خط برلين بغداد للسكة الحديدية
د. هاشم عبود الموسوي
بغداد قبل مئة عام بالنسبة للمثقفين الألمان اسم يكتنفه سحر رومانتيكي فهناك كان مقر الخليفة الاسطوري هارون الرشيد الذي حكم من 786 وحتى 809 وهناك جرت احداث حكايات وقصص الف ليلة وليلة . كانت بغداد رمزا للشرق الحافل بالاسرار والغني بثرواته مما اثار الرغبة في الاستيلاء عليه وهكذا اثار مشروع بناء خط سكة حديدية من قونية في جنوب غرب الاناضول الى سواحل خليج البصرة عبر بغداد غرائز الطامعين واصحاب البنوك في برلين ولندن وبطرسبورغ واخذ بلبهم.. ان مجرد ذكر كلمة بغداد يكفي لأن يفتح شهية الدول الكولونيالية كما ان التصورات التي شغلت بال المبادرين لتنفيذ المشروع صاحبتها حسابات وتقديرات حصيفة ذات دلالات ستراتيجية للمستقبل.
شرع القيصر الالماني فيلهلم الثاني ومدير البنك الالماني جيورج فون سيمنس خلال زيارتهما للشرق عام 1898 بالتفاوض مع السلطان عبد الحميد الثاني بشأن مشروع مد الخط الحديدي الضخم. وكان السلطان عبد الحميد هو الذي بادر بمشروع بناء ذلك الخط. فقد كان العراق في حينه خاضعا تابع الى حكم السلطان المستبد الماكر الذي كان معنيا جدا بمواصلة مد الخط الواصل بين القسطنطينية‘ اي الاستانة وقونية الذي انجز في الفترة بين 1888 و1896 وربطه بالخليج ‘فقد كان مثل هذا الخط بالنسبة للدولة العثمانية ذا اهمية بالغة في المجال الاقتصادي والستراتيجي العسكري.
في عام 1902 حصلت شركة الاناضول للسكك الحديدية التي اسسها البنك الالماني على امتياز لمدة 99 سنة يحق لها بموجبه بناء وتشغيل خط طوله 3200 كيلو متر يربط بين قونية وخليج البصرة يضاف لذلك استخراج الثروات المعدنية في المناطق التي سيمر بها الخط. في عام 1903 تأسست شركة خط بغداد الحديدي بمشاركة رأسمال فرنسي ايضا وكانت ادارة هذه الشركة تحت سيطرة البنك الالماني واصبح آرثور فون جيفيلنر البنك الالماني الجديد رئيسا للشركة .في شهر يوليو/ حزيران من عام 1903 بدأ العمل بالبناء وفي شهر اوكتوبر من نفس السنة شرع بتشغيل قاطع قونية بورغولو وطوله 200 كيلومتر.ورغم تقلبات السياسة الالمانية الدولية ظل خط بغداد الحديدي هو المحور الاساس في مجال نشاطات سياسة المانيا الخارجية التوسعية.
وازداد “التوغل السلمي ” في تركيا ‘فازدادت الاستثمارات الالمانية في الفترة بين 1908 و1914 فأرتفعت من 40 مليون الى 60 مليون مارك وجنت شركات المانية ارباحا من بناء الخط اضافة لما ترتب على توريد مواد البناء اللازمة.
وكان مردود القروض التي منحتها البنوك الالمانية للدولة التركية فوائد بلغت 20 مليون سنويا في عام 1912 الى جانب ذلك عززت المانيا نفوذها السياسي.
اقلق ذلك حكومات بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا التي رأت في ذلك تهديدا لمصالحها الحيوية السياسية والاقتصادية والستراتيجية العسكرية وفعلت كل ما في جهدها لاحباط تلك المساعي‘ وفي عام 1904 توقفت تماما ‘ولفترة طويلة‘ اعمال البناء غير انه في سنة 1911 استمرت اعمال البناء وتم حل مشكلات تقنية وهندسية معقدة منها على سبيل المثال حفر نفق طوروس الكبير.في عام 1918 انهارت الامبراطورية العثمانية ولم يتم بعد مد جزء طوله 300 كيلو تأجل انجازه حتى عام 1940‘ وفي يوم 15 يوليو تموز 1940 جرى لاول مرة تشغيل الخط بين اسطنبول وبغداد.
‎2019-‎01-‎11