نحو تدقيق المصطلحات والمفاهيم والمقولات السياسية.
النظام العالمي الجديد وتطبيقاته في بلادنا ومنطقتنا مثالا
دراسة تطبيقية…


أحمد الناصري

المصطلحات والمفاهيم والمقولات الفكرية والسياسية، هي تكثيف اللغة والكلمات لإعادة صياغتها صياغة مفتعلة، تحمل معاني ودلالات معينة ومحددة ومقصودة بالذات. وهي عملية غير محايدة، وغير بريئة، ويمكن استخدامها بهذا الاتجاه أو بعكسه في ذات الوقت، أو من قبل هذا الشخص أو الفريق المعين، أو من قبل فريقين متناقضين في الرؤى والمصالح.
يراعى في المصطلحات والمفاهيم دقتها، وصياغتها المحكمة وشكلها ورنينها ووقعها على المتلقي، وكل شروط الصياغة والشروط البلاغية والصوتية التي تسهل تحقيق أغراضها، وتقوم بدورها في التأثير النفسي والعقلي الآسر على المتلقي. قسم منها ينتج عن الوعي التاريخي الحقيقي وحاجة البشر الجماعية إليها، بينما يصدر القسم الآخر عن مجموعة محددة أو معينة وآنية. هناك مؤسسات متخصصة في إنتاج واكتشاف المصطلحات والمفاهيم الحقيقة أو الملفقة وصياغتها الصياغة النهائية، وهناك أيضا مؤسسات ووسائل خاصة لتسريب وتعميم وتثبيت هذه المصطلحات والمفاهيم، يشكل الإعلام الحديث بكافة أنواعه أسرعها وأوسعها انتشارا في العالم .
بالنسبة للمصطلحات والمفاهيم والمقولات العلمية الطبيعية، فهي تحمل معاني ودلالات محددة تعتمد على القوانين والتجارب والاختبارات والدراسات العلمية، وتكون النتائج متطابقة معها في الغالب الأعم، أي متطابقة مع اللحظة العلمية الاستكشافية التي وصل إليها العقل البشري، وقد يحصل الخطأ في المصطلح أو المفهوم والاستنتاج العلمي، لكنه محدود نتيجة لإتباع المنهج العلمي المتحرك، والسلسلة المترابطة من التطورات التدريجية، والسعي للوصول إلى نتيجة معينة ، ويجري تصحيح الأخطاء بعملية داخلية ، وخاصة في مرحلة التجربة ، وداخل المختبر العلمي، والاختبار الأولي الخاص.
لكن المشكلة تكمن في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم والعلوم الاجتماعية (الإنسانية) عامة وفروعها السياسية خاصة ، والتي هي جزء منها طبعا لكنها تلامس حياتنا مباشرة وتصوغها كيفما تريد. لأن المصطلح والمفهوم السياسيين يكتشفان ويصدران لأغراض ومقاصد محددة ومسبقة، ناتجة عن مصالح نظام أو طبقة أو دولة معينة واحدة أو أكثر، ومن هذا الأساس يتكرس الانقسام على الدوافع والمصالح، ترافقيهما مجموعة مفاهيم اقتصادية واجتماعية ونفسية، وهو ما يكون الجذر الأول والرئيسي لكل هذه الانقسامات والصراعات وأدواتها وتطبيقاتها ، حيث يقوم المصطلح والمفهوم والمقولة بمحاولة التعبير عن كل هذه المقاصد ، العلنية أو الخفية، التدريجية أو الفورية والمباشرة.
