تركيا و الرقص على أنغام الانسحاب الأمريكي.


بقلم .. أمجد إسماعيل الآغا
لا تزال تداعيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا، تُرخي بظلالها على جملة التطورات السياسية و العسكرية المتعلقة بالشأن السوري، فالمباغتة التي جاء بها ترامب إبان قراره المتعدد الأوجه، كانت على درجة كبيرة من التخبط داخل أروقة البيت الأبيض، لجهة التعقيدات المتزايدة التي ستصيب محور واشنطن، خاصة إذا ما نظرنا إلى كُتلة المصالح المشتركة التي تجمع واشنطن و بيادقها في الشرق الأوسط، و في مقابل القرار الترامبي المباغت شكلا و مضمونا، يبدو أن أوهام أردوغان لم تكن بحجم توقعاته المرجوة بشأن شمال شرق سوريا، فقد راهن أردوغان على أن هذا الانسحاب قد يرفع الغطاء السياسي و العسكري عن الكرد، و يوفر للقوات التركية ظروفا مواتية لاستكمال العملية العسكرية المزمعة شرق الفرات، و بهذا يتم سحب التداعيات السلبية جراء الهجوم المتوقع على الكرد حلفاء واشنطن، لكن الواضح للجميع و خاصة للتركي، أن الوضع الجيوسياسي في جزئيات المشهد السوري، لا يميل إطلاقا لصالح الرئيس التركي و سياسته التوسعية في شرق سوريا، خاصة أن حلفاء أردوغان المفترضين يحملون أجندات تخالف في مضامينها تطلعات أردوغان و هواجسه الأمنية.
يبدو أن الانسحاب الأمريكي المزمع من سوريا أضر بـ أردوغان و جعله يتخبط في دائرة طموحاته، و على غير التوقعات المرجوة تُركياً، فقد خسر أردوغان الكثير من أوراق قوته، و باتت هذه الأوراق في مهب الرياح السورية التي تؤسس لانتصار بات غير بعيد ، خاصة أن السياسات التركية كُشفت و لم تعد لها قوة ردع بالمعنى السياسي، فالمتضررين من هواجس أردوغان و طموحاته كُثر، و سيقومون بالتصدي لسياساته من العراق إلى سوريا و ايران، و هذا يؤكد بأن كفة المصالح في ميزان القوى، لن تكون إطلاقا في مصلحة أردوغان و لو كانت واشنطن و قدراتها السياسية و العسكرية طوع إرادته، فالوضع الجيو استراتيجي في شرق سوريا، يحمل في تفاصيله تعقيدات هي رهن بالمسارات السياسية و العسكرية ليس في سوريا فحسب، بل تكاد تقارب الإقليم كاملا، و عليه تكون أوراق الرئيس التركي و بالربط بين التعقيدات السياسية المرافقة للشرق السوري، قد تحولت لمجرد تصريحات خرقاء غير فعالة إقليميا و دوليا، و في المقابل بات أردوغان ينتظر فُتات المكاسب التي من الممكن أن تُرمى له، حيث أن سوريا و روسيا و إيران باتوا في مرحلة تصاعد يرقى لمستوى حلف استراتيجي، بعد أن أثبتت العلاقة الثلاثية فيما بينهم قدرة خارقة في التصدي لسياسات البيت الابيض، بل و قد تمكنوا من القفز على عقوبات ترامب و تطوعيها لصالحهم، و بالتالي لا فُرص اردوغانية أمام حلف استراتيجي قوي و متصاعد، ما يُفسر إرجاء العمل العسكري التركي شرق الفرات، و بناء عليه أعلن وزير الخارجية التركي إرجاء الحديث عن أي عمل عسكري يطال الكرد شرق الفرات، إلى ما بعد اللقاء الذي سيعقد الذي سيجمع مسؤولين أتراك مع نظرائهم الأمريكيين في واشنطن، و ذلك بُغية التنسيق بشأن قرار ترامب الانسحاب من سوريا، والذي سيستغرق ما يربو على مئة يوم، و قد تكون هذه الأيام حُبلى بالمفاجآت الاستراتيجية، أو الذرائع السياسية الأمريكية، على شاكلة تجدد خطر داعش، أو ربما اندلاع مواجهات عسكرية بين المتصارعين على ملأ الفراغ الأمريكي في سوريا، كل هذا قد يزج بمتغيرات و وقائع جديدة تُضاف على القرار الأمريكي، ما يحمل ترامب على العودة عن قراره، و تنفيذ صدمة سياسية و ربما عسكرية تُعيد المشهد إلى بداياته.
أردوغان الذي فسر قرار ترامب لصالحه، يبدو أنه لم يتمكن من تفكيك جزئيات قرار الانسحاب، مدفوعا بطموحاته السياسية و تطلعاته التوسعية و هواجسه الأمنية، و ربما غاب عن أردوغان أن أي عمل عسكري شرق سوريا قد يُصادف الكثير من المطبات، خاصة أن التواجد التركي في سوريا غير شرعي و تراه دمشق احتلالا وجب مقاومته، ما يفتح الباب على مشهد عسكري تصادمي بين سوريا و حلفاؤها، و تركيا و بيادقها الإرهابية، بيد أن المشهد الجديد الذي يؤرق أردوغان تمثل في دخول الجيش السوري إلى منبج، تمهيدا لوثبة إلى شرق الفرات، و انتظار استراتيجي في قادم الأيام يُجلي تفاصيل المشهد السياسي و العسكري في إدلب، خاصة أن هناك حرب طاحنة بين الفصائل الإرهابية، و التي لن تكون إلا في مصلحة الدولة السورية و بكل المقاييس.
نتيجة تعقيدات المشهد في شرق سوريا، لا يزال الجدل المتعلق بالانسحاب الأمريكي من سوريا، يبحث عن مُخرجات تُبدد هواجس كافة الأطراف الفاعلين في المشهد السوري، فـ بينما ترى العديد من الدوائر الاستراتيجية إعلان الانسحاب الأميركي من سورية مجرد عملية إعادة انتشار و تموضع جديد، مشروط بجملة متغيرات طارئة إقليميا، تؤكد جهات أميركية إصرار واشنطن على مواصلة الحرب ضد “الإرهاب”، سواء من خلال فرق العمليات الأمريكية الخاصة المتمركزة في العراق، أو عبر نقل قواتها من سورية إلى مدينة أربيل في العراق ، ضمن خطة بعيدة المدى تتضمن إشراك القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية في ملء الفراغ الجيو استراتيجي الذي سيخلفه الانسحاب الأميركي في شرق الفرات، وتأمين الشريط الحدودي العراقي- السوري، ضمن هذه المعطيات و بعيدا عن نُسخ أستانا و تفاهماتها، و سوتشي و أجواءه الملبدة بالغيوم السياسية، نستطيع القول بأن أردوغان يبحث عن مخرج يُجنبه مآزق متجددة، و يُنزله عن شجرة أوهامه، و بذلك قد يضع أردوغان نفسه في تصرف ترامب سياسيا و عسكريا، حينها نستطيع القول بأن تركيا أردوغان ترقص على أنغام الانسحاب الأمريكي.
‎2019-‎01-‎12