بقلم بكر السباتين


حسن نصر الله يقلب الموازين في الحرب النفسية ويغير قواعد الاشتباك

قبل نشر اللقاء الشامل الذي أجرته قناة الميادين مع حسن نصر الله، كانت الإشاعات تطول الجانب الصحي لسماحته وتتمحور حول ما بثه الإعلام الإسرائيلي في أن الرجل مصاب بالسرطان وفي مراحله المتقدمة ما يعني بأن الموت يطرق أبوابه.
وتداول النشطاء المحسوبين على خصوم حزب الله هذا الخبر الملفق بغية إحباط أنصار حزب الله؛ لتغيير محددات الخطاب الإعلامي على هذا الأساس وفي نيتهم أن الخبر متوقع جداً لعدم ظهور حسن نصر الله ما يؤكد على ضرورة طيّ صفحته والحديث عن حزب الله ما بعد رحيله.. لكنه فاجأ الجميع بظهوره الأخير على محطة الميادين في لقاء شامل وهو يمازج في حديثه المتماسك العميق الراصد الحصيف بين الجدّية والهزل، والابتسامة تزين محياه وبدا خلال ذلك بصحة وعافية خلافاً للتوقعات. وبذلك يكون حسن نصر الله قد بعثر أوراق خصومه وحشرهم إعلامياً في الزاوية.. الأمر الذي ترك أثره النفسي البالغ على الإسرائيليين.. من هنا جاء بثهم للقاء الميادين مباشرة عبر قنواتهم الإخبارية، لا بل وأشبعوه تحليلاُ فائضاً مباشرة، وكأن الحرب النفسية التي كان الإعلام الإسرائيلي قد أشعها قبل اللقاء، انقلبت عليهم.
وفي سياق اللقاء مع حسن نصر الله حينما سأله بن جدو عن تأثير ذلك أيضاً على أنصاره أجاب نصر الله بأنهم كانوا يدركون الحقيقة من مصادر الحزب الموثوقة وقد رفض أن يبرمج ظهوره على هوى الإسرائيليين ليحدد هو شخصياً التوقيت المناسب وفق حسابات الحزب الخاصة.
وتجدر الإشارة إلى أهمية ما ورد في المقابلة على لسان حسن نصر الله من الناحية الاستراتيجية والتي عكست قدرته الفذة على سبر أغوار خصومه من القادة الإسرائيليين والتوقع بما يفكرون وامتلاكه لخيارات الرد على مشاريعهم العدوانية في إطار الحرب النفسية، وكأنه عالم نفس حصيف وراصد جيد لما يدور من حوله، ومثقف سياسياً وعسكرياً، بل ويمتلك محددات المنطق في تقديره للمواقف، سواء تجلى ذلك في حديثه عن الأنفاق، أو عن الجِدار الإسرائيلي العازل المزمع إقامته على الحدود اللبنانية، أو الوضع اللبناني الداخلي، أو حتى الموقف الاستراتيجي شرق الفرات ناهيك عن صفقة القرن التي جمدت (وفق ما قال) بسبب ما يتعرض له مسوّقها بن سلمان من أزمات خانقة تطوقه، هذا بالإضافة لصمود غزة. ولكن ما لفت أنظار المراقبين، وتحديداً في “إسرائيل” وحلفائهم العرب من أقطاب صفقة القرن، تلك اللغة المراوغة التي انتهجها حسن نصر الله في حديثه المشوق الطويل، التي اتخذت طابع التهديد المتواري وراء هذا الكم الهائل من المعلومات التي قام بتحليلها، وبالذات حديثه المسهب عن دقة الصواريخ التي بحوزة حزب الله.
