عرب القرن الحادي والعشرين!
طلال سلمان
قبل قرن وأكثر قليلاً، وفي ظل الحرب العالمية الاولى أعلن الشريف حسين، أمير الحجاز، بتواطؤ مع بريطانيا العظمى آنذاك، “الثورة العربية الكبرى” ضد الاحتلال العثماني، منادياً بالوحدة العربية.. بينما العالم يحترق بنيران الحرب الكونية.
لم يكن ذلك الاعلان الا صرخة في الهواء، دغدغت احلام العرب المبعثرين فوق ارضهم الواسعة، بلا دول، بل في ولايات عثمانية يحكمها باشوات من ضباط السلطان، هم بطبيعة الحال “أغراب” و”فاسدون” تحركهم الرشوة والتشدد في اضطهاد “الرعايا العرب” لكي يحظوا بتقدير “الباب العالي” ونيل مناصب أعلى.
اليوم، وبعد قرن ونيف من إطلاق تلك الصرخة، نجد العرب أشتاتاً يتوزعون على دول متهالكة، او هي اشباه دول، بغض النظر عن فقرها او امتلاكها ثروات ليست لها وليست في يدها.
اعداد “الدول العربية” تزيد على العشرين، لكنها تابعة او مرتهنة في قرارها للأجنبي، ومعظمها تحت احتلال فعلي تمثله قواعد عسكرية للأميركيين والبريطانيين والاتراك والفرنسيين، فضلاً عن “القاعدة ـ الام ـ اسرائيل” التي تختصر الجميع وتستحضر الجميع، باعتبارها محصلة توافق (بل تواطؤ) دولي على العرب، بعنوان فلسطين، حيث اقيمت “الدولة الاقوى من جميعهم” اسرائيل” لتفصل بين المشرق والمغرب، ولتمنع الوحدة أو الاتحاد او حتى التضامن بين شعوب الامة الواحدة.
أُسقط “الوطن” وحل محله “الكيان” الذي اسبغت عليه “قداسة” و”حصانة” ليست الا “حماية اجنبية” صارمة التهمت احلام الوحدة والاتحاد، وباتت “الكيانية” بين شروط الحرية والاستقلال ومجافاة الاخ الشقيق والاستقواء بالخارج ولو اسرائيليا على “الاشقاء”.
ها هو حلم الوطن العربي يتمزق اليوم في كيانات متخاصمة، وأحياناً مقتتلة، تائهة عن مصيرها، تكاد تفقد هويتها، تتسابق إلى مصالحة العدو، وتترك ثرواتها منهبة للأقوى من دول الاستعمار، جديده الأميركي، او قديمه البريطاني والفرنسي الخ.. بينما عدوها الاسرائيلي يبني إمبراطورتيه في “الشرق الاوسط الجديد” فتسعى إلى مصالحته بشروطه!
الوطن العربي مِزق.. المشرق منه غير المغرب، فإسرائيل حاجز مانع للاتصال فكيف بالوحدة؟
والدول العربية، سواء تلك التي كياناتها شرعية او مستولدة قيصرياً، تتسابق إلى الصلح مع العدو الاسرائيلي، وتقتتل في ما بينها، وتتنافس على التقرب من الولايات المتحدة الاميركية مستعطية الحماية والانقاذ الاقتصادي ولو باسترهان استقلالها وإنكار عروبتها، او طمس هويتها الجامعة..
في غياب الوحدة او الاتحاد او الحرص على المصالح المشتركة ها هي تركيا “تستعيد” بعض امجاد “السلطنة”، فيحتل جيشها مناطق في العراق وأخرى في سوريا، وينشئ قاعدة في قطر شريكة للولايات المتحدة الاميركية احيانا، وللاتحاد الروسي احياناً أخرى.
وها هو مجلس التعاون الخليجي يتفكك، فتخرج عليه قطر، ولا تدخله سلطنة عمان تماماً بل تبقى على بابه، بينما البحرين تلتحق بالسعودية.