ومن هنا تأتي أهمية تدقيق هذه المصطلحات والمفاهيم والمقولات السياسية والاجتماعية، والتي يكون شكلها مبهرا وبراقا وصحيحا في بعض الأحيان! وتفكيكها لمعرفة هل هي صحيحة؟ وماذا يكمن داخلها؟ وماذا يكمن ورائها؟ وماذا يراد بها؟ وتخدم من؟ وقبل كل هذا من يقف وراء إطلاقها؟ وهل هي كلمات تحمل المعاني والأفكار والشروط التاريخية الصحيحة والممكنة التطبيق في المكان والزمان والظرف المعنيين؟
لقد فرضت علينا مفاهيم ومصطلحات كثيرة، وكنا نتصور إنها إيجابية وصحيحة، دون أدنى تدقيق أو اختبار، لذلك قبلناها بسذاجة بالغة، بينما هي لم تكن صادرة عن عقل راقي ومتقدم. بعضها جاءنا من الخارج دون دراسة أو دراية أو تحديد معرفي سليم، وبعضها داخلي لكنه خاطئ أو فاقد للصلاحية، كما رافقت عملية نقل وفرض المصطلحات إجراءات فوقية وقسرية واستخفاف وتسرع وجبرية كبيرة، وكانت النتائج كارثية دائما، كأنك تريد زراعة نخلة في منطقة متجمدة، ستموت النخلة حتى لو وفرت لها دفء مؤقت وملفق، أو كأنك تتمسك بحمل فارغ وكاذب. فلن يكون هناك طفل!
الإدارة الأمريكية تلعب هذه اللعبة الذكية والمؤثرة والخادعة، وهي تمتلك أدوات وإمكانيات هائلة لإنتاج وتصدير ونشر هذه الأشياء. تمتلك المؤسسات والمعاهد والمراكز المتخصصة للإنتاج والتسويق الواسع والسريع، كما تمتلك الوسائل و(الوكلاء) عبر العالم، وهذه واحدة من أدواتها لإدارة العالم والسيطرة عليه، عبر صياغة رأي عام كوني مؤيد لها، وهناك طبعا من يتقبل هذه الأفكار دون نقاش أو تدقيق، باعتبارها ثمرة تطور العقل البشري … كذا! فيما يختلف معها ويرفضها ويرد عليها فريق واسع آخر! واعتقد إن هذا الصراع هو جوهر الصراع العالمي الدائر حول مستقبل البشرية في الوقت الراهن…
لكن المشكلة الخطيرة إن أمريكا تستخدم كل الوسائل المتاحة لها، الحضارية والبربرية، الحقيقية والديماغوجية، لنشر وفرض مفاهيمها وتحقيق مصالحها ومنافعها الخاصة، حتى لو تعارضت مع مصالح شعوب كثيرة في العالم، وهذا ما ينزع عن مساعيها طابعه الإنساني والحضاري، ويبعده عن كونه حاجة إنسانية و تاريخية للجميع وينقله إلى الجانب الإمبراطوري التاريخي السلبي، هنا مكمن الخطر الجدي في هذه العملية الجارية اليوم ، والذي ينتج ممانعة عالمية وتاريخية متفاقمة له!
لقد تمكنت أمريكا من نشر وتصدير مفاهيم ومصطلحات كونية قديمة وجديدة، من أهمها وأخطرها وأكثرها لبسا هو مفهوم النظام العالمي الجديد وعلاقته بالعولمة، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي. هذا الانتصار الذي كرس كل الصفات السلبية عندها ولم يغيرها طبعاً أو يحولها نحو الأحسن! وقيام حروب وصراعات ساخنة جديدة واسعة تبدو كأنها لا تنتهي، أطلقت معها السعار القومي المخيف والكراهية القومية المقيتة، إلى جانب بقاء الأزمات والتوترات القديمة، وتعقد الوضع العالمي بعد أحداث11 أيلول المشؤومة، وزيادة المشاكل الاقتصادية والمعيشية والصحية لسكان الأرض الفقراء، وتدويل سياحة الجنس واستغلال القاصرين في الأعمال المشينة والمرفوضة، وتفاقم مشاكل البيئة على النطاق العالمي، وتدهور التعليم والتنمية في أطراف العالم الفقير وانسداد آفاق التطور فيه، وزيادة نزعات اليأس والتطرف والعدمية ، لقد بدا لأمريكا أن التاريخ أعطى إشارته لها بالبدء بتنفيذ المشروع. لكن كل هذه الأسباب وأسباب أخرى كثيرة سارعت في إسقاط مفهوم النظام العالمي الجديد وإيقافه، الذي أريد له أن يكون الباب الواسع لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وكان هذا العنوان هو الغطاء للاسم السري الحقيقي الذي هو عصر الإمبراطورية الأمريكية، الذي عدل وطور فيما بعد إلى القرن الأمريكي الجديد، لنقرأ ونفحص بعناية شديدة التسلل الواضح عبر هذا المفهوم العام والوصول إلى نتائج خاصة جديدة أخرى، لا تتعلق بنظام للعالم، أنما بنظام أمريكي عالمي، وهذا فرق جلي وكامل!
