قبل سبعة أعوام .. كيف انسحبت أميركا من العراق ولماذا؟

بغداد ـ عادل الجبوري

قبل سبعة اعوام بالضبط، غادرت اخر عربة عسكرية اميركية الاراضي العراقية باتجاه دولة الكويت، وفقا للاتفاقية الامنية المبرمة بين العراق والولايات المتحدة الاميركية، في السابع عشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2008.

وقد حددت تلك الاتفاقية التي تألفت من ثلاثين مادة، مراحل ومواعيد الانسحاب الاولي للقوات الاميركية من المدن والقصبات العراقية، وحددت ايضا ضوابط التعامل بعد سريان مفعول الاتفاقية، وكيفية معالجة اي اشكاليات يمكن ان تطرأ بين الجانبين.

ورغم ما اثير من اعتراضات وتحفظات كثيرة على تلك الاتفاقية، باعتبارها تخل في بعض موادها وفقراتها بالسيادة الوطنية العراقية، مثلما كان يرى المعترضون والمتحفظون، الا انها في واقع الامر، مثلت نقطة تحول مهمة، لا سيما بعد تنفيذ الفقرة المتعلقة بإكمال انسحاب القوات الاميركية من العراق خلال مدة زمنية اقصاها نهاية شهر كانون الاول/ ديسمبر 2011.

في واقع الامر، حينما قررت الولايات المتحدة الاميركية شن الحرب على العراق لاسقاط نظام صدام في ربيع عام 2003، ومن ثم احتلاله واخضاعه لهيمنتها ونفوذها الكامل، لم تكن تفكر بالانسحاب منه بعد ثمانية اعوام، ولا حتى بعد عشرة او عشرين عاما، بل ان تفكيرها وتخطيطها تركز في ذلك الوقت على كيفية اتخاذ العراق قاعدة لها للتمدد الى دول المنطقة الاخرى، لا سيما تلك التي تناصبها العداء والخصومة، مثل الجمهورية الاسلامية الايرانية.

ومن يدقق في طيات تصريحات مسؤولين اميركيين كبار بعد احتلال  العراق، يمكن ان يستكشف حقيقة نيات وتوجهات واشنطن.

فعلى سبيل المثال، صرح الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الابن بعد سقوط النظام بأسابيع قلائل قائلا، “ان إيجاد عراق حر ومسالم أمر ضروري من أجل استقرار الشرق الأوسط، ووجود شرق أوسط مستقر أمر ضروري من أجل أمن الشعب الأمريكي”.

أما وزير الدفاع الاميركي في حينه ديك تشيني، فقد قال “ان العراق سيقف كمثال إلى بقية الشرق الأوسط، وهكذا يساهم نموذج العراق مباشرة في تحقيق أمن أمريكا وأصدقائنا”.

في حين اكد نائب وزير الدفاع وأحد ابرز مهندسي غزو العراق، بول وولفويتز، “ان هذه المعركة لتحقيق السلام في العراق الآن هي المعركة الرئيسية في الحرب العالمية على الإرهاب، وهذه التضحيات لن تجعل الشرق الأوسط فقط الأكثر استقرارا، بل بلادنا أيضا ستصبح أكثر أمانا”.

ولعل تلك التصريحات وامثالها، تشبه الى حد كبير التصريحات التي اطلقها المسؤولون الاميركيون بعد غزوهم لافغانستان في عام 2001، وهم من خلالها كانوا يريدون القول ان الوجود الاميركي في العراق والمنطقة سيكون طويلا، وان هناك معارك وحروبا قادمة بانتظار دول وشعوب المنطقة، وبالفعل هذا هو الذي حصل، بيد انه لم يُفضِ الى اوضاع اكثر امانا واستقرارا لا لاميركا ولا للعالم ولا للمنطقة.

ولان الامور لم تجرِ كما ارادت وخططت واشنطن، لذلك فانها راحت يوما بعد اخر، تواجه الكثير من المصاعب والمخاطر والتحديات، بفعل تنامي الرفض الشعبي والسياسي الواسع لاحتلالها وهيمنتها، الذي تسبب لها بخسائر غير قليلة، تمثلت بمقتل 4474 جنديا وجرح اكثر من ثلاثة وثلاثين الفاً اخرين، بحسب مصادر الجيش الاميركي، علما ان ادارة البيت الابيض، تجنبت ذكر الارقام الحقيقية، حتى لا تثير حفيظة الرأي العام الاميركي، وتتجنب المزيد من الانتقادات الحادة واللاذعة لسياساتها العدوانية المتهورة والمتخبطة.

