العدوان السعودي علي اليمن: تداعيات ومنطلقات فكرية

2- منطلقات فكرية

 

أ.د.محمد أشرف البيومي

أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعتي الإسكندرية وولاية ميشجان (سابقا)   20 إبريل 2015

 

يعجب المرء عندما تقوم دولة بفعل يعرف الكثيرون أنه سيلحق بها في الغالب  نتائجا خطيرة أو علي الأقل ضارة. نتسائل لماذا تقدم السعودية علي هذه المغامرة الخاسرة؟ وما هي العناصر التي اعتمدت عليها والمكونات الفكرية التي انبثق منها هذا القرار؟

لدينا قناعة راسخة أن هدف حكام الجزيرة العربية الحقيقي هو استمرار آل سعود في هيمنتهم علي اليمن. كما أن السعودية شعرت بأنها في مأزق لعدة أسباب: فشلها الذريع لإسقاط الرئيس الأسد، فشلها في محاولاتها الإبقاء علي الرئيس مبارك، فشلها في إجهاض الاتفاق الأمريكي-الإيراني المتوقع ونجاح إيران في الإبقاء علي انجازاتها في التكنولوجيا النووية السلمية ، وفشلها في العراق في توظيف الورقة الطائفية. ثم يجيء فصائل الشعب اليمني وجيشه يهددون نفوذ السعودية في ساحتها الجنوبية، ويصرون علي التخلص من الهيمنة السعودية ومن التخلف، محاولين إقامة دولتهم المستقلة ومشاركة كل عناصر الشعب اليمني لتحقيق التقدم والعدالة المفتقدة. في الوقت نفسه حدثت تغييرات جوهرية داخل السلطة السعودية بعد وفاة الملك عبد الله تكاد تشكل انقلابا في التوجهات، خصوصا بالنسبة للإخوان، كما صعد لقمة السلطة أفراد يفتقدوا الخبرة ويمتلكون قدرا كبيرا من الغرور.

بالإضافة لكل هذا علينا أن نذكر أن منهج السعودية لمحاولة إزالة الحكام الذين يمثلون تهديدا لنموذجهم في الحكم ليس بجديد. فنموذج عبد الناصر السياسي، بمعادته للاستعمار وأعوانه وإرساء الديمقراطية الإجتماعية والتنمية الصناعية والتمسك بالسيادة الوطنية، يتناقض مع النموذج السعودي ويصبح تهديدا لوجوده. فالنموذج العادل المستقل يمتلك قوة عدوي خطيرة بحيث تسعي أقطارا عربية أخري لتطبيقه مما يهدد مباشرة النظم الرجعية. من هنا يتضح الرغبة الجامحة لاسقاط نظام الأسد كما يفسر رغبة مماثلة سابقة للقضاء علي نظام عبد الناصر. توضح الوثائق الغربية المعلنة مؤخرا مطالبة ملحة لقوي الهيمنة الغربية المتحالفة مع الكيان الصهيوني بالاعتداء علي مصر والتخلص من عبد الناصر. لقد ساهمت السعودية في القضاء علي نظام صدام حسين في العراق والقذافي في ليبيا وحاولوا إسقاط نظام الأسد لأربع سنوات دون نجاح.  لم يكترث آل سعود بالخسائر الهائلة المادية والبشرية التي لحقت بشعب مصر والعراق وليبيا وسوريا.

 

تتطابق أو تتشابه المكونات الفكرية الأساسية لقوي القهر وعلي رأسها الكيان الصهيوني. لعلنا نرصد أغلبها فيما يلي:

تبعية فاضحة للإستعمار و للإمبريالية التي تسخر السعودية وأموالها لخدمة مصالحها ودعم اقتصادها عن طريق الودائع الهائلة في المصارف الأمريكية وشراء معدات عسكرية بأموال طائلة، واستخدام السعودية للقيام بمهمات "قذرة" يمنعها القانون الأمريكي. ومن المظاهر الهزلية لهذه التبعية التقليد السخيف للولايات المتحدة الأمريكية في العدوانز فكما شنت أمريكا "عاصفة الصحراء" فالسعودية تشن "عاصفة الحزم" وكما يتبني رؤساء أمريكيون مباديء عدوانية تسمي بأسمائهم كمبدأ "مونرو" أو "مبدأ بوش" أو " مبدأ كارتر" فالسعودية أيضا عندها "مبدأ سلمان".

 

غرور القوة والاعتماد الأساسي على القوة العسكرية (والبوليسية محليا).

يساند هذا الغرور توفر قدرات عسكرية هائلة تم شراؤها بأموال البترول الغزيرة.

 

قصر النظر وخداع النفس الذي يصل إلى حد الإضرار بالذات.

 

عدم الاكتراث بالخسائر البشرية بل بالشعوب نفسها  واعتبارها خسائر جانبية لا تأخذ في معادلة الحسابات إلا عندما يتصاعد غضب شعبي دولي ضاغط علي الحكومات كرد فعل لبشاعة الجرائم اللاإنسانية.

