قرار المحكمة الإتحادية فضيحة لمجلس النواب والرئاسة

صائب خليل

28  كانون الثاني 2019

لم تنته بعد تداعيات قرار المحكمة الاتحادية بالموافقة على اغلب الطعون المقدمة ضد قانون شركة النفط الوطنية(1) ، فالقضية مازالت قادرة على ان تكشف لنا الكثير عن مجلس النواب الذي وافق على القرار، بلجنته القانونية ولجنة النفط والطاقة، ورئاسة معصوم التي وقعته، كما يكشف لنا تقرير الخبير حمزة الجواهري اموراً أخطر، وسنتناول في هذه المقالة ما يتعلق بقرار المحكمة، ونؤجل دلالات تقرير الخبير الى المقالة التالية.

لو راجعنا قرار المحكمة لوجدنا انها اعتبرت 11 فقرة من القانون غير دستورية!(2)

وهذا رقم كبير جدا في قانون واحد، فربما يمكن ان تمر فقرة او فقرتان غير واضحتان، على النواب وعلى لجانهم القانونية والمختصة، وكذلك مكتب رئيس الجمهورية الذي لا يمر القانون الا بتوقيعه، فكيف مرت 11 فقرة؟

الأدهى من ذلك، أن معظم الفقرات تتعارض مع اكثر من مادة دستورية.

المادة 8 من القانون مثلا، والتي تحدد مهام مجلس الإدارة، تتناقض مع ثلاث مواد من الدستور، هي المواد 78  و 80 و 112 ، وفق قرار المحكمة الاتحادية.

والمادة 11 التي تضع الشركة فوق وزارة المالية الحكومية، تتناقض مع أربعة مواد دستورية، هي المواد 78  و 80 و 111  و 112!!

أما المادة 12 من القانون (وهي الأخطر بلا منازع) والتي تتعلق بالإيرادات المالية للشركة وطرق توزيعها، فقد سجلت الرقم القياسي في مخالفاتها الدستورية، حيث تناقضت مع خمسة مواد دستورية كاملة! هي المواد 78  و 80 (أولاً وثانياً) و 106 و 111  و 112!!

 

 

يمكننا ان نتخيل مرور مادة في القانون لأنها “لا تنسجم” مادة دستورية، حين يكون الأمر في المنطقة الرمادية غير الواضحة وتحتاج الى تفسير من المحكمة الدستورية، أما مخالفة هذا العدد الكبير من مواد القانون لهذا العدد الأكبر من مواد الدستور، فهو مؤشر خطير للغاية!

 

لو فرضنا حسن النية، في قضية اقتصادية خطيرة لا تصلح لحسن النية، وافترضنا أن النواب مرروا القانون لأنهم لم يستطيعوا رؤية الخلل فيه، فما هي إذن، خبرة ومعرفة النواب، إن لم يستطع أي منهم أن يكتشف هذا الخلل الكبير؟ وإن عبرت واحدة او اثنتان فكيف تعبر ما يقارب 20 مخالفة دستورية في قانون واحد؟ لماذا يقبضون رواتبهم إذن وما الذي يفعلونه؟ ما هي مهمة ما يسمى بـ “اللجنة القانونية النيابية” التي مهمتها مراجعة مشاريع القوانين قبل تقديمها للتصويت؟ ماذا عن مجاميع مستشاري مجلس النواب؟

 

لو لاحظنا الصور التي نشرها لوبي “شركة النفط الوطنية العراقية” لنشاطاته الغريبة في مجلس النواب، لرأينا ما قد يكشف حقيقة عمل المجلس. فمن تلك الصور يتبين ان هذا اللوبي الذي كان يقوده مصطفى جبار سند، كان يلاحق النواب في الممرات وعلى السلالم ليقنعهم بالقانون خلال تلك الدقائق كما يبدو، ولم نجد صورة واحدة جمع فيها أحد النواب أعضاء اللوبي هؤلاء مع خبراء نفط ليناقشوا القانون امامه، كما يفترض بقانون معقد بهذا الشكل!

 

واخيراً ما هي مهمة رئيس الجمهورية وأين اداءه لمهمته في مراقبة دستورية القوانين، هو ومكتبه وجيش مستشاريه وملايين الدولارات التي تصرف لهم؟ وكيف لم يكتشف أي من هؤلاء أية ثغرة من تلك الثغرات الهائلة في القانون؟

 

النقطة الغريبة الأخرى وما اكثرها، انه بعد ان تقدم الأستاذ فؤاد الأمير والأستاذ ماجد علاوي بطعنهما بالقانون، رغم محاولات لمنعهما من ذلك، وعلمت الجهات الرسمية بالأمر، ومفاتحة المحكمة الاتحادية لتلك الجهات بشكل استفسارات، سارعت تلك الجهات، مثل وزارة المالية، والبنك المركزي وحتى رئاسة مجلس النواب ومجلس رئاسة الوزراء ووزارة النفط التي سبق لها ان “هنأت الشعب العراقي” بإقرار القانون، بإبداء آرائها ضد القانون امام المحكمة!!

يعني انه لو لم يقدم هؤلاء السادة الطعن، فأن قانوناً كان سيمر، سيء من وجهة نظر كل هذه الجهات، ومخالف لقوانينها! ففي أي بلد نعيش، أية حكومة، وأي مجلس نواب واية مؤسسات هذه؟

 

هذا كله بافتراض حسن النية لتفسير موقف النواب ومجلس الرئاسة وبقية المؤسسات، في ضوء قرار المحكمة الاتحادية، لكن ذلك الافتراض لا يستطيع تفسير بعض الاحداث المثيرة للانتباه، مثل حقيقة تقديم مشروع القانون في آخر أيام دورة مجلس النواب السابقة، ربما من اجل عدم إعطاء الوقت لمن يريد دراسته منهم واستشارة خبراء النفط والقانون.

