كيف يجب ان تسير الأمور في الديمقراطية السليمة؟

صائب خليل

 الدافع لهذه المقالة هو الإحساس بأن الصورة السليمة للممارسة الديمقراطية قد تشوشت امام المواطن، وتم اغراقها عمداً أو بدون عمد بمفاهيم غريبة وشعارات لا أساس لها، في جو مشحون بالغضب من كل شيء والرغبة غير المتفكرة، في تغيير كل شيء!

لكن الغضب لا يكفي لإصلاح الحال والشعارات المبسطة قد تكون مضللة، ومن يرغب في التغيير يجب ان يعرف إلى أي تغيير يجب ان يتجه، وما هي الصورة المثالية التي يتوجب الاقتراب منها قدر الإمكان. أين الخلل في النظام وأين الخلل في ممارسته والقائمين عليه؟ هل يجب ان نغيره أم نغيرهم؟ هل نجح نفس النظام في البلدان الأخرى أم هو مختلف؟ وإلى أية درجة؟

 

هذه الأسئلة دقيقة وحساسة ويجب العناية بالإجابة عنها، لأن الخطأ في ذلك مكلف جداً، فالجواب يوجه كل الجهود أما بالاتجاه الصحيح او الخطأ. وهناك، إضافة الى الجهل، من يسعى بجد لإعطاء إجابات خاطئة أو الإيحاء بها، ضمن حملة مخططة لتشويش الصورة أمام الشعب، لأسباب معروفة. لذلك كتبت هذه المقالة.

سنتحدث في المقالة عما يلي

1- ما هو البرنامج: الديمقراطية تبدأ باختيار المواطن للبرنامج الذي يحقق اهدافه، و انتخاب الحزب الذي يحمل ذلك البرنامج.

2- اختيار الحكومة: بعد الانتخابات، تكلف الكتلة الفائزة بتشكيل الحكومة وفق الدستور ويبقى الباقين كمعارضة تراقب الحكومة،

3- المواطن وواجب الرقابة على ممثليه: المواطنون يراقبون ممثليهم في البرلمان، ومدى صدقهم في وعودهم، سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة.

4- ما الذي يحدث عندنا؟: وصف للحالة التي نحن فيها من اجل مقارنتها بالشكل السليم ومحاولة فهم الطريق إلى التغيير

5- ما العمل؟: حول الطريق إلى التغيير وما هي الخطوات التالية

 ما هو البرنامج؟

 البرنامج هو ما يعد الحزب بتنفيذه في حالة وصوله إلى الحكومة أو مجلس النواب ويغطي حاجات البلد والأهداف الأهم في تقدير الحزب. ويكون البرنامج بشكل خطة تدعمها أرقام تستند إلى حسابات للحاجات الفعلية للبلد. مثلا ان تكون هناك دراسة تبين أننا بحاجة إلى عشرة الاف مدرسة، ليكن منها خمسة الاف ابتدائية .. الخ. وان البلد سيحتاج خلال السنوات الأربع القادمة إلى كذا طن من الحنطة، وان التنمية النفطية ستحتاج الى كذا مليار دولار، ونحتاج الى كذا مليار للمستشفيات الخ. هذه هي حاجات البلد الأساسية ويفترض بكل حزب ان يخطط لتحقيق ما يراه مهماً منها. وهذه الحسابات لا يمكن توفيرها إلا من قبل وزارة التخطيط او معاهد إحصائية متخصصة.

من ناحية أخرى لدينا موارد البلد للسنوات الأربعة القادمة، من النفط مثلا، ومن الضريبة، ومن الصناعة الخ. ويقوم كل برنامج بتوزيع الموارد على الحاجات الأساسية حسب تقدير الحزب. ومن الطبيعي ان الموارد لن تكفي لتغطية كل الحاجات والطموحات للبلد. لذلك فبرنامج كل حزب او كتلة، هو في حقيقة الأمر اختيارها للأهداف التي تعتبرها الأكثر أهمية وترك بقية الأهداف. فالاشتراكيون سوف يعتبرون ان التعليم والصحة مثلا، الأولى بالاهتمام، بينما قد يرى الليبراليون والاثرياء ان المضي في طريق الخصخصة وربما شراء الأسلحة وتوفير سلع الرفاهية، هي الأهم. وهكذا سيصوت من يهمه توفير التعليم والمستشفيات ودعم المواد الأولية للاشتراكيين وبرنامجهم، وسيصوت من يعتبر الخصخصة هي التي تمثل مصالحه لليبراليين وبرنامجهم. وقد يفضل الكثيرون برنامجاً وسطا بين الاثنين يراعي الخصخصة وبعض الاعتناء بالتعليم والمستشفيات مثلا.