أعتقد إن هذا المفهوم هو المفهوم الرئيسي والجامع لكل الأطروحات الأخرى في المرحلة الأمريكية الجديدة وحلقاتها المتسلسلة والمتسارعة حول العالم ، وما المفاهيم التالية التي وضعت لتطبيقه وإنجازه إلا هي مصطلحات ومفاهيم تكميلية وأدواتيه. التي هي استمرار للمفاهيم والمشاريع القديمة من مبدأ آيزنهاور إلى مبدأ ريغان وصولا إلى خطط بوش الراهنة.
ولكن هل كان هذا المفهوم (الجميل) صحيحا، بمعنى هل كانت الإدارة الأمريكية تسعى لإقامة نظام عالمي إنساني جديد يختلف عن النظام العالمي القديم؟ وما هي إمكانيات (ولا أقول نوايا) أمريكا لطرح وفرض نظام عالمي تاريخي كوني جديد، اقتصادي – اجتماعي متكامل يقود العالم دون تمييز، أو دون صراعات وممانعة أو مقاومة؟ هل هي قادرة على تنفيذه عمليا؟ أعتقد من هنا بدء مأزق المفهوم – المشروع!
صحيح أن أمريكا تستطيع السيطرة على أجزاء هامة وكبيرة من العالم اقتصاديا وعسكريا وفكريا، لكنها لا تستطيع السيطرة على العالم كله ولآماد غير محددة، كما يريد واضعي هذا المفهوم، أو كما كان مع الإمبراطوريات الغابرة التي كانت تقود العالم كله تماما، لأن العالم تغير والتاريخ والجغرافية تغيرا أيضا، بل إن كل شيء في الحياة قد تغير قبل أن تتنبه أمريكا وتمسك العالم بقبضتها الغاشمة!
لقد مهدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بنوعين من التمهيد لتطبيق وفرض مفاهيمها حاملة المشروع الأمريكي الأصلي، فقد مهدت له بقصف مفاهيمي وأيديولوجي كوني مرعب وبربري، يتحدث عن (نهاية التاريخ) الذي يعني ويقصد به بداية التاريخ الأمريكي الخالص والنقي وانتصاره، وأرفقته بمهموم ثقافي خطير وعبثي ومدمر وهو (صراع الحضارات) بدل تلاقحها وتفاعلها من خلال البحث عن مشتركات بشرية عالمية متوفرة حتما عند جميع البشر، ينزع إلى خلق ثقافة عالمية جديدة! بينما كانت تشن هجوما وزحفا مخمليا (حضاريا) بواسطة مصطلحات ومقولات مفرغة من محتواها وليست للتطبيق في منطقتنا على الأقل (الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والحقوق المدنية والمجتمع المدني والإصلاح والتنمية واقتصاد السوق ومكافحة الإرهاب وتوفير الأمن العالمي)، وكان هذا الهجوم التاريخي مدعوما بجيوش جرارة منتشرة حول العالم، ومؤسسات عملاقة مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومؤسسات إعلامية متخصصة بالتشويش الذهني والتضليل الديماغوجي! مع محاولات محمومة للسيطرة على المؤسسات الدولية وجرها بالتهديد والابتزاز والتجسس لخدمة التوجه الأمريكي!
أما في بلداننا فبدت الساحة مختلفة والمسرح غامضا وغير متهيئا داخليا للمشاركة بهذه التطورات والتي ستفرض فرضا عليها، رغم أن منطقتنا هي المعنية والمقصودة بهذا الاستهداف الجديد، وبدء الزحف العسكري المباشر على المنطقة، من دون تمهيد أو تهيئة للرأي العام المعطل والمغيب والملغي بالقمع والإقصاء، لفرض مفهوم الشرق الأوسط الجديد، وفرض السيطرة المباشرة على المنطقة. لذلك كانت المصطلحات والمفاهيم والمقولات المكملة مشوشة وغير دقيقة ولا يهتم أحد بحسن صناعتها أو صياغتها، إنما هناك طريقة واحدة لفرضها بالقوة والضغط، كما في نموذج العدوان الصهيوني الذي يتحول الاحتلال والإرهاب فيه إلى قضية قانونية أو (واقع موجود على الأرض) بينما تصبح المقاومة المشروعة إرهابا ينبغي إيقافه ومكافحته بكل الوسائل والطرق بما فيها إرهاب الدولة أو الإرهاب الدولي!
