العدوان السعودي علي اليمن: تداعيات ومنطلقات فكرية

1- تداعيات

 

أ.د.محمد أشرف البيومي

أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعتي الإسكندرية وولاية ميشجان (سابقا) 20 إبريل 2015

 

ماذا حدث؟

 

أجهضت السعودية الحوار عبر الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، والهارب من صنعاء ثم من عدن إلي الرياض، وتبنت مشروع "الأقاليم" التي استهدفت من خلاله عزل وتقزيم، بل إقصاء، عناصر رئيسية من المجتمع اليمني. بعد رد فعل هذه العناصر علي هذا الانقلاب السياسي بدأ العدوان الآثم علي اليمن وشعبه. دخل العدوان أسبوعه الرابع وطيران التحالف المعتدي يدمر المنشئات اليمنية المدنية مثل مصنع الألبان ومستودعات غذائية وأحياء سكنية وحتي الملاعب الرياضية، ويقتل المزيد من الأبرياء من أطفال وشيوخ مما يمثل جرائما بشعة ضد الانسانية. ورغم ذلك القصف المتواصل استمر تقدم قوات الجيش وأنصار الله (ألحوثيون) وقوات شعبية أخري حتي وصلوا إلي عدن. وفي الوقت نفسة انتهزت القاعدة الإرهابية الفرصة للإستيلاء علي حضرموت.

والآن تتصاعد الأصوات الدولية السياسية والحقوقية، و بعض الأصوات العربية المستقلة معترضة أو مدينة للعدوان ومنددة بالجرائم التي ترتكب  في حق الإنسانية ومطالبة بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الطبية والغذائية فورا إلي اليمن.

وفي ظل فشل التحالف المعتدي من تحقيق أي من الأهداف التي أعلنها، اللهم إلا إذا كان الهدف هو التدمير وحسب، نتوقع تصاعد الضغوط علي السعودية للتراجع مع منحها غطاء لحفظ ماء الوجه. وقد يفهم امتناع روسيا من استخدام حق الفيتو لمنع قرار هيئة الأمم المتحدة الظالم في هذا الإطار. نرجو أن تنجح الجهود والضغوط من أجل تمهيد الطريق لحوار متكافيء بين القوي السياسية اليمنية مؤديا إلي حكومة توافقية تعمل لصالح شعب اليمن واستقلاله عن التبعية السعودية-الأمريكية المركبة.

 

فشل السعودية في تحقيق أهدافها المعلنة

 

أعلنت السعودية أهداف العدوان بضرورة استسلام الحوثيون وعودة الرئيس "الشرعي" (المستقيل – الهارب) ومنع "تدخل" إيران وتوسع نفوذها في الجزيرة العربية. فماذا تحقق من هذه الأهداف؟ وما هي نتائج العدوان وارتداداته المستقبلية؟

لم يستسلم "الحوثيون" ولم يستسلم بقية الشعب اليمني بل ازدادت وحدته وتنامي صموده، وهذه نتيجة متوقعة كرد فعل طبيعي لعدوان خارجي يدمر الوطن. هرب الرئيس المستقيل هادي إلي عاصمة البلد المعتدي فلم يتبقي له أي مصداقية وعين خالد بحاح نائبا له كمؤشر التخلي عن هادي. كما أن "الشرعية" التي يحاربون من أجلها ويدمرون وطنا بأكمله لحمايتها هي شرعية وهمية منقوصة تفتقد حدا أدني من التأييد من قبل الشعب اليمني. أما شرعية الأسد التي يشككون فيها، فمن الثابت حتي للدول الغربية التي خططت لإزالة الأسد أنها شرعية حقيقية لأنها منبثقة من تأييد غالبية الشعب السوري. كما أن الرئيس الأسد لم يهرب بل بقي بين شعبه وجيشه يقود مقاومة وصمودا أسطوريا لإنقاذ سوريا والأمة العربية من الإرهاب ومن إملاءات قوي الهيمنة. وانطلاقا من نفس المفهوم السعودي للشرعية، تضغط علي مصر بمصالحة مستحيلة مع الإخوان.

فشلت القوات اليمنية الموالية للسعودية حتي الآن من تأمين موقع قدم في اليمن  ولعل هذا يفسر استمرار العدوان الذي يبدوا أنه لم يفقد الأمل في تحقيق هذا الهدف حتي علي حساب مزيد من الخسائر البشرية والمادية.

أما الخطر الإيراني وتوسع نفوذ إيران فهو نتاج سياسات السعودية نفسها. فهي التي ساندت الحرب العراقية الإيرانية المدمرة ثم احتلال الولايات المتحدة للعراق وبهذا خلقت فراغا استراتيجيا تملؤه إيران. هذا بالإضافة إلي تقاعس السعودية عن دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية في حين أن إيران أيدت وساهمت في انتصارات أو صمود المقاومة. لقد ساهمت السعودية في دعم وتمويل وتصدير الارهابيين إلي سوريا الذين يدمرون سوريا ويقتلون الآلاف من شعبها في حين تساند ايران سوريا بكل قوة. حكام السعودية يقفون مع المعتدي ويعترضون علي توسع نفوذ من يساند التصدي للاعتداء. بل أن تعاونها مع الكيان الصهيوني في عدوانها علي اليمن وفي مواقع أخري لم يعد سراً.

