“في يوم مولد عبد الناصر.. القاهرة توقع كامب دافيد 2”

 أحمد فؤاد

“العدو المرّ”، هكذا كان يلقب قادة الصهاينة في الستينات الزعيم جمال عبد الناصر، وعلى لسان شيمون بيريز، رئيس الكيان الصهيوني السابق، علل الوصف بأن “عبد الناصر” رفض مقترحا صهيونيًا لعودة سيناء مقابل سلام أحادي، لكن ما لم يقله الصهيوني أن عبد الناصر، وفي واحد من أشهر خطاباته، قلل من أهمية عودة سيناء، مؤكدا أن مصر لو قدمت بعض التنازلات ستسترد أرضها ببساطة، لكن جذر الأزمة كما قاله نصًا: “الموضوع ليس الجلاء عن سيناء وحدها، الموضوع أكبر من ذلك، أن نكون أو لا نكون”.

وبغياب عبد الناصر، ثم تغييب مشروعه، سقطت مصر في براثن الإجابة الخاطئة، التي خطها السادات على اتفاقية “كامب دافيد”، وفقدت كيانها بالفعل، وتسير في طريق التخلي عن مقومات وجودها ذاته، كدولة ووطن، بخطى حثيثة، في عهد أنظمة متعاقبة لم تتفق إلا على زيادة حجم ومساحة الوجود الصهيوني في الواقع المصري اليومي، بداية بالتعاون الزراعي، مرورًا باتفاقية “الكويز”، وأخيرًا اتفاقية دولية جديدة لإنشاء حلف من الدول المصدرة للغاز الطبيعي لأوروبا.

واختار الكيان الصهيوني أن يحقق نصره الوحيد، في الألفية الجديدة، على حساب جمال عبد الناصر، حيث جرى التوقيع في عاصمته، وفي يوم ميلاده، وساير النظام المصري، برئاسة عبد الفتاح السيسي، الصهاينة، وقدم لهم بلاده يغتنمون منها ما أرادوا، مقيدة في عجز، وأسيرة سنوات طوال من التجريف السياسي والقيمي، لتمر الاتفاقية الجديدة بلا صوت اعتراض، في ظل قبضة عسكرية غاشمة، تخنق بالعصر كل من يحاول أن يشذ عن صوت مصر الواحد المسروق من عصابة الجنرالات.
 
بداية فإن الاتفاقية الجديدة لإنشاء منتدى شرق المتوسط للغاز لا يقل أثرها عن “كامب دافيد”، وفعلها في يوميات مصر الوطن أفدح وأعمق. الغاز الطبيعي كان محرك أحداث الشرق الأوسط بالكامل في العقد الأخير، بداية من تقسيم المنطقة إلى حلفين تركيا ـ قطر من جهة والسعودية ـ الإمارات من جهة أخرى، والغاز كان شرارة المؤامرة والحرب الكونية على سوريا، التي رفضت أن تكون الممر والقنطرة للغاز القطري إلى أوروبا، بديلًا للغاز الروسي، فكان قرار إشعال سوريا عقابًا على موقفها.

ومع اكتشاف حقول الغاز في شرق المتوسط، والانتصار السوري الوشيك، انتقلت بؤرة الأحداث إلى طريقة لتمرير الغاز القبرصي والصهيوني إلى أوروبا عن طريق تسييله، ولما كان النظام المصري أيضًا في حاجة للطاقة، فقد تبلورت الصفقة منذ زمن، إلى أن جاء موعد إعلانها من القاهرة، كنتيجة طبيعية لسير الحوادث، أو قل المؤامرات.
 
