تحليل سياسي 
المشهد السوداني في العمق “أزمة متوارثة ودولة عميقة فاسدة

بقلم بكر السباتين

وصراع تقليدي بين “سنديان” الصادق المهدي و”مطرقة” حسن الترابي
السودان يعيش أزمة حقيقية ومقبل على خيارات لا تمتلك معطيات التفاؤل والنجاح بسبب الفقر وقلة الموارد والفساد المستشري في حكومة عمر البشير. تلك الظروف التي دفعت بالقيادة السودانية إلى تأجير الجيش كمرتزقة في اليمن.. لا بل تحول هذا الرئيس المُرْتَهَنْ للحاجة وضيق الحال إلى بالون اختبار لامتصاص ردود الأفعال على نحو زيارته الأخيرة لدمشق سواء كانت إيجابية أو سلبية.. فكان على البشير أن يعلق الجرس ويتحمل النتائج الأولية.


من هنا يمكننا فهم ما يقف وراء ثورة الخبز المتصاعدة في السودان والتي خرجت على شكل مظاهرات عنيفة أدت إلى حرق بعض مرافق الحزب الحاكم ما دفع بالحكومة السودانية إلى التعامل مع المتظاهرين بقسوة.. ففي سياق ذلك أعلن الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة السوداني المعارض، يوم السبت الموافق 22 ديسمبر، مقتل 22 شخصاً خلال الاحتجاجات التي يشهدها السودان، منذ يوم الخميس الماضي.
ولم يؤكد هذا العدد سوى الصادق المهدي زعيم حزب الأمة والمعارض التقليدي للبشير، في مؤتمر صحفي، في حين تحدّثت وسائل إعلام سودانية عن 9 قتلى فقط.
وبسبب الاحتجاجات أعلنت وزارة التعليم العالي تعليق الدراسة في كافة جامعات ولاية الخرطوم، وكذلك ببعض المدارس والجامعات في ولايات القضارف والنيل الأبيض ونهر النيل. وفي مؤتمر صحفي، يوم الجمعة الماضي، قال مدير جهاز الأمن الوطني والمخابرات، صلاح عبد الله محمد صالح، المعروف أيضاً باسم صلاح قوش، إن شبكة في العاصمة الكينية نيروبي جاءت بمتمرّدين تربطهم صلات ب”إسرائيل” إلى السودان لإثارة أعمال العنف، ولم يُرفق ذلك بدليل. وأكد أن أجهزة الأمن ألقت القبض على مجموعات أدارت “عملية التخريب” ونفّذتها في بعض المدن، مضيفاً أن أفرادَها جزءٌ من 280 شخصاً تابعين للمتمرّد عبد الواحد نور، قدموا من “إسرائيل” وتم تسريبهم إلى داخل البلاد عبر العاصمة الكينية نيروبي.
وبدأ تظاهرات “القضارف” طلابٌ من المدارس الثانوية، ثم انضم إليهم مواطنون في سوق المدينة، وجرى خلالها حرق مبنى المحافظة الواقعة شرقي الخرطوم.
ويعاني السودان أزمات في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي؛ نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الأسواق الموازية (غير الرسمية) إلى أرقام قياسية تجاوزت أحياناً 60 جنيهاً مقابل الدولار الواحد.
يُذكر أن اندلاع الاحتجاجات في السودان تزامن مع عرض رئيس الوزراء، معتز موسى، على المجلس الوطني (البرلمان) الموازنة العامة لـ2019.
وكان لوسائل التواصل دور بارز في الثورات العربية التي انطلقت نهاية 2010 في عدد من الدول العربية، والتي أطاحت بزعماء عرب؛ أبرزهم حسني مبارك، وزين العابدين بن علي، ومعمر القذافي. حيث أعلنت حكومة السودان، يوم الجمعة الماضي، تعطيل وحجب مواقع التواصل الاجتماعي “إلى أجل غير مسمّى”؛ في محاولة للحد من حركة الاحتجاجات المتواصلة إلى الآن.
ويستخدم الناشطون المنصّات الاجتماعية للتواصل بينهم ونشر أخبار تتعلّق بالاحتجاجات، وهو ما يزيد من رقعة المظاهرات التي امتدّت إلى محافظات سودانية مختلفة. ولعل ما يلفت الانتباه في هذا الحراك السوداني هو محاولات الأحزاب السياسية التقليدية وخاصة حزب الأمة، امتطاء الموجة الشعبية لتحريك المشهد السسياسي لصالح مآربها الحزبية. وهنا تقع الطامة الكبرى.