 

طبقية وعنصرية متأصلة: إن الفكر العنصري والطبقي الراسخ لدي حكام السعودية والذي أدي إلي الفجوة الرهيبة في الثروة، والفساد المستشري والمصاحب لها،كما أن ذلك يمثل أحد الأسباب الأساسية لغضب شرائح واسعة في المجتمع بالاضافة للقهر السياسي والاجتماعي والديني مما يمثل خطراً داخليا حقيقيا علي استمرار أمراء السعودية ومذهبهم الوهابي في الحكم والهيمنة علي مجتمع الجزيرة العربية..ولعل هذا من دوافع النظام بتوجيه الأنظار لمشكلة وخطر وهمي خارجي..

 

توهم أنه بالأموال وحدها تحيا الأمم وتصور إمكانية شراء الدول كمصر أو أي مثقف عربي.

ومن المثير للسخرية أن البعض يطلق صفة الجود والكرم علي الكيان السعودي. فبالمقارنة لمئات المليارات من الدولارات التي تصرفها علي السلاح الذي يستخدم الآن لقتل الشعب اليمني والتي تضعها في المصارف الأمريكيةن والأموال التي تغدقها علي الارهابيين، وعلي نشر المذاهب التكفيرية كالوهابية وغيرها، تعطي الفتات لدعم متواضع لاقتصاد بعض الدول العربية. كما أن هذا الكرم والجود الضئيل ليس إلا وسيلة لفرض الهيمنة السعودية. فهاهي تضغط علي باكستان من أجل مشاركة جيشها ولكن البرلمان الباكستاني رفض، وتضغط لمشاركة جيش مصر ولا تدرك أن جيش مصر الوطني ليس للإيجار وشعب مصر ليس للبيع ولا تدرك أن أي قرار بمشاركة الجيش بريا سيلقي رفضا واسعا وعميقا من الشعب المصري وسيجلب إدانة للقرار. إن الشعوب ترفض بإباء أي مساعدة تسمح بالتدخل في الشئون الداخلية.

 

تبرير وسهولة استخدام العنف في المجتمع: يتخذ هذا العنف غطاء دينيا. فعقاب الجلد وقطع الرؤوس وتكفير الآخرين وتعذيب المعارضين، هو جزء  أساسي في  المنهج السعودي.

 

خداع إعلامي واسع عن طريق وسائل الإعلام تملكها السعودية وشراء ذمم الكثير من المثقفين مما يشكل سلاحا هاما في نشر الدعاية التي تروقهم ومنع وصول الحقائق كما يتضح جليا في حرب اليمن وسقوط الإعلام في عدد من الدول العربية سقوطا غير مسبوق، ليس فقط بالانحياز ولكن لطمس الحقائق وحجبها،  بل والأكاذيب الفاضحة.إرهاب فكري واسع في الداخل بل يمتد إلي الوطن العربي كله عبرعمليات مخابرتية وإعلامية لتلطيخ سمعة المعارضين ومحاربتهم، صحيفة الأخبار كمثال.

 

هوس وتطرف ديني: إن الهوس والتطرف الديني مكون أساسي للوهابية السعودية ومصدر أساسي للإرهاب الدولي. وعندما بدأ الإرهاب يدق بقوة أبواب دولا غربية بدأت أخيرا هذه الدول  تدرك مخاطر هذا الفكر المتطرف ودوره في نشر الإرهاب. لن نتعجب أن تمارس هذه الدول ضغوطا كبيرة علي السعودية لتقليص دور الفكر الوهابي داخليا ودوليا. لن يتأتي هذا إلا بتغيير حقيقي في البنية الاجتماعية السياسية بالسعودية والتخلص من هيمنة السلطة وتوظيفها للدين والمال والقهر للهيمنة الداخلية، وضرورة احترام الشعوب و الاستخدام الرشيد لثروات الشعب البترولية.

 

 

الغاية تبرر الوسيلة: وفي ذلك يتفق المنهج الأمريكي الحاكم مع منهج أسامة بن لادن  ومع المنهج الصهيوني منذ إقامة الكيان العنصري حتى الآن من اغتيالات موجهة من الطائرات  ومذابح دير يسن وصبرا وشاتيلا وغيرها. من مذبحة ملجأ العامرية في العراق وقنا بلبنان ومصنع الألبان والمساجد باليمن. كل هذا يؤكد وحدة  المنهج الذي تنتهجه قوي الهيمنة.

 

ورغم ضعف احتمال أن تنتبه السعودية لمخاطر المستنقع الذي أوقعت نفسها فيه، وأوقعتها فيه الولايات المتحدة الأمريكية، فنحن ننادي بهدنة إنسانية فورا لإدخال المعونات الطبية والغذائية للمواطنين وبدء حوار جدي وعادل خصوصا أن هذا البديل هو الذي سيتحقق عاجلاً أو آجلاً فلنتفادي المزيد من الدم والضحايا.

2015/4/23