المصلحة على جثة الوطن
 
الاتفاقية الجديدة تقضي بنقل الغاز المكتشف في شرق المتوسط، من الكيان الصهيوني وقبرص إلى مصر، حيث يجري استغلال البنية التحتية المتوافرة سلفًا، لتسييل الغاز، ثم نقله لأسواق الاستهلاك المتعطشة في أوروبا، وهو ما يسميه الإعلام المصري، تحويل مصر إلى مركز إقليمي للغاز الطبيعي، ثم يستفيض في تعداد الفوائد، ونسبة “إنجاز ما” للرئيس المصري، الذي وصف استيراد الغاز الصهيوني بـ “إحنا جبنا جون يا مصريين”، في هتك كامل وغير شرعي للقيم الوطنية وقتل لمعاني الانتماء على مذبح المصلحة.

وتمتلك مصر مجمعي إسالة وتصدير للغاز الطبيعي، الأول في دمياط تمتلك فيه الحكومة 20%، وتمتلك باقي الحصة شركة يونيون فينوسا الإسبانية، والثاني مصنع إسالة الغاز الطبيعي بإدكو، تمتلك الدولة نحو 24% وباقي الحصة لشركة شل العالمية.

وتعد مصانع الإسالة من التسهيلات التي تم إنشاؤها في عهد نظام “مبارك”، وهي حيوية لكل من الكيان الصهيوني وقبرص، لتضمن سرعة وصول الغاز الطبيعي المصدر منهما إلى أوروبا، وأتاحت الاكتشافات الغازية في مطلع الألفية، مع عدم وجود طلب كبير حينها بمصر، تصدير جزء من الغاز المصري، بالإضافة إلى وجود خطوط أنابيب نقل الغاز تربط ما بين مصر والأردن وفلسطين.

ووقعت القاهرة نهاية آب/ أغسطس الماضي، عقدًا لإنشاء خط أنابيب للغاز مع قبرص لربط حقل الغاز البحري القبرصي أفروديت مع السواحل المصرية، وسيصبح جاهزا بحلول 2020.

وفي منتصف العقد الماضي أصبحت مصر مصدرا للغاز الطبيعي، إثر سلسلة من الاكتشافات البحرية، لتصل صادراتها إلى 20 مليار متر مكعب في 2009. وأخذت الصادرات في التراجع، مع تراجع الاستثمارات وعمليات الاستكشاف والإنتاج، وبحلول 2015 أُغلقت منشأتا تسييل الغاز وخط الأنابيب إلى الكيان، لتصبح مصر مرة أخرى مستوردا للغاز وليس مصدرا له.

وأصدر السيسي قانونًا يسمح للقطاع الخاص باستيراد حاجياته من الغاز الطبيعي من خارج البلاد، وإنشاء الجهاز القومي لتنظيم سوق الغاز، في يوليو/تموز 2017، بعد موافقة معتادة من مجلس نوابه، ليكون صاحب ترخيص استيراد الغاز من الخارج، لمن أراد تولية وجهه صوب الحليف الجديد للنظام، الكيان الصهيوني.

وانزوت في ركن مظلم تصريحات الرئيس ورئيس وزرائه ووزير بتروله، عن حقل ظهر، وعن حقول شمال الدلتا، وعن الحقول التي منحها لمصر اتفاق نهائي بترسيم حدود بحرية جرى مع قبرص واليونان، لا يعلم أي متابع حجم التنازلات التي تمت بالضبط، باستثناء الحلقة الضيقة حول الرئيس.
 
“البسيوني”: سرقة لفلسطين ومصر
 
ورفض محمد البسيوني، أمين عام حزب تيار الكرامة، الزيارة الصهيونية، ذاكرًا إنها تمثل تطبيعًا مع العدو الصهيوني، ومساعةً في نهب وسرقة ثروات الغاز الطبيعي بفلسطين  ومصر على السواء.

أضاف “البسيوني”، في تصريحات خاصة لـ “العهد”، أن هذه الزيارة تأتي في إطار موجة من التطبيع والعلاقات العلنية مع الصهاينة، وخاصة من دول الخليج.

وعن دلالات إعلان المنتدى في وقت تحتفل فيه مصر بذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، قال أمين عام حزب تيار الكرامة، إن الكيان يحاول أن يبدو منتصرًا في معاركه مع الأمة العربية، مؤكدًا أن الكيان يعيش أيامه الأخيرة، والتي ربما تمتد لسنوات، لكنه إلى زوال.
 
