وهم الدولة القاتل: الكرد والفلسطينيون واليهود
موفق محادين
أمام هذه المناخات، التي ترافقت أيضاً مع صعود حركة التحرر الوطني بزعامة جمال عبد الناصر، حدث ما يشبه إجماع البرجوازيات الأوروبية لتحويل مثقفي الطبقة الوسطى اليهودية من نشطاء الثورة العالمية إلى قادة في دولة استعمارية صهيونية تقود الثورة المضادة في الشرق، وصار مطلوبا، ترويض الأكراد والفلسطينيين. وتحويلهم من قوة متحررة على مستوى الإقليم والأمة، إلى جماعات كيانية صغيرة، يجب تغذيتها سياسيا وماليا وآيديولوجيا بأوهام الإستقلال والدولة، بعيدا عن حركة التحرر في مجمل المنطقة.

إن قضية الشعب العربي الفلسطيني العادلة، تختلف عن كل الإختلاف عن القضية الكردية، وعن المسألة اليهودية التي تحولت إلى أخطر مشروع استيطاني استعماري عدواني.
كما لا يخفى على أي باحث الإختلاف الكبير بين الجماعات الثلاث في الهوية والشرعية والمرجعية وموقع كل منها في قضايا الصراع التي تلف المنطقة منذ قرن ويزيد..
إلا أن هذه الجماعات لم تخلو من حيث ما أنتجته بيئتها الإقليمية والدولية من تداعيات أخرجتها من لعبة الهويات المتحققة في كيانات سياسية محددة، وولدت لديها طاقات كبيرة ترافقت في بداياتها مع مناخات ثورية معروفة، هنا وهناك ومن ذلك:
1- في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، ومع تفسخ الغيتوات اليهودية بين شرائح (ربوية) متواطئة مع البرجوازية الأوروبية وبين طبقة وسطى لم تندمج في أوروبا الحديثة، انخرطت أقسام واسعة من نخب هذه الطبقة في العمل الثوري العمالي الأوروبي والعالمي وصارت جزءا حيويا منه، مما هدد التحالف الربوي اليهودي مع الرأسمالية الأوروبية وصار مطلوبا التخلص من النخب الثورية اليهودية، بل ومن الطبقة الوسطى اليهودية كلها، هكذا ظهرت الحركة الصهيونية ومطالبها المزعومة في فلسطين للتخلص من يهود أوروبا وتحويلهم من قوة ثورية على الصعيد العالمي إلى ثورة مضادة عبر دولة استيطانية وظيفية مغلقة وإستطالة عدوانية للإمبريالية العالمية، بريطانيا ثم أميركا.
2- على الجانب الآخر من شرق المتوسط، تم استثناء مجموعتين من لعبة الكيانات والهويات المصطنعة الناجمة عن انحسار الإستعمار العثماني عن الشرق، هما الأكراد والفلسطينيون.
وقد عبّرت هذه الجماعات عن نفسها في البداية بالإنخراط في الحركة الثورية داخل بيئتها الإجتماعية والإثنية وصارت مصدر خطر على قوى التبعية الكيانية والمتروبولات الإستعمارية التي تديرها فتحول الأكراد إلى جزء حيوي من القوى الثورية في تركيا ضد النظام الأطلسي وفي إيران ضد نظام الشاه، وفي المنطقة العربية وخاصة في سوريا والعراق ضد امتدادات الإستعمار الإنتدابي، البريطاني والفرنسي، وتركوا بصمات قوية داخل اليسار في هذه البلدان، بل أنهم تزعموه مرات عديدة.
من جهة الفلسطينيين، وبعد نكبة فلسطين 1948 واستيلاء الحركة الصهيونية على كامل الساحل الفلسطيني وطرد أعداد كبيرة من أصحابه، انتشرت أقسام منهم في بلدان عربية عديدة، وتحولت نخبهم المتعلمة إلى مشاعل للتعبئة الثورية والدعوة إلى الوحدة والكفاح القومي، وصاروا يهددون الأنظمة الكيانية الناجمة عن سايكس – بيكو وتمزيق سوريا الطبيعية والهلال الخصيب والوحدات التاريخية الأخرى، مثل وادي النيل وشمال أفريقيا العربي (المغرب الكبير) وسلطنة عمان التي كانت تضم معظم محميات الخليج، والصومال الكبير الذي كان يتضمن القرن الأفريقي وجزءا من صحراء أثيوبيا.
أمام هذه المناخات، التي ترافقت أيضاً مع صعود حركة التحرر الوطني بزعامة جمال عبد الناصر، حدث ما يشبه إجماع البرجوازيات الأوروبية لتحويل مثقفي الطبقة الوسطى اليهودية من نشطاء الثورة العالمية إلى قادة في دولة استعمارية صهيونية تقود الثورة المضادة في الشرق، وصار مطلوبا، ترويض الأكراد والفلسطينيين. وتحويلهم من قوة متحررة على مستوى الإقليم والأمة، إلى جماعات كيانية صغيرة، يجب تغذيتها سياسيا وماليا وآيديولوجيا بأوهام الإستقلال والدولة، بعيدا عن حركة التحرر في مجمل المنطقة..