 لماذا يجب ان يستند البرنامج إلى حسابات رسمية؟ طبيعي ان كل حزب يريد ان يضع في برنامجه أكبر ما يمكن من الأهداف لإغراء اكبر عدد ممكن من الناخبين للتصويت له. لذلك، إن ترك الامر للأحزاب، فسوف تقدم برامج غير واقعية في طموحاتها. لذلك يوجد هنا في هولندا على سبيل المثال، معهد حكومي اقتصادي متخصص لمراجعة برنامج كل حزب، وإصدار تقرير فيما اذا كان ذلك البرنامج ممكن التحقيق مبدئياً، أو انه يتجاوز موارد الدولة لتلك الفترة.

وطبيعي ان موارد البلد ليست ثابتة تماما لكل برنامج. فيمكن للبرنامج الاشتراكي ان يطلب زيادة الضرائب على الأثرياء وأن يحدد مبيعات البنك المركزي من الدولار (إن كان له سلطة عليه في ذلك البلد) لكي يزيد الموارد ويتمكن من زيادة عدد المدارس التي يعد ناخبيه ببنائها.

كذلك يستطيع الحزب الليبرالي ان يضع في برنامجه، الغاء الدعم المالي للحبوب والحليب وإلغاء الحصة التموينية مثلا، موفراً مبالغ يمكنه ان يضيفها الى برنامجه لدعم القطاع الخاص مثلا او للاستثمار في الخارج الخ.

لكل ذلك فأن حساب واقعية البرنامج الحزبي وإمكانية تحقيقه، أمر ضروري ويحتاج إلى مراجعة المعاهد الخاصة أو وزارة التخطيط مثلا.

 اختيار الحكومة

 يتم اختيار حكومة من كتل تتفق بينها لتجمع ما يزيد على 50% من مقاعد مجلس النواب، لكي تتمكن من تمرير قراراتها وقوانينها في المجلس بشكل مريح. ويتم تجميع هذه الكتلة الحكومية على مرحلتين.

الأولى حين يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة الأكبر. فيقول الدستور في المادة (76): أولاً:- “يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.

والمفروض ان الكتلة النيابية الأكبر عدداً هي الكتلة التي قدمت نفسها ككتلة قبل الانتخابات. وهذه لن تحصل بالضرورة على اكثر من 50% من المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة، بل قد يكون لها أي عدد كان منها، مادامت اكثر من غيرها، حتى لو كان 10% فقط.

من الطبيعي ان يكون لهذه الكتلة “برنامج” تراه الأنسب للبلاد، وانها تهدف الى تحقيقه كما وعدت، وأن ناخبيها انتخبوها لتحقيق ذلك البرنامج. ولأجل تمكنها من تنفيذ برنامجها وتمرير القوانين اللازمة له في مجلس النواب، ستسعى الكتلة الفائزة بالترشيح، إلى اكمال مقاعدها لعبور حاجز الـ 50%، من خلال مفاوضة كتل أخرى لمشاركتها الحكومة. ومن الطبيعي أنها لن تجد كتلة او حزب له نفس برنامجها بالضبط، لذلك فأن البرنامج الحكومي سوف يكون توافقاً يرضي بدرجة ما، كل الكتل المشاركة.

ولكي لا يبتعد البرنامج الحكومي التوافقي كثيراً عن برنامج الكتلة الأكبر ووعودها، من الطبيعي ان تبحث الكتلة عن الكتل الأقرب الى برنامجها، لكي لا تضطر الى التخلي عن الكثير من أهدافها، وتخيب امل ناخبيها. فإن كانت الكتلة الفائزة قريبة للاشتراكية، فإنها ستتجه الى الكتل الأخرى التي تقبل الاقتصاد المخطط مثلا، وربما تتساهل باختلافات أخرى مثل دعم المواد الأولية، على سبيل المثال، لكنها لا يمكن ان تختار كتلة ذات برنامج مناقض لبرنامجها، لأن الناتج سيكون كارثياً على الكتلتين وسيتخلى عنهما ناخبيهما. فإن لم تستطع الكتلة المرشحة ان تجد ما يكفي من الكتل القريبة منها والتي تستطيع الاتفاق معها على برنامج الحد الأدنى الذي يرضي ناخبيها، فسوف تختار ان تتخلى عن تشكيل الحكومة وتعود الى المعارضة، وحينها سيختار رئيس الجمهورية الكتلة التالية الأكثر عددا في المقاعد لتجرب حظها في التفاوض لتشكيل تحالف يعبر الـ 50% من المقاعد، وهكذا.