وكان حسن نصر الله قد تطرق في حديثه لعدة قضايا رئيسة وفق رؤيته الاستشرافية لمستقبل الإقليم برمته، وكأنه بذلك يغير قواعد الاشتباك خلال تداعيات ما أسماه نتنياهو بعملية درع الشمال التي استهدفت الأنفاق على الحدود الشمالية مع لبنان، نافياً حسن نصر الله بأن تكون العملية
قد انتهت كما يسوق لها الإعلام الإسرائيلي، موحياً بوجود أنفاق أخرى ومؤكداً على أن نتنياهو يكذّب على شعبه، لا بل هو على استعداد لحرق الأخضر واليابس لتحقيق مآربه وأهمها التخلص من تهم الفساد التي تلاحقه.. وأنه أيضاً فشل في سوريا وأصيب بالخيبة بسبب الانسحاب الأمريكي الذي لم يكن إقراره من قبل ترامب مفاجئاً للإدارة الأمريكية كما سوّق إعلامياً، بل كان متخذاً مسبقاً، وتم تأجيله لستة أشهر حتى يتمكن الروس من الضغط على إيران للخروج من سوريا من باب المقايضة وهذا لم يتم مع انتهاء المدة بسبب الرفض الإيراني كون تواجدها جاء بطلب من الدولة السورية.
وتجدر الإشارة إلى أن ما شغل الإسرائيليون وألجم حلفاءهم العرب في حديث حسن نصر الله هو تأكيده الواثق على أن كل فِلسطين ستكون ميدان للحرب المرتقبة، وإن حزب الله على أتم الجاهزية لتحقيق ذلك ولديه القدرة على الرد، فهو يمتلك الآن قدراً كافيًا من الصواريخ الدقيقة القادرة على ضرب أهداف استراتيجية في العمق الإسرائيلي عسكرية كانت أو مدنيّة، ويشمل بنك الأهداف للحزب: المطارات (المدنية والعسكرية) ومحطات القطارات والجسور، ومخازن الأمونيا السامّة، في حيفا وما بعد حيفا ومحطات المياه والكهرباء، ، ناهيك عن أخطر هذه الأهداف المتمثل بالمفاعل النوويّ في ديمونا. ولكن مبلغ الخطورة في حديث حسن نصر الله الذي جاء صريحاً وفي قالب ساخر، تجلى في أن عملية اجتياح الجليل وتحريره هو جزء من استراتيجية المقاومة، وهذا الاجتِياح سيكون من كل الحدود وليس من أربع أنفاق، خلافاً لتوقعات نتنياهو وأجهزة مخابراته التي وصفها ب “الفاشلة”.
وذهب حسن نصر الله في حديثه أيضاً إلى منطقة أشد خطورة مؤكداً على أن شرارة هذه الحرب قد تأتي من خلال ارتكاب نتنياهو حماقة في سورية وحذر الإسرائيليين بأنهم سيندمون ندماً كبيراً لأن ثمن أي عدوان سيكون مكلفاً، موحياً بأن غزة تدخل في سياق ذلك مع أن المقاومة هناك سيكون ردها مفاجئاً ولم يفصح عن التفاصيل من باب الحذر.
والمثير في حديثه فيما يتعلق بالشأن السوري هو ما أكد عليه بأنه قد يتم اتّخاذ قرار من قبل سورية ومحور المقاومة، للتعاطي بطريقة مختلفة مع الاعتداءات الإسرائيليّة المنتهكة للأراضي السورية، ومن بينها ضرب العاصمة “تل أبيب”، أي أن زمن الصمت والقبول بالأمر الواقع قد ولى إلى غير رجعة، وحان وقت الرد بالمثل على أي عدوان محتمل. اما عن المأزق في شرق الفرات فهو تركيّ كرديّ بامتياز، وإن أردوغان يناور للعودة إلى اتفاقيّة أضنة، اعترافاً منه بأنّ عودة الجيش السوري إلى الشمال والشرق هو المخرج للجميع، فإدلب تشكل حرجاً لأردوغان لتمركز جبهة النصرة هناك، والحل السلمي لا يكون إلا من خلال التفاوض مع الدولة السورية.
وإزاء الموقف العربي الجديد حيال سوريا، فقد أوضح حسن نصر الله طبيعة المهمة التي قام بها عمرا لبشير حيث قام بنقل رسالة من السعودية إلى الأسد تطلب منه التقدم بطلب العودة إلى جامعة الدول العربية فرفض الأسد ذلك بذريعة أن الطلب يجب أن تتقدم به الجامعة نفسها لأنها هي التي بادرت إلى طرد سوريا، ورغم كل ذلك فإن الدول العربية الداعمة لأعداء سوريا مثل الإمارات والبحرين والسعودية أخذت تتراكض لفتح سفارات لها في دمشق خلافاً لاستراتيجيتهم القديمة والقبول من ثم بالوجود الإيراني على الأراضي السورية ولو على مضض في مواجهة التحالف “التركي القطري الأخواني” رغم أن الإدارة الأمريكية بدأت توجه الدفة من جديد نحو المرتكزات القديمة القائمة على استعداء إيران..
