، بغض النظر عن المضمون السلوكي والأخلاقي والاجتماعي الكامن من ورائه . وباختصار ، يقوم هذا الإسلام البترولي بعملية فصل تام بين الدين وحياة الناس الفعلية ، وبين الإيمان ومشاكل الفرد أو المجتمع .
فهل كان ظهور هذا الإسلام في أرض البترول بالذات ، وانتشاره منها إلى سائر الاقطار العربية ، مجرد مصادفة ، وهل هو مظهر للتخلف الفكري فحسب ، أم أن هناك عوامل أخرى أشد خفاء وأقوى تأثيرا ؟ وما هو بالضبط دور البترول في ظهور هذه الصيغة للإسلام ؟
لا جدال في أن الارتباط واضح بين هذا الإسلام البترولي ومصالح الدول التي تستهلك بترول العالم العربي ، وخاصة إذا علمنا أن إقبال المجتمعات الإسلامية البترولية علي شراء سلع الدول الصناعية يزداد يوما بعد يوم .
وهكذا تكتمل حلقات المؤامرة : فالإسلام البترولي يبعد أذهان الشعوب التي تدين به عن المشاكل الداخلية والخارجية لمجتمعاتها ، ولكنه لا يمس مصالح الدول الرأسمالية الكبرى في البترول . وهو يدعو الناس إلى الزهد في متاع الدنيا والتدبر في ما ينتظرهم بعد الموت ، ولكنه لا يمس ميولهم الاستهلاكية التي تصل إلى حد السفاهة ، والتي تسهم في إدارة عجلة الانتاج الاقتصادي في الدول ” الصليبية ” ، كما يلقبها وعاظ هذا الاسلام . ولا يجد الإسلام البترولي اي تناقض بين دعوته إلى شمول الشعائر ونشرها على كافة المستويات ، وخصوصية الثروة والنفوذ وفردية القرار السياسي . إنه ، باختصار ، إسلام يوظف لحماية المصالح البترولية للقلة الحاكمة ، وحلفائها من الدول الأجنبية المستغلة .
وفي مقابل هذا كله نستطيع أن نتصور صيغة أخرى للإسلام تأخذ على عاتقها توظيف الثروة البترولية من أجل تحقيق المبادئ التي تعبر عن أسمى ما في العقائد الدينية ، كالعدالة والمساواة والمشاركة . هذه الصيغة للإسلام تشكل تحديا لعقول المسلمين المعاصرين وخيالهم . ذلك لأنهم يواجهون الآن موقفا جديدا لم يكن لهم به عهد من قبل ، موقفا تجتمع فيه العقيدة مع الثروة ، بحيث يصبح التحدي الحقيقي أمامهم هو كيفية الانتفاع من الثروة ، من أجل المحافظة على نقاء العقيدة وإحداث تحول حاسم إلى الأفضل في حياة الناس .
لكن هذا التصور لا يخرج ، في الوقت الراهن ، عن دائرة الأحلام . أما الواقع فيشهد بأن العقبة الكبرى في وجه النهضة الحقيقية للشعوب التي تملك ثروة من أهم ثروات العالم هي البترو – إسلام . فإذا سمعنا الوعاظ والدعاة يحذروننا ، كل يوم ، من مؤامرة الغرب المسيحي على الإسلام ، فلنقل لهم أنه ليس أحب إلى هذا الغرب ، الذي هو رأسمالي واستغلالي قبل أن يكون مسيحيا ، من أن ينشر إسلام البترول هذا ويصبح هو العقيدة المسيطرة على شعوب العالم الإسلامي كله ، وليس أبغض إلى هذا الغرب من ذلك اليوم الذي يتمرد فيه هذا العالم على إسلام البترول ويجعل من تلك الثروة الهائلة وسيلة للارتقاء بحياته وتحقيق مزيد من النقاء لعقيدته .
‎2019-‎02-‎03