 المواطن وواجب الرقابة على ممثليه

 البرامج أعلاه، ستكون ورقة الحساب التي يحاسب ناخبو الحزب حزبهم عليها، فيكافأ ان حققها ويعاقب ان لم يحققها. إضافة إلى البرنامج وأهدافه الرقمية، هناك وعود أخرى. فقد يفوز حزب يعد بإزالة بعض أو كل القواعد العسكرية الأجنبية من بلاده. وهو ما حدث بالضبط في اليابان قبل بضع سنوات، لكن الحكومة استقالت بعد ان عجزت عن إزالة قاعدة أمريكية في بلادها.

كذلك هناك سياسة يفترض في الأحزاب ان تواجه بها الأحداث الطارئة غير المحسوبة. فعندما طلبت اميركا من هولندا زيادة عدد جنودها في أفغانستان قبل سنوات، كان على كل حزب ان يتخذ موقفاً وفق ما يفترض ان ناخبيه يرغبون. وإن لم يعرف فقد يرتب استفتاءاً. المشكلة كانت في هولندا ان أحزاب الحكومة لها جمهور مختلف. فالحزب الديمقراطي المسيحي يكاد يتبع اميركا في معظم ما تريد، اما حزب الديمقراطيون 66 فليس كذلك. لذلك اضطر كل حزب ان يتبع الموقف الذي يناسب ناخبيه، فانسحب الديمقراطيون 66 من الحكومة مما أدى الى خسارتها حاجز الـ 50% واضعفها بشدة وهدد بسقوطها لولا مسارعة حزب عنصري الى مساندتها.

فحزب الديمقراطيين 66 رأى ان ناخبيه الذين يراقبونه سوف يعاقبوه بشدة ان قبل بقرار الحكومة زيادة الجنود، ففضل الخروج من الحكومة الى المعارضة لكي لا يخسر ناخبيه.

ولكي يتمكن الشعب من ممارسة دوره الرقابي، توجب عليه أولاً ان يكون مستعداً لبذل الجهد اللازم لذلك، وثانياً ان يحرص على ان تكون ممارسات الحكومة والبرلمان تحت نظره وبشكل علني قدر ما يستطيع.

النواب لن يجرؤوا على الدعوة الى العمل سراً سواء بالتصويت أو المناقشة، لأن ذلك سيثير شكوك ناخبيهم ان هؤلاء يريدون ان يصوتوا عكس ما وعدوا. وهكذا يتم النقل المباشر للغالبية السحقة من جلسات مجلس النواب، ويتم التصويت بالطريقة القديمة برفع الأيدي ويتم حسابها بشفافية. ولا يتم اللجوء إلى الجلسة السرية إلا لأسباب امنية محددة، وبالقدر الذي تتطلبه السرية فقط. ولم اسمع في حياتي في هولندا عن جلسة نقلت بالتسجيل. ليس لأن النواب الهولنديون طيبون، لكن لأن شعبهم حازم وشكاك. فقد قال احد الفلاسفة ان خير ضمان للديمقراطية هو “سوء الظن”. فحسن الظن يغري بالفساد ولا يؤدي الا إلى حكومة فاسدة عاجلاً او آجلاً.

 ما الذي يحدث عندنا؟ :”ليس لمن لا يعرف وجهته، ان يتمنى الرياح المناسبة”

 كما لاحظنا، فأن الديمقراطية تبدأ بالبرنامج الانتخابي للحزب أو الكتلة، ليتم التنافس على تلك البرامج، وان البرنامج لا يكون حقاً كذلك ما لم يستند إلى ارقام مدروسة. ومن هنا نستنتج أن ديمقراطيتنا ليس فيها برامج، فعلى أي شيء يكون التنافس؟ وما الذي ستهدف اليه الحكومة؟ وإن لم تكن اهداف الحكومة معروفة، فما الذي ستعارضه المعارضة؟ فلو كانت الحكومة ليبرالية هدفها الخصخصة وتقليل الضرائب على الأثرياء، فأن الأحزاب الميالة للاشتراكية ستكون في “المعارضة” لتعارض هذه السياسة وتراقبها وتكشف مساوئها. لكن بدون برنامج لا معنى لتلك الكلمات، ولا مجال ان ينقسم مجلس النواب كما في بقية العالم الى حكومة ومعارضة، وبالتالي فلن يكون لدينا سوى “حكومة محاصصة” و “خاسرين” لا عمل لهم!

