السياسة عند الشيخ القرضاوي
علي رهيف الربيعي
إن الشيخ يوسف القرضاوي قد أصبح ، شأنا أو أبينا ، إماما للعصر ، ( رئيس اتحاد علماء المسلمين ) ولم يعد ” الإعجاب ” كافيا للتعبير عن مشاعر ملايين الناس نحوه ، لولا أن الإسلام لا يعرف قديسين لقلت إن علاقة هؤلاء الناس به أقرب إلى التقديس .
يصل العجب من آراء الشيخ إلى ذروته حين خاض ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وكان في هذه الميادين جميعا ضد مصالح الفقراء ، وضد مصالح الشعوب ، وضد قضية وطنه الكبرى ، وفعل هذا كله باسم الإسلام . ولا عجب فنحن لم نسمع من الشيخ ، طوال حياته المديدة ، كلمة يندد فيها بسوء استخدام الشريعة الإسلامية في السعودية أو الخليج ، ولم نسمع عنه أنه نظم حملة لجمع الأموال من أثرياء العرب الذين ينفقون ببذخ يأباه الإسلام ويرفضه ، لصالح المسلمين الذين يموت منهم الألوف كل يوم جوعا في بنغلادش وباكستان ونيجيريا والصومال ، وكل ما نعلمه أنه ينزل ضيفا على هؤلاء الأثرياء حكام الخليج .
على أن الموضوع الذي يثيره مقالات الشيخ القرضاوي وكثير من كتاباته وأحاديثه الأخرى ، والذي قد يكون أهم من كل ما قلت من قبل ، هو موضوع الثقافة العامة لرجال الدين في العالم الإسلامي .
إن أحد لا يملك أن يأخذ على الشيخ القرضاوي ، أو غيره من الدعاة الأفاضل ، هجومه على الماركسبة والشيوعية بل والاشتراكية ذاتها ، فهذا حقه الذي لا نزاع فيه . ولكن الواجب يحتم على المرء أن يعرف خصمه جيدا قبل أن يهاجمه ، بل إن معرفة الخصم معرفة متعمقة تزيد من فعالية الهجوم عليه وتساعد المرء على انتزاع أسلحة الخصم وإبطال حججه جميعا .

فليكره الشيخ الماركسية كما يشاء ، ولكن ليقرأها جيدا وليثقف نفسه فيها بعمق ، حتى لا يهاجمها بمثل هذا التخليط الذي يخدم الماركسية نفسها في نهاية الأمر .
أيدري الشيخ أن مرجعا من أعظم المراجع العالمية العميقة عن الماركسية قد ألفه رجل دين فرنسي معاد للماركسية عداء شديدا ؟ ( أنظر كتاب : ” ماركس ” تأليف ميشيل هنري ، في جزأين ، . ان رجال الدين من المسحيين واليهود في الدول الغربية يقفون في الصف الأول من مثقفي بلادهم ، ويظهر بينهم فلاسفة ومفكرون عالميون ( مارتن بوبر في اليهودبة ، تيليش ونيبو في المسيحية ، إلخ .. ) وهؤلاء لا يحسبون فقط ضمن أقطاب الفكر الديني ، بل أيضا ضمن أقطاب الحركة الثقافية في العالم . صحيح أن ثقافة الشيخ الإسلامية غزيرة ، ولكنه ما دام قد أخذ على عاتقه أن يهاجم المذاهب الأجنبية الأخرى ، فليفهم على الأقل هذه المذاهب ، وليتعمق فيها حتى يجيئ نقده لها عاى أساس متين .
ولكن الظاهرة المؤلمة هي أن الدعاة الإسلاميين عندنا ، حين يتحدثون عن ثقافة الغرب ويوجهون إليها هجومهم ، ويرددون عبارات محفوظة وأحكاما مكررة وكلاما غير علمي ، ويظل هذا الكلام يزداد ويعاد من فوق المنابر وفي أوسع أجهزة الإعلام ، فتأتي الأجيال الشابة التي تثق في كلام شيوخها ثقة مطلقة ، لتحفظ هذه الجمل والأحكام المتهافته وتكررها حرفيا في كل مناسبة ، وتتصور أنها بذلك قد أحاطت بكل جوانب الموضوع علما .
وهكذا تسمع أحكاما فجة عن نظرية التطور ، يؤكد فيها أكثر من كاتب أن داروين كان يهوديا ( مع أنه كان مسيحيا مخلصا ) ، وأن هناك عصابة ثلاثية يهودية تريد نشر الإلحاد والإباحية في العالم ، تتألف من داروين وماركس وفرويد ، وتشكل أهم عنصر في مؤامرة عالمية يهودية . هؤلاء السادة يختزلون النظريات التي أقامت الدنيا وأقعدتها وهزت العالم ، في جملة أو جملتين سخيفتين لا فهم فيهما ولا تعمق ، يرددهما الداعية ثم يبتسم ابتسامة الثقة والعلم والرضا عن النفس ، وكأنه أجهز على هذه النظريات وطرح أصحابها أرضا بعبارته الفجة .
انقدوا ما شئتم ، أيها السادة ، فهذه النظريات كانت بالفعل ، وما زالت ، تتعرض لنقد شديد ، ولكن ليكن نقدكم مبنيا على فهم ومعرفة وتعمق ، لا على جهل وسطحية وغثاثة .

Bilden kan innehålla: 2 personer, hatt och text

 

2019/01/29