وعلى الرغم من انخراط قسم من اليسار في هذه اللعبة وتسويق ذلك بالعداء لفكرة الأمة ومصيرها على المستوى العربي والكردي، إلا أن القوى التي تزعمت خطاب الإستقلال، كانت خليطا من الرجعية واليمين تاركة مساحة صغيرة لليسار الكياني للالتحاق بها وهو ما مكّن العواصم الإستعمارية والرجعية من توجيه هذه المشاريع وتغذيتها بالأوهام في سياق التوظيفات التكتيكية بين الحين والحين.
على الصعيد الفلسطيني، تضاعفت أخطار الحالة الفلسطينية على الرجعية العربية مع تبني عبد الناصر لتأسيس منظمة التحرير كجزء متقدم من حركة التحرر العربية، ومع تصاعد خط المقاومة وثقافتها بعد هزيمة حزيران 1967، وانخراط متسارع للمتطوعين العرب فيها، فتنبّهت الرجعية العربية لمخاطر ذلك وأعدّت تصوراتها لإزاحة هذه المخاطر بتفريغ المقاومة من مضمونها القومي الراديكالي، واخترعت قرار الرباط (السادات على نحو خاص) بداعي الحرص على استقلالية القرار الفلسطيني (يا وحدنا) بعد أن كانت أوساط اليمين الفلسطيني نفسه قد استبدلت (ألميثاق القومي الفلسطيني) بـ(الميثاق الوطني الفلسطيني) والغريب والمؤسف أن لا أحد يريد أن يتعظ من ذلك ويتمعن فيه، فمن أوهام الإستقلال الكردي والرهان على الأمريكان والأوروبيين وتل أبيب وعواصم رجعية نفطية، وتنظيم استفتاء في كردستان العراق لم يقرأ الإقليم وعواصمه ومصالحها، إلى أوهام الفلسطينيين بإقامة كيان مستقل في الضفة الغربية راح يتراجع شيئا فشيئا إلى مستوى إدارة مدنية تحت الإحتلال…
إلى ذلك، وفي ضوء ما سبق، يمكن تحديد الآفاق التالية المطلوبة من هذه الجماعات:
1- إذا كان هناك من متسع لبقايا اليهود التقدميين الذين يرفضون المشروع الصهيوني برمته، فعليهم أن يتذكروا ما قاله بعض اليهود التقدميين، أمثال تروتسكي وإبراهام ليون (إسرائيل فرن نازي آخر يضحى فيه باليهود لمصلحة المتروبولات الإمبريالية) وليس لليهود سوى طابعهم العالمي، الربوي للبرجوازية اليهودية، والثوري للنخب الثقافية، أما فلسطين فليست بلدهم، إنها وطن للعرب الفلسطينيين..
2- في البيان الأول لحزب العمال الكردستاني في تركيا كما أعلنه عبد الله أوغلان آنذاك، (ما يميزنا عن غيرنا من القوى الكردية، هو تأكيدنا على الارتباط الدائم بحركة التحرر في عموم المنطقة، فمستقبلنا مرتبط بمستقبل شعوب المنطقة، العربية والتركية والإيرانية)
ومن المؤسف أن الحزب لم يحافظ على هذه المرجعية وراحت أقسام من الحركة الكردية تربط مصيرها بالإمبرياليين والصهاينة والرجعية من أجل كيان لن يقوم بهذه الطريقة أبدا، وهو ما تعرفه الرجعية الكردية وتقبض ثمن اللعب بالورقة الكردية.
3- ما بين الميثاق القومي والميثاق الوطني، ليس فرقاً شكلياً في اللغة، فمنذ أن استبدل الفلسطينيون ميثاقهم القومي بالوطني، دخلوا المتاهة الطويلة وأراحوا القوى العربية السائدة من خطرين عليها: الخطر الفلسطيني المباشر عندما كان الفلسطينيون جزءا متقدما من حركة التحرر العربية، والخطر المتمثل في تشبيك المعركة ضد التبعية والتخلف والطائفية والإقليمية مع المعركة ضد التحالف الإمبريالي الصهيوني، وبهذه الإزاحة، لم تتخلص الرجعية العربية من هذين الخطرين، وحسب، بل أوصلت القضية الفلسطينية إلى أضعف حالاتها وربطت (الشرعية السياسية) لها باتفاقية في خدمة العدو وسياساته، هي اتفاقية أوسلو.
انطلاقاً مما سبق، وحتى يعود الفلسطينيون والقضية المركزية للأمة، إلى صدارة الصراع وقوانينه واستحقاقاته لابديل عن مغادرة (وهم الدولة) واستعادة خطاب التحرر الوطني على مستوى الأمة وفي القلب منه خط المقاومة وخطابها وثقافتها.
كاتب ومحلل سياسي أردني
‎2019-‎01-‎14