إنهيار القيم الجامعية في العراق … مسؤولية من ؟
داخل حسن جريو
الجامعة كما هو معروف حرم آمن، له طقوسه وأجواؤه الخاصة التي تتجلى فيها قدسية العلم ومهابة العلماء, ويتجسد فيهاالانفتاح الفكري دون تعصب أو مغالاة حيث تتبادل الأراء وتتلاقح الأفكار, والسعي الدؤوب من خلال البحوث العلمية الرائدة والأصيلة لإثراء المعرفة وتنمينها ونشرها على أوسع نطاق بهدف الإستفادة منها لترقية الحياة البشرية وتهذيبها من كل شائبة . ولا ندعي هنا أن الجامعة هي مجتمع فلاطوني للفلاسفة والعلماء بمفهوم المدينة الفاضلة , إنما هي كائن حي ينمو ويزدهر في المجتمعات السليمة , وتتأثر حتما بما تتعرض له مجتمعاتها من آفات وويلات ونكبات إجتماعية وتدهور منظوماتها الأخلاقية , ذلك أنها صورة مصغرة من تشكيلات مجتمعاتها , فهي تضم طلية وموظفين وتدريسيين من جميع فئات المجتمع بمختلف إثنياتهم وأديانهم وطوائفهم ومعتقداتهم ومن مختلف أنحاء البلاد, وقد تتعارض مصالحهم وتتباين اراؤهم وهو أمر طبيعي جدا دون أن يفسد للود قضية. لذا أولت الدول المختلفة الجامعات إهتماما خاصا بوصفها أحد أهم أدوات التغيير الذي تنشده أية أمة تسعى بحق لتحقيق نهضة بلادها وإزدهارها , وجعلت من الجامعات حرما آمنا بعيدا عن عبث العابثين والفاسدين .
جاء في معجم المعاني الجامع أن الحرم هو: ما لا يحلّ انتهاكه ، وما يحميه الرَّجل ويدافع عنه, مثل بيت الله الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة, ومن الشهور أربعة حرم أيضا كانت العرب لا تستحل فيها القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب . اهتم العرب المسلمون كثيرا بدور العلم كاهتمامهم بدور العبادة. ولا عجب في ذلك إذ إن أول سورة نزلت على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أمرت بالقراءة والكتابة وطلب العلم ( اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) ،كما قال ( لا خير في من كان من أمتي وهو ليس بعالم ولا متعلم ) ،وأن ( قيمة كل امرئ ما يحسن ) وغيرها.
ولكي تحافظ الجامعة على مكانتها وهيبتها العلمية لابد أن تسعى إلى بناء قيم جامعية سليمة باتخاذ إجراءات كثيرة منها : 1ـ ترسيخ القيم والأعراف الجامعية وأخلاق المهنة الجامعية في مفاصل الحياة الجامعية العلمية والإدارية.
.إشاعة مفاهيم النزاهة والأمانة العلمية في جميع مفردات العمل الجامعي.2
3ـ اعتماد مبدأ التدرج العلمي والوظيفـي في إشغال المواقع العلمية والإداريـة ولاسيما المواقع القيادية.
4. اعتماد معايير الكفاية والتمييز العلمي في إشغال المواقع الجامعية القيادية.
5ـ توسيع المشاركة الجامعية الواسعة في مناقشة جميع القضايا الجامعية وعدم حصرها بفئات محددة لأي سبب من الأسباب ويفضل عقد مؤتمر سنوي مرة واحدة في الأقل لتقويم مسيرة الجامعة، يدعى إليه كل من له صلة بالجامعة من حقل العمل.
6- تحديد مدد زمنية لأشغال المواقع القيادية الجامعية ولا يسمح بتمديدها إطلاقا .ً
7ـ تأمين الحريات الأكاديمية في الوسط الجامعي وعدم السماح بمسها تحت أي ظرف كان ولأي سـبب مـن الأسـباب.
8ـ الجامعة حرم آمن ينبغي أن لا تسـوده أية مظاهر مسلّحة تحت أي مسمى، وأن يكـون بعيـداً عـن مظاهـر العنـف.
9ـ اعتماد مبدأ الحوار العلمي وسياسة الباب المفتوح لسماع جميع الآراء والمقترحات لتطوير العمل الجامعي.
10- سيادة مبدأ القانون ولاشيء سواه في حل جميع القضايا الجامعية في جميع الأحوال.
11- عدم فسـح المجال لأية مداخلات خارجية في الشؤون الجامعية.
12 – بناء تقاليد رصينة تكون قوتها بمستوى قوة القوانين في تصريف شؤون الجامعة.
كما يجب أن تعي الجامعات، والحالة هذه دورها الأخلاقي في بناء علاقات إنسانية تسود الوسط الجامعي برمته، وان توليه اهتماما لا يقل عن اهتمامها بالقضايا العلمية والأكاديمية. لاشك في إن لكل مهنة آدابها وأخلاقها، إذ لا يكفي أن يتقن الحرفي أو صاحب المهنة (أية مهنة كانت) مهارات مهنته، حتى إن أبدع فيها إبداعاً خلاقا، ما لم يكن ذلك مؤطراً ومستندا إلى قاعدة رصينة من الأسس الأخلاقية التي تحدد سلوكه مع الناس المتعاملين معه، أفراداً كانوا أو مؤسسات سلوكا حسناً وإنسانياً.والتعليم عامة، والتعليم الجامعي خاصة، مهنة علمية وتربوية تتطلب درجة عالية من الإلمام بأساسيات العلوم وتفصيلاتها حسب تخصص صاحب المهنة، كما تتطلب درجة عالية أيضاً من الأخلاق السامية التي بدونها لا يمكن تحقيق أهداف مهنة التعليم الجامعي العلمية والتربوية. لذا لا يكفي لممارسي هذه المهنة معرفتهم التفصيلية في العلوم التي يدرسونها ما لم يصحب ذلك قدر عال من الأخلاق السامية، وهنا نحدد بعضاً منها :
1ـ أن يتصف عضو هيئة التدريس بالنزاهة والعفة التامة والابتعاد عن هوى النفس في سلوكه وتصرفه وأحكامه في الشان الخاص أوالعام.