الارتهان للعدو
 
الخطر الأكبر في الاتفاقيات الجديدة، أنها ترهن الحاضر المصري للعدو الصهيوني، فمحطات الكهرباء المصرية تعمل بالغاز الطبيعي، وكذلك ملايين الأسر المصرية تعتمد على الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة بالمنازل، والغاز أيضًا هو عصب القطاع الصناعي، خصوصًا تلك الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، من الحديد والصلب مرورًا بالسيراميك والإسمنت نهاية بالأسمدة، وصناعة الأسمدة هي الأخرى تمسك بقلب الزراعة المصرية، أي أن أول خلاف بين القاهرة وتل أبيب يضمن الشلل الكامل للاقتصاد المصري.

و”كويز” هي اتفاقية أبرمتها مصر والولايات المتحدة والكيان الصهيوني في كانون الاول/ ديسمبر 2004، ودخلت حيز التنفيذ مطلع 2005، وتنص على السماح للمنتجات المصرية بالدخول للأسواق الأميركية دون جمارك، شرط أن يكون المكون الصهيوني من المواد الخام الداخلة في صناعة هذه المنتجات 11.5%، وانخفضت النسبة إلى 10.5% بعد ذلك.

وتدور الاتفاقية الآن حول صناعة النسيج، كصناعة قليلة القيمة المضافة، والدول الصناعية الكبرى تنقل مثل تلك الصناعات للجنوب، مثل صناعات الأسمنت، وإجمالي صادرات “الكويز” منذ 2005 حتى عام 2016، بلغ 9 مليارات دولار أميركي فقط، في مقابل ارتفاع صاروخي في الاستيراد المصري من الكيان الصهيوني بنسبة 800% من 2005 إلى 2011.

وتعمق الفساد وتغلغل، في بنية الصناعة المصرية، إذ إن الشركات المستفيدة من الاتفاقية 966 شركة، منها 35 تستحوذ على 82% من الصادرات، و931 شركة لها نسبة 18% فقط.

“السعيد”: الاختراق عن طريق الحكومات

وأكد الدكتور مصطفى السعيد، القيادي في اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع، أن الادعاءات التي تذكر أن الرخاء قادم للمصريين بالسلام مع الصهاينة سقطت، منذ أن استخدم السادات هذه المقولة بعد زيارته المشئؤومة للقدس وتوقيعه اتفاقية العار في كامب دافيد، وبعد ما يقرب من أربعة عقود ما نزال نجني الآثار المدمرة للعلاقة مع الصهاينة.

أضاف “السعيد” أنه رغم فشل الكيان في التطبيع الشعبي مع المصريين، إلا أنه تمكن من اختراقه عن طريق الحكومات، وكانت اتفاقية “كويز” أسوأ مثال على نتائج ارتهان الاقتصاد المصري، وتعميق التبعية سواء للكيان أو اقتصاديات الدول الحليفة له، فقد اتسعت اتفاقية الكويز لتشمل عددًا متزايدًا من المصانع، وتشترط شراكة مع الصهاينة مقابل فتح أسواق الولايات المتحدة للمنتجات المصرية، وكانت النتيجة زيادة في عجز الميزان التجاري وانهيار الصناعات التي اشتهرت بها مصر مثل صناعة النسيج، وتدمير شبه شامل للقطاعات الصناعية، وامتدت إلى الزراعة.

وختم القيادي باللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع: “هكذا تصلح مصر كنموذج، لتنبيه الدول لمخاطر التطبيع مع الصهاينة، ونتائج مثل هذا الارتباط”.
 