.. وها هي دولة الامارات العربية المتحدة، التي لا يزيد عدد سكانها عن بعض احياء مدينة صنعاء او تعز او الحديدة، تتواطأ مع السعودية على غزو اليمن وتدمير اول حضارة في التاريخ الانساني: تقتل النساء والاطفال، وتمهد لانتشار الكوليرا ملتهمة الاطفال.. وسائر العرب يتفرجون.

لقد عجز الاستعمار القديم عن تدمير مستقبل هذه الامة المجيدة، لكن انظمة الانفصال والفرقة والنفوذ الاجنبي وجيوش المرتزقة تنجز الآن ما عجزت عنه دول الاستعمار، قديمه والجديد.
تصوروا أن دويلة قطر قد تمكنت، ذات غفلة عربية، من طرد سوريا من جامعة الدول العربية (مع انها دولة مؤسسة لها..)
.. وان نقاشاً بين الطرشان العرب يجري الآن حول دعوة سوريا إلى القمة الاقتصادية المقرر انعقادها في بيروت خلال ايام، والتي سيكون موضوعها ـ الأساس: إعادة اعمار سوريا.
فأما العراق الذي مزَّقه الاحتلال الاميركي بذريعة تخليصه من صدام حسين فيعجز عن تشكيل حكومته الجديدة، بعد تدمير وحدة شعبه، فضلاً عن عمرانه واسباب حياته.
وأما سوريا فقد استنزفتها الحرب العربية ـ الدولية ـ الاهلية المستمرة منذ ثماني سنوات.
.. وأما لبنان فان الطبقة السياسية فيه، وهي فاسدة مفسدة، تعجز منذ حوالي ثمانية أشهر عن تشكيل حكومة جديدة فيه، بينما ازماته الاقتصادية والاجتماعية تحاصر شعبه بالضائقة المعيشية فيهاجر شبابه إلى أي مكان في هذا العالم يقبلهم كقوة منتجة لغير شعبها في وطنها.

ليس في الوطن العربي جميعاً دولة واحدة مستقلة استقلالاً كاملاً ناجزاً وارادتها حرة..
أن العرب جميعاً مرتهنون للاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الاميركية وطغيان انظمة السوء التي تحكمهم: يرفعون اعلام بلادهم خفاقة، بينما ارادتهم مكبلة بقيود المصالح الاجنبية والمحتكرين في الداخل، وانظمة السوء التي تحكمهم.
إن طيران العدو الاسرائيلي لا يكاد يغادر الفضاء اللبناني.. ثم انه يواصل غاراته على المواقع السورية، في الجبهة، وصولاً إلى ضواحي دمشق، وثمة قوات اميركية في شرقي سوريا، اضافة القوات الاميركية التي مازالت في العرق منذ أن احتلته في العام 2003..
كذلك فثمة قوات اميركية في السعودية والامارات (ومعها قوات فرنسية) وفي قطر (ومعها قوات تركية!)
إن صورة الاوضاع العربية قاتمة، في هذه اللحظة: الارادة مغلولة بالوجود الاجنبي وفشل “الحكم الوطني” والنهب المنظم للثروة الوطنية،
إن نخبة اجيالنا الجديدة تذهب ولا تعود، فتربحها البلاد الاجنبية، ولا نجد من يعوضنا عنها، اقله في المدى المنظور.
لكننا لن نيأس، ولن نهاجر، لن نترك أوطاننا للأجنبي، ولن نمكن الاحتلال الاسرائيلي من اغتيال غدنا.
لقد كنا “خير امة أخرجت للناس”.. وبإمكاننا أن نعود إلى موقعنا على خريطة الدنيا والى موقعنا الذي نستحق بقوة تاريخنا وزخم اجيالنا الآتية.
أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..
وكل عام وأنتم بخير..
‎2019-‎01-‎10