2ـ أن يتصف بالموضوعية والأمانة العلمية، وان لا ينسب لنفسه ما هو حق لغيره وخاصة في مجالات الدراسات والبحوث.
3ـ أن لا يستند من دون وجه حق إلى جهود الآخرين من هم في معيته، أو تحت مسؤوليته ما لم يكن له جهد حقيقي واضح ومميز من الناحية العلمية وليس من موقع المسؤولية الإدارية وخاصة ممن يشغلون مواقع قيادية في سلم الوظائف الجامعية.
4- أن لا يفشي أسرار مهنته تحت أي ظرف كان ولأي سبب من الأسباب.
5ـ أن يحترم زملاءه وان لا يسيء لأي منهم أو انتقادهم خارج الوسط الجامعي، بل عليه التقيد بالصيغ والأعراف الجامعية في معالجة ما يعتقده من ممارسات مخطئة لا تليق بالجامعيين.
6ـ أن يكون شفافا في تعامله مع طلبته لانه عالم ومرب في آن واحد، وان يكون القدوة الحسنة التي يقتدى بها في سلوكه وتصرفه، ذلك انه يعمل في وسط الشباب الذين يتخذون في الغالب من سلوك أساتذتهم إنموذجاً ليس في مجالات العلوم فحسب بل في مجمل السلوك والتصرف الإنساني، في مجالات الحياة المختلفة.
7ـ أن لا ينسى إن الجامعة حرم آمن لذا ينبغي أن تتجلى فيها القيم والأعراف والتقاليد الجامعية العريقة التي قوامها المودة والاحترام والتصرف اللائق مع الآخرين، وان يسعى باستمرار إلى تنمية القيم والتقاليد الجامعية الرصينة.
8ـ أن يتمتع برحابة صدر واسعة لسماع جميع الآراء من زملائه التدريسيين أو من طلبته ومناقشتها بصورة علمية وموضوعية وصولا إلى الرأي الأفضل.
9ـ أن يكون عادلا في أحكامه في جميع الأحوال والظروف وان لا يتأثر بما هو شخصي وذاتي.
10ـ أن يدرك أن للعلم بداية وليست له نهاية، إذ يقول الحديث الشريف: (لا يزال المرء طالبا للعلم، فان ظن انه قد علم فقد جهل). وهذا يتطلب مواصلة التعلم مدى الحياة ومن دون انقطاع.
11ـ أن يتواضع في علمه من دون مباهاة، وان يدرك أن رأس الحكمة مخافة الله اذ يقول الله سبحانه وتعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء).
12ـ أن يسعى إلى نشر علمه بين الناس على أوسع نطاق، إذ يقول الحديث الشريف (يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء).
وبذلك نكون قد أرسينا أسس حياة جامعية سليمة، تزدهر فيها العلوم والمعارف الإنسانية ويتبوأ الأساتذة فيها المواقع الرفيعة ليكونوا قدوة حسنة لطلبتهم لأنهم رموز علمية بارزة عامرة قلوبهم بالإيمان وحب الوطن. و يمكن أن تزدهر الجامعات ازدهارا حقيقيا وتؤدي وظائفها المتمثلة بالتعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع ونشر الثقافة على أفضل وجه ،وان تكون بحق مراكز إشعاع علمي وثقافي وحضاري تعبر بصدق عن قيم وحضارات العراق. ولا يمكن لأي امة أن تنهض وتزدهر ما لم تنهض وتزدهر جامعاتها، ذلك أن الجامعات تعد أهم أدوات التغيير في عصرنا الراهن.
ومما يؤسف له حقا أن نرى إنحدار منظومة التعليم العالي في العراق المستمر, بكافة مستوياتها ومراحلها الدراسية وأطرها العامة منذ غزوه وإحتلاله عام 2003 وحتى يومنا هذا دون أن يحرك أحدا ساكنا إطلاقا . ولعل ما تناقلته بعض وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي مؤخرا من هوسات شعبية في قاعة مناقشة رسالة ماجستير في إحدى الجامعات على مرأى ومسمع لجنة المناقشة والمسؤولين الآخرين ,وكأننا في مهرجان شعبي , وليس في حرم جامعي له طقوسه وهيبته المستمدة أساسا من قدسية العلم وهيبة العلماء, إنما يدعو إلى الحزن والآسى لما آلت إليح جامعات العراق. ونقترح هنا أن يكون حضور مناقشات رسائل وأطاريح طلبة الدراسات العليا مقصورا حصرا على طلبة الدراسات العليا في القسم وأعضاء هيئته التدريسية ممن يرغبون بالحضوردون أن يحق لهم أية مداخلة بسير المناقشة بين الطالب ولجنة المناقشة منعا لهكذا إشكالات مسيئة للوسط الجامعي.
وعلى أية حال يبقى الأمل معقودا على همة علماء العراق ومبدعيه ومفكريه من أساتذة الجامعات الغيارى, إنقاذ جامعاتهم من براثن التخلف والشعوذة وكل أشكال الفساد , والنهوض بجامعاتهم إلى سابق عهدها المشهود لها بالرصانة والتمييز ليس على صعيد المنطقة بل والعالم أجمع.
‎2019-‎01-‎25