حسابات المكسب والخسارة
 
يحمل تاريخ التعاون بين الحكومة المصرية ـ من بعد كامب دافيد ـ والكيان الصهيوني الخسائر دائمًا للجانب المصري، ولا تتضح الآثار المدمرة للاتفاقيات سوى بعد سنوات أو عقود، مثل قيود الانتشار العسكري في سيناء، والتي وردت في معاهدة السلام المصري الصهيوني، والتي فوجئ الكل بحجم وعمق أضرارها بعد ثورة 2011، واشتعال المواجهات بين الدولة والجماعات المتطرفة في سيناء، مع عدم القدرة على زيادة القوات والتسليح، إلا في الفترة القليلة الأخيرة، التي أوضحها الرئيس المصري، حين تحدث عن زيادة التعاون بين مصر والكيان لمواجهة الإرهاب في سيناء، وهو ما فسرته مواقع صهيونية بتوجيه الكيان غارات جوية داخل الأرض المصرية.

وزير الطاقة الصهيوني في كلمته أمام منتدى شرق المتوسط للغاز، كشف عن أنها أول مرة توجه دعوة من حكومة لوزير صهيوني منذ 2011، وأن مصر لن تصدر الغاز، مجرد “ممر” لتصدير الغاز الصهيوني، للاستفادة من البنية التحتية المتوفرة، لإسالة الغاز الطبيعي.

يعتمد النظام الحاكم على تحقيق ربح سريع، باستغلال البنية التحتية للغاز، وسواء استأجرها صهاينة أو غير ذلك، يعتبرها مكسبًا وإنجازًا، وكأن اقتصاد الريع والخدمات قادر على انتشال مصر من أزمتها.
السياحة كانت تحقق نحو 12.5 مليار دولار (في عام 2010 وحده)، ومع أول ظرف سياسي غابت تمامًا، وفقدت البلد 1/10 ناتجها المحلي، وهذا طبعًا يختلف عن الصناعة أو الزراعة، التي تصمد في وجه التقلبات، وأمرها مرهون بالتخطيط والمناخ الجيدين.

خطّطَ الصهاينة لتدمير القطاعات الحقيقية للاقتصاد المصري، من زراعة وصناعة وبنية تحتية، فشهدت الأراضي الزراعية اعتداءات لم تحدث طوال تاريخها، وفقدت مصر في عقود، ما يوازي مئات السنوات من جهود الاستصلاح، ما يقدره بعض الخبراء بنحو 1.2 مليون فدان.

وتم اعتماد أسلوب شراء المحاصيل من الفلاحين بدراهم معدودات، بأقل القليل مما لا يغطي التكلفة الحقيقية، واستكملت المأساة فصولها مع شراء الحكومة للمحاصيل بسعر لا يغطى تكلفة إيجار الأرض وتجهيزها وثمن التقاوي والزراعة والري والأسمدة والمبيدات والحصاد والنقل، باختصار، رسخت حكومات “كامب دافيد” في الريف مبدأ: “الفلاح الذي يزرع يخسر”.

وعلى مر سنوات حكم رؤساء “كامب دافيد” جرت الاستعانة بالخبرة الصهيونية في الزراعة، مرات ومرات، ولعل أبرزها في عهد المخلوع مبارك، وعلى يد وزير زراعته يوسف والي، الذي جذب مهندسي الكيان إلى مصر، وأرسل مهندسي مصر الزراعيين إلى الكيان في رحلات للتعلم. دولة علمت الدنيا الزراعة صارت تعتمد على كيان إجرامي عدو، وكانت النتيجة الحتمية، بالإضافة لانهيار الزراعة تمامًا، انتشار أمراض السرطان والكبد بين المصريين بصورة غير مسبوقة.

حتى بالأرقام فإن التعامل مع الكيان الصهيوني خسارة فادحة.

مصر تخطت عصر التبعية للصهيو ـ أميركي، وأقامت علاقة جديدة لا تقف عند الاستغلال والقهر الداخلي فقط، لكنها علاقة تتكامل فيها رؤية الخارج ورغباته، مع مصالح الطبقة الحاكمة بالداخل وأعوانها.

2019-01-19