وحتى نفهم المشهد السوداني أكثر والذي بدأ يخضع لتجاذبات سياسية بين حزب الرئيس الحاكم عمر البشير وعرّابه السياسي المخضرم حسن الترابي، وهو أحد قادة الإخوان المسلمين في السودان، وزعيم حزب الأمة المعارض الصادق المهدي، الذي كان قبل ثلاثين عاماً في عهد الرئيس أحمد الميرغي، رئيساً للوزراء، وذلك من أجل التحكم بالحراك الشعبي السوداني الذي خرج عفوياً دون قيادة محددة ؛ما تركه عرضة للامتطاء من قبل المعارضة التقليدية لقلب الطاولة على الحكومة السودانية الحالية التي تمثل عنصر المواجهة المباشرة مع الشعب. وفي الحقيقة لا أتخيل بأن النتيجة ستكون لصالح الحراك الشعبي السوداني ما سيدخل البلاد في نفق مظلم، بدليل أن ذات الصراع يتكرر عمّا جرى قبل ثلاثين عاماُ، تحديداً في الأول من يناير عام 1956حينما بدأت الأحزاب السياسية في السودان تتشكل ويبقى لها وجود على الأرض، منها حزب الأمة اليميني الذي كان يضم الحركات الصوفية، وحزب اليسار المتمثل بالحزب الشيوعي السوداني الذي كان يضم في ائتلافه القوميين والشيوعيين والناصريين. أما جماعة الإخوان الذين كان يتزعمهم حسن الترابي فقد آثروا العمل في الظل وتغلغلوا في الوسط الشعبي بفاعلية تنموية انعكست على وضعهم السياسي الذي ظفر بقبول جماهيري مناسب. وفي الفترة ما بين 1956 إلى الفترة 1965 حصلت اضطرابات سياسية وانقلابات وأزمات انتهت باستلام إسماعيل الأزهري الحكم في 8- 7- 1965.. ودخل المشهد في صراعات سياسية، أدت إلى الإطاحة بالأزهري في 5 مايو 1969، على يد جعفر النمير الذي حكم السودان بالحديد والنار خلال فترة حكمه، وقد أفقر الشعب السوداني حتى خسر الجنيه السوداني في عهده 80% من قيمته، واشتعلت الحروب الأهلية بين الأقاليم السودانية، وانعكس كل ذلك على الظروف المعيشية للشعب السوداني (في ظروف كبيرة الشبه بيومنا هذا) وخاصة حينما انتفض السودانيون آنذاك فسقط من جراء ذلك نظام النميري العسكري. واستلم إدارة البلاد بعد ذلك مجلس عسكري بقيادة سوار الذهب لمدة عام. لكنه بفضل حكمته السديدة؛ تنازل سوار الذهب عن الحكم سلمياً لقيادة مدنية برئاسة أحمد المرغلي، واستلم حينها رئاسة الحكومة صادق المهدي الذي يمثل اليوم المعارضة لنظام البشير في أتون الانتفاضة الشعبية السودانية الأخيرة.. وكأنه ثأر مبيت؛ لأن الأخير كان قد أسقط نظام أحمد الميرغي عام 6 إبريل 1985، وكأن الصراع ما لبث مكانه بين زعيم حزب الأمة الذي أسقطه البشير قبل ثلاثين عاماً ، باحثاً عن لحظة الثأر من خلال هذه الفرصة السانحة بامتطائه صهوة ثورة الخبز السودانية ليعيد الصفعة للحزب الحاكم ورئيسه البشير وبالتالي ربما تكون الضربة القاضية لخصم المهدي المخضرم حسن الترابي.
وللتذكير فإن السودان لو جدد من قياداته مبتعداً عن الدولة العميقة التي يتناوب على تشكيلها المتصارعون التقليديون في المشهد السوداني، ورموزه القدامى كما ذكرنا آنفاً، فإن السودان سيمتلك من أسباب النمو الكثير على اعتبار أنه مهيأ فعلياً ليكون سلة العالم العربي الغذائية ولكن هذا على الأقل يحتاج إلى إصلاحات جذرية حقيقية حتى نراهن على ذلك. وللتذكير فإن سياسة التصعيد من قبل حكومة عمر البشير وكسر العظام دون حل الأزمة في إطار اعتماد سياسة إصلاحية وتنفيذ خطط تنموية حقيقية فإن الكوارث ستتوالى عَل البلاد وبالطبع فإن المستقبل سيكون سوداويا.. خلافاً لما نتمناه

2018-12-30