أما في الحالة العراقية الخطيرة و الملتبسة، فهنا كل شيء مقلوب على رأسه ويحتاج إلى تعديل، فكيف يتحول الاحتلال ببساطة وقدرة قادر إلى (تحرير أو تغيير فقط وليس احتلال)؟ سيوفر كل الشروط لإقامة وتأسيس (العراق الجديد) من خلال إطلاق (العملية السياسية)، التي تقود حتما إلى (إعادة أعمار البلاد) وحل مشاكله الأمنية والمعيشية، وتتحول البلاد من خلالها إلى جنة في طرفة عين! بينما تشع (الحرية والديمقراطية) و(التعددية) من جنباتها عبر (الانتخابات العامة) و (الفيدرالية، وبالمناسبة فأنا ليست ضد الفيدرالية، وأنا مع حصول الشعب الكردي على كافة حقوقه القومية المشروعة، وحق تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال وإقامة الدولة الكردية، ولكن ألا يحق لي الاختلاف مع الحركة السياسية القومية الكردية وأحزابها، وعدم الاتفاق مع أطروحتها السياسية وبرامجها وشعاراتها وسلوكها الخاطئ ، والذي لا يخدم مصلحة الشعب العراقي مثلا)، وبعد هذا ستفرض علينا الحركة الدينية السلفية بأغلب تلويناتها إيمانها الصارم ومفاهيمها الماضوية القاسية، وتكسب الجماهير المسحوقة والبسيطة بأساليبها القسرية وعقوباتها الرهيبة في الدنيا والآخرة أيضا، من خلال مفاهيم غير قابلة للنقاش وغير خاضعة للجدل أو التعديل! بينما تستقدم الهيئة المحكومة المعينة من الاحتلال مفاهيم وشعارات بوش، دون تعديل أو إضافة وأبرزها (من ليس معنا فهو ضدنا) لا أدري لماذا عليّ أن أكون معكم؟ كما جرى احتكار العمل السياسي بمصطلح (العملية السياسية) التي تبدأ منهم وتكون معهم حتما وإلزاما! بينما العمل السياسي الوطني واسع ومتحرك ومفتوح، وله برامجه وشعاراته الأخرى، ولا يستطيع أحد اختزاله أو تأميمه أو توجيهه صوب مرامي معينة، كما فعلت الفاشية الغاشمة وفشلت في نهاية المطاف ونهاية الصراع، أو كما تفعل الهيئة المحكومة لجر البلاد والعباد صوب تأييد الاحتلال الغاشم!
المفاهيم الصادرة عن الحالة السياسية برمتها في بلادنا، سطحية وبائسة خاصة ما يتعلق بالهيئة المحكومة المعينة من قبل المحتل، وبعض الأحزاب السياسية التي طوفها الوضع العراقي المعقد، ونراها تلهث وراء مسألة الانتخابات ودعايتها وتداعياتها وإشكالاتها، وتقوم بتسويق سريع ومتعجل لكل شيء، ولا تهتم بالمضامين. لذلك علينا دراسة ومراجعة جميع هذه الطروحات والرد عليها وتفنيدها وعدم الاستسلام لها، وعدم تبسيط العمل السياسي إلى هذه الدرجة حتى لا نخسر أكثر مما خسرنا، لأن ما يجري عندنا لم يكن غير سطو مسلح كوني تحت مسمى النظام العالمي الجديد!
نحو تدقيق المصطلحات والمفاهيم والمقولات السياسية. النظام العالمي الجديد وتطبيقاته في بلادنا ومنطقتنا مثالا
أحمد الناصري

19.12.05