والأخطر منها حقيقة توقيع مكتب الرئاسة على القانون في نفس يوم وصوله الى المكتب!

فمتى لحق السيد معصوم الذي عرف بتأخيره ابسط القوانين، أن يشكل لجنة لدراسة القانون النفطي المعقد والمليء بالتفاصيل؟ ومتى اجتمعت تلك اللجنة؟ ومتى قررت من يجب استشارته من خبراء النفط والقانون؟ ومتى اجتمعت مع هؤلاء، ومتى أصدرت قرارها؟

يمكننا ان نؤكد ان قرار المحكمة بكثرة الطعون المقبولة، قد ادان كل من مجلس النواب ومجلس الرئاسة والرئيس معصوم، وكشف الخلل والكذب وحتى التآمر في هاتين المؤسستين الأكثر خطورة في البلاد!

 

لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. لنفرض اننا اقتنعنا ان هناك خللا في النواب، اما بالجهل الشديد والكسل، أو التآمر لتمرير القانون، وأردنا ان نعرف من الذي صوت عليه ومن الذي صوت ضده، كما هو حق أي مواطن في أي بلد يعيش نظاما ديمقراطيا ولو من حيث الشكل.. فإننا لن نعرف!

إن الخلل في نظام اعلان الأصوات، والمسكوت عنه بشكل مدهش، يتيح لأي متآمر فاسد ان يصوت على افسد القوانين مختبئاً خلف ستار العتمة التي رضي بها الشعب العراقي حول معرفة قوائم المصوتين في المجلس! فحتى حين لا يكون التصويت سرياً، يصعب جدا على المواطن معرفة من صوت على ماذا في أي قررا! وهذا الإهمال من قبل المواطن لهذا الحق، هو من اقوى أسباب وصول حال البلد الى ما وصل اليه وحال الفساد الذي يطبق قبضته على المنظومة السياسية كلها!

 

فبرضى المواطن بإغماض عينه، تم تمرير هذا القانون الخطير، وتم تمرير قانون الموازنة العجيب، وبدون أن يمكن محاسبة أي احد على موقفه منهما ومما سبقهما، لا الآن ولا في المستقبل، وسيبقى البلد ينزف ثرواته ويقترب من الهاوية سريعا، مادام هذا الحال في ادراك المواطن لخطورة إهماله مراقبة نوابه.

 

إذا كان قرار المحكمة الاتحادية يدين النواب ومجلس الرئاسة بالإهمال والجهل فقط، بفرض حسن النية المشكوك به، فأن تقرير الخبير الذي انتدبته المحكمة، يدين من قام بكتابة القانون، بالتآمر على البلاد! هذا سيكون موضوع المقالة القادمة.

 

 

(1) نص قرار المحكمة الدستورية حول الطعن بمواد “قانون شركة النفط الوطنية العراقية”

https://www.facebook.com/FreePeopleNotFreeMarket/posts/1706772339423733

 

(2)  وافقت المحكمة الاتحادية على الطعن بالمواد التالية من “قانون شركة النفط الوطنية العراقية” لعدم دستوريتها، وكالتالي:

المادة 3 من القانون (مهام الشركة) لتعارضها مع المادة 112 بفقرتيها أولا وثانيا والمادة 114 لسلبها صلاحيات الحكومة.

المادة 4 الفقرتان ثالثا وخامسا (تسويق النفط).. لتعارضها مع المادة 112 (صلاحيات الحكومة)

المادة 7 أولا (ان يرأس الشركة موظف بدرجة وزير) لتعارضها مع المادة 62 ثانيا

المادة 7  ثانيا – ح – (احتواء شركة تصدير النفط “سومو”) لتعارضها مع الدستور (المادة 110 أولا وثالثا)

المادة 8 من القانون (مهام مجلس إدارة الشركة) لتعارضها مع مواد الدستور 78  و 80 و 112

المادة 11 من القانون (استقطاع الشركة كلف التشغيل والاستثمار مباشرة من حساب وزارة المالية لدى البنك المركزي) لتعارضها مع مواد الدستور 78  و 80 و 111  و 112

المادة 12 من القانون (الإيرادات المالية للشركة وارباحها وتوزيعها) لتعارضها مع مواد الدستور 78  و 80 و 106 و 111  و 112

المادة 13  من القانون (نظام حوافز لا يخضع للقانون العراقي) لتعارضها مع الدستور المادة 62 ثانيا..

المادة 16 من القانون (استثناء الشركة من القوانين العراقية) لتعارضها مع الدستور المادة 5 التي لا تجيز الغاء قانون بنظام او تعليمات

المادة 18 سادساً من القانون (اسهام الشركة بتنمية القطاع الزراعي.. الخ) لتعارضها مع الدستور المادة 78 و 80

 

مقالة للأستاذ ماجد علاوي يبين فيها انه لا توجد مادة حقيقية واحدة في القانون لم يتم الطعن بها، فلم تفلت الا المواد الشكلية لـ “الكليشة” القانونية مثل التعاريف والاضافات الروتينية.

 يا أيتها السلطتان التشريعية والتنفيذية: هل حفظتم الأمانة ؟ قانون شركة النفط الوطنية لم يحتو على مادة دستورية واحدة!!

 http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1775