 

نتائج العدوان وارتداداته المتوقعة

ما يلي هو محاولة لتعديد بعض النتائج الأساسية والتداعيات المتوقعة. متروك للقاريء والقارءة تقييم كل منها بالإيجاب أوالسلب وتقدير من المستفيد:

        نجح المعتدون في ضمان كره الشعب اليمني العميق ولعقود طويلة واجيال قادمة، كما حققوا وحدة واسعة بين قبائل اليمن وفصائله السياسية والمذهبية. وهذه نتيجة طبيعية عندما يتعرض الوطن للعدوان.

        فضح  الضعف العسكري للجيش السعودي وعدم تجرؤه حتي الآن من اقتحام اليمن بالقوات البرية رغم الإمكانات العسكرية الهائلة والبلايين التي صرفت للحصول عليها، بالإضافة إلي الدعم السياسي واللوجستي من فبل الدول الغربية.

        أثبت الحكم السعودي أنه قادر علي ارتكاب جرائم بشعة بحق المدنيين تماما مثل ما فعل حليفهم الواقعي الكيان الصهيوني في غزة مؤخرا. وهكذا فضحوا مدي تناسق منهجهم الأصولي المتغطرس مع اسرائيل المعتدية والعنصرية و عدوة الشعوب.

        جاء تأييد جامعة الدول العربية للعدوان ووصف أمينها العام التحالف كأول مرة تنفذ فيه اتفاقية الدفاع العربي المشترك. هذا يمثل  وساماً إضافيا لدور الجامعة كأداة للإمبريالية والرجعية العربية.

        وصف شيخ الأزهر العدوان "بصحوة عربية مدوية" بدلا من دعوته للحوار. انتقص هذا  من مصداقيته ومصداقية أحد أهم المؤسسات الدينية في العالم، كما أن هذه التصريحات تدل علي تفشي خظاب الإسلام السياسي في المؤسسات المصرية. وبهذا التداخل بين الدين والسياسة يتصرف شيخ الأزهر وكأنه رئيس وزراء أو وزير خارجية مصر.

        أحرجت دولاً صديقة مثل باكستان ومصر بممارسة الضغوط المالية حتي ينخرطوا في أئتلاف ظالم وفاشل. وفي النهاية رفض البرلمان الباكستاني المشاركة وفضلت مصر، رغم معارضة البعض، الدعم الرمزي أو الصوري، وهناك مؤشرات عديدة بان الشعب المصري وبعض قياداته يرفضون بشدة التدخل البري بينما تناسي أمراء الخليج أن الدول ليست للبيع.

        مارست السعودية ضغوطا غير مقبولة علي النظام المصري من أجل مصالحة مع الإخوان ومع رئيس الحكومة التركي أردوغان، ومع قطر، رغم علمها بأن هذه المصالحات مرفوضة من الشعب المصري وحكومته.

        من التداعيات المنتظرة استنزاف هائل لثروة البترول بشراء الدول الخليجية مزيداً من الأسلحة،كما جاء بصحيفة النيويورك تايمز في عددها الصادر في 19 إبريل الحالي، والتي ذكرت أن الإدارة الأمريكية ستزيل بعض القيود علي توريد السلاح لدول الخليج والمفروضة بغرض ضمان التفوق الإسرائيلي وذكر أحد الخبراء العسكريين "أن دول الخليج العربية هم في الواقع حلفاء لإسرائيل ضد إيران". وأضافت الصحيفة أنه من المتوقع أن تصرف دول الخليج عشرات عديدة من بلايين (مليارات)  الدولارات لتمويل الصفقات الجديدة، بدلا من صرفها لتحسين أحوال شعوبها.

        سلط العدوان الضوء علي المشاكل الداخلية في دول الخليج وعلي رأسها السعودية، فبالإضافة إلي تحديد إقامة بعض الأمراء لاعتراضهم علي العدوان ضد اليمن الشقيق، هناك تذمر في شرق السعودية، ناهيك عن ثلاث محافظات في "السعودية" ( نجران وعسير وجيزان) هي في الواقع يمنية استولت عليها السعودية في الثلاثينات من القرن الماضي ولا يمكن أن تكون راضية علي العدوان.

        ظهور خلافات هامة بين قوي "الإئتلاف" مما ينبيء بمزيد من تصدعه. تقلص القوة المالية والسياسية للسعودية وعودتها الالتزام بقانون العرض والطلب مما سيؤدي إلي رفع أسعارالبترول بعد انخفاضه المفتعل والذي استهدف الإضرار بالاقتصاد الروسي تنفيذا للإملاءات الأمريكية.

        لم يتقلص نفوذ إيران بل أنه من المتوقع أن يتصاعد خصوصا بعد رفع الحصار الغربي المتوقع.

        انتهزت القاعدة في اليمن الحرب العدوانية وتمددت في حضرموت والجنوب الشرقي للبلاد، وهناك تقارير أن هذا التنظيم الإرهابي حصل علي أسلحة من الجو مما يشير إلي الدعدم السعودي المفضوح للإرهابً. ومن المثير للدهشة أن المتحدث الرسمي السعودي لقوات "التحالف" يعلن بوضوح بأن "قوات التحالف لا تستهدف داعش أو القاعدة".هذا بينما يعلن أنصار الله والجيش اليمني استهدافهم القاعدة وداعش من أجل تخليص اليمن من التكفيريين والإرهاب. وعلينا ألا ننسي أن استراتيجية الذراعين لداعش تنطلق من اليمن وسوريا وتمتد حتي تطبق علي مكة والمدينة حيث تعلن الخلافة. 

هل نكون مبالغين إذا استنتجنا أن أمراء الخليج المشاركين في العدوان لا يفتقدون الانسانية والأخوة العربية وحسب  بل أيضا الذكاء السياسي ؟

 

‏22‏/04‏/2015

يتبع