أما فيما يتعلق بالتفاعل الإسرائيلي مع اللقاء، فقد أثار الهلع في الشارع الإسرائيلي، وهو المبتغى الذي خطط له حسن نصر الله في حربه النفسية، إذْ عقب قائد أركان جيش الاحتلال الإسرائيليّ السابق غادي آيزنكوط رداً على تصريحات الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، قائلاً بأنّ صمت نصر الله الطويل جاء بعد أنْ تمّ إفشال ثلاثة مشاريع للحزب، بدءاً من تدمير الأنفاق، وتخريب مشروع حصوله على صواريخ دقيقة، وصولاً إلى إفشال مشروع بناء جبهة ثانية في الجولان، على حدّ تعبيره، ما يعني بأن حديث نصر الله حوّلَ لغة الهجوم في الخطاب الاستراتيجي الإسرائيلي إلى لغة الدفاع عن النفس، مما سيشكك أكثر بادعاءات إيزنكوط حول الأمر وهو الذي خدم في فترة مواجهة “إسرائيل” لما وصف إسرائيلياً بالتموضع العسكري الإيراني في سورية.. وقبل نهاية فترته أعلن عن انتهاء حملة “درع الشمال” لتدمير الأنفاق الهجومية من لبنان إلى داخل الأراضي الإسرائيليّة والتي أكد حسن نصر الله على أنها ما زالت مستمرة وأن قادة “إسرائيل” يكذبون.
ولكن الرد المتوازن جاء من قبل المستشرِق إيهود يعاري، المرتبط مع المنظومة الأمنيّة في تل أبيب إذْ قال بأنه يجب الأخذ بعين الجدية والاعتبار إلى ما قاله حسن نصر الله فيما يتعلق بجدية رد تحالف سوريا وحزب الله وإيران على الضربات الإسرائيليّة المتكررة التي يقوم بتنفيذها سلاح الجوّ الإسرائيلي. مشدداً على أنّ الأمين العام لحزب الله وضع خطوطاً حمراء جديدةً لما أسماها بـقواعد الاشتباك، ومنها التهديد بالردّ العسكري على إصابة أو استهداف عناصر حزب الله أو أيّ من عناصر الحرس الثوري الإيراني على الأراضي السوريّة، وسيكون الرد أشد على أيّ عمليات إسرائيلية عسكريّة ومخابراتيّة محتملة في الأراضي اللبنانية. وأنّ المقاومة بحوزتها الطرق البديلة والناجعة لاجتياز الجدار العازل بين سوريا و”إسرائيل”، ولفت يعاري في سياق تحليله لحديث حسن نصر الله إلى أنّ الأخير أكّد أيضًا على وجود أنفاقٍ لا يعرف عنها الجيش الإسرائيلي.
وأهم ما في الأمر هو توافق يعاري مع حسن نصر الله في وصف التدّخل الإسرائيليّ في سوريّة بالفشل الإستراتيجيّ، وأن حلفاء سوريا انتصروا في الحرب.
وفي الخاتمة ننوه إلى أن حسن نصر تحدث في اللقاء كزعيم يسيطر على مرتكزات الحوار بوعي واقتدار.. ففي رده على سؤال بن جدو حول الموقف الذي سيتخذه السوريون بحق العرب مستقبلاً، أكد حسن نصر الله على أن سوريا لن تتخلى عن حلفائها وسوف تتعامل مع من طعنها في الظهر بتسامح.. هذا هو حديث حسن نصر الله المؤثر في زمن تلاشت معه الشخصية العربية وتحول فيه العدو إلى صديق.. ليأتي من يضع النقاط على الحروف والذي أثبت القدرة على تغيير قواعد الاشتباك بحنكة واقتدار..
***

2019-01-29