لقد تركت سورية كلها لك
د. أحمد الدرزي
شكلت هضبةُ الأناضول في الجغرافيا التاريخيّة جزءاً أساساً من فضاءٍ جيوسياسيٍّ متشابكٍ إلى أبعد الحدودِ مع الهضبة الإيرانيّة والهلالِ الخصيب وبقيّة المناطق، وقد لعبَ وضعُها الجغرافيُّ دوراً رئيساً مُحدِّداً لتوجُّهات التوسّع الإمبراطوريّ بحكم كونها مُحاطةً، بحريّاً، من معظم جهاتها، علاوة على وجود المناطق الجبليّة الوعرة فيها من جهة الشرق، ما أفضى بقاطِني الأناضول إلى الاندفاع عبر بلاد الشام السهليّة الطابع للخروج من سجن الجغرافيا الحاكمة، بدءاً من الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وقد أدرك الأناضوليون -أيّاً كانت أصولهم السكانيّة- أنَّ المعنى الإمبراطوريّ لهم لا يمكن أن يتحقق، إلا بالتمدد عبر البوابة الجنوبية والوحيدة لإنجاز ذلك، وقد تحوّلت هذه البوابة إلى حالة مصيريّة مُحدِّدة لطبيعة الدولة، وهي بدأت مع الحيثيين، ولَم تنته مع العثمانيين.
هذا، ومع انسداد أفق الدُّخول إلى الاتحاد الأوروبيّ كان لابدَّ من من إيجادِ مخرجٍ لاندفاعةِ الأناضول، فاقتضى هذا الأمرُ العودةَ للمسارِ التاريخيّ الطبيعيّ المحكوم بالجغرافيا عبر البوابة الجنوبية التي تتيح لمن يستطيع اقتحامها التمدّد، نفوذاً وهيمنةً، إلى الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتكليفٍ وتسهيلٍ وتدبيرٍ من قبل الولايات المتحدة الأمريكيّة التي تسعى إلى محاصرة الصين وروسيا وإسقاط إيران بعالم إسلاميٍّ جديدٍ عموده الفِقْريُّ تركيا الإسلاميّة، وهذا جوهر ما تم الاتفاق عليه عام ٢٠٠٥ بين البلدين.
لعبت اعتباراتٌ متعدّدةٌ تتعلق بطبيعة الاصطفافِ المتين بين طهران ودمشق والضاحية الجنوبية دوراً أساساً في اعتماد استراتيجيّةٍ مختلفةٍ لإسقاط البوابة الجنوبية، فكانت الخُطة البديلة وهي الإسقاط من الخلف عبر نشر الفوضى الخلّاقة من شمال أفريقيا، لتتمدّد باتجاه بلاد الشام لإسقاط دمشق التي استعصت على السقوط، بفعلِ إدراكِها مع الأطراف المُستهدفة، محليّاً وإقليميّاً ودوليّاً، خطورة المسألة، ومُحافظتها على تحالفها صُلباً في مواجهة التحدّيات.
كان لتغيُّرِ معطيات المواجهة بخلافِ المُرادِ لها دورٌ أساسٌ في التحوّل نحو الاستراتيجيّة التاريخيّة التي تقتضي إسقاط البوابة الجنوبية بذرائع مختلفة، لذلك تمدّدت تركيا إلى إدلب وجرابلس وعفرين، وهي تتأهّب بكافة الوسائل للتمدّد باتجاه ما تبقى من المناطق الشمالية لسورية، مُستغِلةً على نحو واضح حاجةَ كلٍّ من إيران وروسيا لدورها المهم في كسر الأحادية القطبية.
كان من الواضح أنَّ تركيا التي تمثّل الوجه الأخير لهضبة الأناضول قد اعتمدت على الذَّاكرة التاريخيّة للمعاهدات الدوليّة التي تتيح لها استناداً إلى شرعيةٍ جديدة، أن تعاود المحاولة من أجل إسقاط البوابة الجنوبيّة بشكلٍ كاملٍ إذ إنَّ مفاعيل اتفاقية لوزان تنتهي عام ٢٠٢٣، ما يجعل من تثبيت الأمر الواقع، وبما يتوافق مع اتفاقية عام ١٩٢٠ متحقّقاً فعلاً، على نحوٍ يجعل من سورية كدولة غير قابلة للحياة.