وعن ذلك يقول الخبير انتوني كوردسمان “إن الانتصارات التكتيكية التي قادتها القوات الأميركية لم تتمخض إلا عن تقليص عدد الحوادث الأمنية، وبالتالي تخفيض مستوى الصراع الذي نتج من الإخفاقات الأميركية في سنوات الغزو الأولى، إلا أن الولايات المتحدة خسرت تلك الحرب استراتيجيا”.

وبعد اتمام الانسحاب، يستعرض استاذ العلاقات الدولية والتأريخ في جامعة بوسطن الاميركية “اندرو باكيفتش” تبعات ونتائج الغزو الاميركي للعراق ودلالات الانسحاب، مستعيرا عبارة للزعيم البريطاني الشهير “ونستون تشرشل”، وهي انه “من النادر في التاريخ البشري أن حدث هذا الكم الهائل من التضحيات الغالية والنفيسة لتحقيق ذلك القدر الهزيل من النتائج”. مشيرا الى “ان الولايات المتحدة لم تحقق نصرا عسكريا، ولم تنجز أهدافا إستراتيجية من حرب كلفتها آلاف القتلى والجرحى، وخلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى العراقيين. ناهيك عن ان التراث الكارثي للحرب الأميركية في العراق يتخطى الخسائر المالية والبشرية، حيث إنه أظهر للعالم افتقار القيادة السياسية الأميركية للقدرة على ضبط النفس ونزوعها إلى استخدام القوة كأداة في السياسة الدولية”.

ويضيف باكيفتش، انه “للوهلة الأولى، بدا من تتابع الأحداث بشن الحرب في 20 آذار/مارس 2003 ودخول القوات الأمريكية العراق ثم سقوط بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل أن المهمة سوف تتحقق، حتى إن بوش سارع إلى الاحتفال على ظهر حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لنكولن ومن خلفه لافتة كبيرة تقول (أُنجزت المهمة)، متحديا من شنوا هجمات أيلول/ سبتمبر بقوله لقد ظنوا أنهم سيجبرون الولايات المتحدة على الإنزواء بعيدا عن دورها الرائد في العالم، ولكنهم فشلوا وها هي أمريكا تتقدم من نصر إلى نصر، لكن أتت الرياح في العراق بما لم يشته بوش، ليشكل الإنسحاب الأمريكي من العراق نهاية لفكرة الهيمنة الأمريكية اعتمادا على تلك القوة”.

وفي ظل الوجود العسكري الاميركي، تنامى الارهاب في العراق الى مستويات مروعة، واستفحلت النزعات الطائفية والقومية والمذهبية، وتنامت مشاعر الحقد والكراهية، ولم يشهد البلد اي تحولات ومتغيرات ايجابية على الاصعدة الاقتصادية والخدمية والعمرانية، بل ان الكثير من البنى التحتية والمنشآت الحيوية والمرافق الحكومية تعرضت للمزيد من التخريب والتدمير والتراجع.

ولان واشنطن اما ارغمت على الانسحاب او اخطأت، فإنها راحت تبحث عن مبررات وذرائع وحجج جديدة للعودة الى العراق، وقد وجدت في اجتياح تنظيم “داعش” الارهابي للعراق صيف عام 2014 فرصة ذهبية للعودة مجددا، مستفيدة من بعض مواد وفقرات الاتفاقية الامنية، ولعل وجودها العسكري افاد الجماعات الارهابية كثيرا وألحق افدح الاضرار بالشعب العراقي، وهناك الكثير من الحقائق والمعطيات والارقام تثبت ذلك.

واليوم يمثل انهاء كافة مظاهر الوجود الاجنبي من الاراضي العراقية مطلبا اساسيا تجمع عليه غالبية ـ ان لم يكن كل ـ مكونات الشعب العراقي، وهذا يعد رسالة اخرى بالغة الاهمية على رفض السياسات والتوجهات الاميركية، وإدراكا عميقا لمدى خطورة اي وجود عسكري اميركي فوق الاراضي العراقية، لان ذلك يعني سلسلة اخرى من المآسي والكوارث والويلات.

2018-12-19