عن الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية

أحمد الناصري

الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، مبادئ إنسانية كبيرة وهامة، وصل إليها العقل البشري عبر تطور تاريخي تدريجي معقد، حقوقي وقانوني، ووصلت إليها البشرية عبر طريق طويل من الآلام والحروب والاضطهاد والتجارب والتضحيات والخسائر القاسية والتدمير المريع للإنسان وبيئته الاجتماعية الطبيعية. فهي إذن قيم حقيقية لا شك فيها، تحتاج الى عقل جماعي متطور وتطبيق حقيقي، وليس الى دعاية شكلية، للكسب الرخيص، بينما العمل التطبيقي هو شيء آخر مضاد لهذه المبادئ، ومضاد للإنسان وحقوقه البسيطة، تقوده مؤسسات وشركات معروفة في غاياتها وأساليبها.
منطقتنا وشعوبنا العربية بحاجة الى الديمقراطية والحرية والبناء والتقدم، كحاجتها للهواء والخبز والدواء والبيوت المريحة والمدن والشوارع النظيفة، لإيقاف دورة التخلف والخراب والأزمات الخانقة والعنف الداخلي والعدوان الخارجي، والمنطقة والعمل السياسي والاجتماعي والوطني بحاجة كبيرة الى تحديد هذه المصطلحات والمفاهيم، ورصد الاتجاهات والخطوات الجارية الآن.
إنني أرى إن تشويشاً كبيراً قد لحق بمفهوم الديمقراطية في منطقتنا، بسبب مرافقتها وتشابكها مع الاجتياحات العسكرية الأمريكية للعراق وأفغانستان، وقبلهما تجربة الشعب الفلسطيني الدموية والقاسية، الى جانب عدم تطور وعدم صدقية العناصر والجهات التي تحمل هذه المفاهيم وتروج لها، وهنا المشكلة والمفارقة! هذه العناصر الحاملة لهذه المفاهيم، هي عناصر ليست أصلية وثابتة في وعيها، إنما عناصر متقلبة جاءت الى الديمقراطية الشكلية باعتبارها الموجة السائدة اليوم، مثلما سادت موجات سابقة يسارية ودينية وقومية، ركبتها نفس العناصر والأقلام والوجوه تقريباً، (دائما هناك من هو جاهز لأسباب مختلفة) ودخلت في إشكالات وحالات جديدة. من هنا جاء النقص الحقيقي والارتباك وعدم الصدقية، ومن ثم الالتحاق السريع والمجاني بالمشروع الأمريكي في منطقتنا، الذي تفوده الإدارة الأمريكية المتطرفة، وبأقسى الأساليب، والتي أفرزت نتائج مرعبة، لا يتوقف عندها هؤلاء، تتنافى وتتعارض مع مفاهيم الديمقراطية التي تسعى لإنتاج التقدم حتماً.
لا الهجوم الخارجي الشامل على منطقتنا قادر على جلب الديمقراطية والإصلاح والتغيير، ولا الأنظمة العربية المتخلفة قادرة على تغيير نفسها بنفسها، وإنتاج نموذج دولتي جديد يؤدي الى الديمقراطية، ديمقراطية الإنسان وحريته الحقيقية الكاملة والعميقة، ونحن في أزمة وجود كبيرة، لا تحلها ولا تتجاوزها إلا الشعوب والمجتمعات المتطورة، التي تخلق وعيها التاريخي الجديد، بواسطة التعليم الواسع والعالي، وعن طريق الثقافة والإبداع وبواسطة الصحافة والإعلام الحر، كأداة مساعدة وكاشفة، وبواسطة مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان المستقلة وثقافتها، التي تساندها قوانين حديثة للتطبيق أو قابلة للتطبيق .
الاحتلال والخارج (المعادي)، كما هو الاستبداد الداخلي (الوطني) لا يقدمان حلول لمشكلة الديمقراطية وحقوق المواطنة والأوطان والشعوب، وإشكالية التخلف والتقدم، لا أحد يفتح الطريق للتقدم الاجتماعي الداخلي غير التطور الموضوعي الداخلي نفسه، وهنا يدور الصراع في منطقتنا، ويأخذ أشكالاً عديدة، لكنها بطيئة بل بطيئة جداً للأسف الشديد، بسبب ثقل الموروث القديم ومشاكله وتفاعلاته وتفرعاته، وفشل العمل السياسي الوطني، وفشل (النخب) السياسية والاجتماعية، وتحولها الى أزلام سلطة وليس مؤسسي دولة في كل التجارب تقريباً، والهجوم الخارجي الشامل، خاصة بواسطة إسرائيل ودورها الوظيفي المعروف في المنطقة .
نحن في لحظة تحول، خاصة مع الهجوم الإسرائيلي الجديد والهجوم الأمريكي الدائم، سوف تطرح أسئلة جديدة على الناس وعلى المجتمعات، وسوف يتصاعد الحراك الاجتماعي، ويتوجه الجميع نحو الحل، أو تلمس الحل على الأقل، وعدم الوقوف في النقطة السابقة، أو استمرار التراجع المؤسف والكارثي، فهذه الحروب وهذا العدوان الوحشي الأمريكي الإسرائيلي المشترك في أكثر من مكان في منطقتنا، الى جانب الاستبداد والتخلف الداخلي، والصراعات الداخلية، والإرهاب الواسع والمتعدد الجوانب والمصادر، يقودنا الى نقطة فارقة، ولحظة خاصة ومكثفة في تاريخنا الراهن، لابد من التصدي لها بعقل جماعي تاريخي، يقدر ويشخص حجم المشاكل والمهام الأساسية المطروحة، على الصعيدين القريب والمتوسط على الأقل.
إن ما يجرى في فلسطين والعراق ولبنان، لن يقود الى حل المشاكل المتراكمة في منطقتنا، القديمة والجديدة، بل يقود الى كوارث شاملة جديدة، والصراع الحالي سوف يخلق مقاومات ورفض وصراعات مستمرة، ضد الاستبداد والإرهاب الداخلي، وضد المشاريع الخارجية التي تستهدف السيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها، لا تصدير وبناء الديمقراطية المزعومة، فالإدارة الأمريكية الحالية غير مؤهلة لقيادة العالم نحو الديمقراطية، إنما تقف ضد التقدم والتسامح العالمي، وضد العلاقات الطبيعية بين الدول.
‎2019-‎01-‎18