المخاطر
لاشك في أنَّ اللحظة التي أعلن فيها الرئيسُ الأميركيُّ انسحابَه المفاجئ من سورية كان قد دفع فيها بجملة من المخاطر لتهيمن على المشهد السوريّ على وجه العموم؛ ذلك أنَّ هذه الخطوة لم تخرج عن سياق التكليف الأميركيّ لتركيا عام ٢٠٠٥، وتكفي جملة “لقد تركت سورية كلها لك”، لتوضيح حجم المخاطر المحدقة بوجود سورية وبطبيعة التهديدات التي تواجهها.
هذا، ورغم وجود تحالفٍ كبيرٍ وتوافقات بين روسيا وتركيا وإيران، إلا أنَّ ذلك لا يمكن أن يخفّف من هواجس القلق التاريخيّ إزاء العقل التوسعيّ الإمبراطوريّ لتركيا الأناضولية، إذ إنّها تمتلك مجموعة أوراق قويّة تستطيعُ استثمارها، وتتجلّى في العُمق التاريخيّ القريب الذي لم يتجاوز مئة عام، والامتداد الثقافي المؤثر في شريحة سكانيّة لا يستهان بها، والقدرة العسكرية الكبيرة كامتداد لحلف الناتو، والكتلة الديمغرافية الكبيرة وموقعها الجيوسياسي المُفضَّل لدى القوى الدولية، علاوة على القدرات الاقتصادية والموارد المائية لأعظم نهرين يغذّيان سورية والعراق.
الفرص
من منطلق المخاطر التركيّة الأناضوليّة المستمرة على وجود سورية بذاتها، فليس أمام دمشق وحلفائها إلا كبح جماح الاندفاعات التركية المتتالية، وإعادتها إلى الحدود الدوليّة، ومن ثم بناء علاقات بين الطرفين مبنية على أسس السلم والتعاون، بدلاً من الصّراع التاريخيّ المستمرّ فهل هذا ممكن؟
الأمر لا يمكن أن يتحقق، إلا بعد إيصال تركيا لقناعة مبنية على أساس القوة مُفادها استحالة سقوط البوابة الجنوبيّة للأناضول، وهي الشَّمال السوريّ الممتدّ من اللاذقية إلى ضفاف نهر دجلة، ويعتمد ذلك على استثمار دمشق لأوراق قوّتها بشكلٍ جيّد، وهي أوراق متنوّعة تبدأ من الحلف الاستراتيجيِّ لموسكو وطهران ودمشق الذي ترتبط مصالحه بعدم تضخم القوّة التركيّة على نحوٍ مُخلٍّ بالتوازن، إضافةً إلى القلق الخليجيّ من تصاعد الدور التركيّ المسلح بإسلام سياسيٍّ بديل، والاعتماد على تداخل النسيج الاجتماعيّ السوريّ التركيّ بعامّة بشقيه الكردي والبكتاشي بخاصّة، للضغط من الداخل على العقل السياسيّ التركيّ.
ومن هنا تأتي الأهميّة السياسيّة للمصالحة المنتظرة بين دمشق وكرد سورية في الشَّمال، وعودة العلاقات الاستراتيجية مع جبل قنديل، وفق أسس جديدة تدفع باتجاه تحقيق مصالح كلّ شعوب المشرق، وربما تكون المصالحة من أهم الخطوات التي يمكن لدمشق بوساطتها إعادة الدّور الإقليميّ في الشمال، حيث يمكنها أن تكسب قوّة عسكريّة مدرّبة بشكل جيد وكبيرة نسبياً تُقدّر بحدود ستين ألف مقاتلٍ ضمن قوات الجيش، ويمكنهم أن يسهموا في تحرير الأراضي السورية المحتلة في الشَّمال، بل وفِي بقية أنحاء سورية، بالإضافة إلى مجتمع متماسك لم تمزّقه الحرب بصراعات بينيّة، وهو جزء من النسيج الاجتماعيّ السوريّ الذي سيخوض معركة الانتخابات الرئاسية القادمة كآخر سهمٍ في جُعبة الحرب على سورية عام 2021، بالإضافة للحماية المجتمعيّة للموارد والثروات في المناطق الشمالية والشرقية من الفرات والتي تشكل 80 % من الموارد السوريّة.
يُعَدُّ الوجود الكامل لسورية أولويّة قصوى، وهي مُقَدَّمة على أي مشروع سياسيّ، رغم أنه الضامن الوحيد في المستقبل لاستمرار هذا الوجود ذاته.
‎2019-‎01-‎10