من المسؤول عن هذا الخلل؟ هل هي الأحزاب التي لا تكتب لنفسها برنامجاً محدداً؟ أم هو المواطن الذي لا يبحث بين الأحزاب عن برنامج معين؟ في تقديري أن الخلل في كليهما، لكن بداية الخلل ونواته هو المواطن بالتأكيد! فالمواطن لم يحدد ما يريد، وإلا لاشترط برامجاً ولأجبر الأحزاب على كتابة برامج، ولأجبر الحكومة على إيجاد مركز فحص لمصداقية تلك البرامج.

يقول نيتشه: “ليس لمن لا يعرف وجهته، ان يتمنى الرياح المناسبة”. ومن الطبيعي ان المواطن الذي لا يدري ما يريد، ولا يبذل الجهد اللازم ليتعلم كيف يختار ولا الوقت اللازم ليستمع إلى قادة الكتل والأحزاب ويقرأ منشوراتها ليميز الأفضل بالنسبة له، ولا لمراقبة تلك الأحزاب، لن يعرف كيف يختار ولن يهتم بوجود برنامج يختار الحزب من خلاله. ومن المنطقي انه في حالة عدم وجود الاهتمام بالبرنامج فأن أية كتلة لن تكتب أي برنامج ولن تلزم نفسها بشيء.

 النتيجة الحتمية لهذا الحال هو أن لا يكون لدينا أحزاب حقيقية، إنما مجموعات (او عصابات) تتفق فيما بينها للاستفادة الشخصية، وليس لديها اي هدف وطني او برنامج. صحيح ان البعض يدعي وجود برامج لديه لكنك لو راجعتها فستجدها عبارة عن تجميع لكلمات عامة كما قلنا مثل “محاربة الفساد” و “عبور الطائفية” الخ. وربما تجد أهدافاً أخرى مثل “تطوير التعليم” و “بناء المستشفيات”، لكنها ستبقى بلا ارقام يحاسب الحزب عليها، او أرقام عشوائية وضعت بدون اية دراسة مسبقة.

فلو راجعت برنامج حكومة عبد المهدي، لوجدت البرنامج عبارة عن كومة من الاماني، وكأنما قد طلب لكل جهة ان تكتب ما تريد كتابته، حتى ان لغة كتابة تلك “الأماني” مختلفة من فقرة الى أخرى، حسب كاتبها كما يبدو. فبدون وجود جهة تحقق في إمكانية تحقيق البرنامج، فأن ما يسمى برنامجاً هو خدعة ليس الا، غرضها التغطية على المحاصصة التي تتحكم في الحراك كله (بعد إرضاء السفارة واخذ موافقتها طبعا، فهي صاحبة حصة الأسد، ويتقاسم الباقون الباقي).

من ناحية أخرى لاحظوا أن المحكمة الدستورية بقرارها تعريف ” الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بأنها الكتلة التي تقدم نفسها بعد عد الأصوات واجراء التحالفات، قد قامت بتخريب النظام الطبيعي لترشيح الحكومة على مرحلتين، حيث تكلف الكتلة الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة فتذهب للتفاوض مع من تختار من الكتل، فصار بإمكان اية كتلة أن تسارع إلى التفاوض لتكون الكتلة الأكثر عدداً، ووجود عدد من الكتل التي تسعى الى ذلك في نفس الوقت سيجعل الأمر سباقاً من التنازلات وتوزيع الحصص واهمال تام لأي برنامج ممكن في المستقبل.

ومن نتائج ذلك أن التكالب على الوصول إلى الكتلة الأكثر عدداً تسبب في النهاية بالمسرحية الأخيرة، حيث صارت لدينا حكومة، دون ان يكون لدينا “كتلة اكثر عدداً”! ولا يعرف العراقي حتى اليوم من هي تلك الكتلة!

الملاحظة الثانية ناتجة من الأولى وهي السهولة العجيبة لمخالفة الدستور واحتقاره من جميع الكتل دون استثناء، واهمال المادة 76 تماما! ومع هذا الوضع العجيب لا ندري أين سيقف اهمال الدستور وما هو الانحدار القادم فيه وكيف يمكن في هذا الوضع إقامة أي حكم ديمقراطي بأي شكل من الاشكال!

 ما العمل؟

 مهما تكلمنا، فأن “العمل” لن يبدأ قبل ان يصبح الألم والخوف كافياً لدفع المواطن لبذل جهد تعلم العمل الديمقراطي. أن يدرك ان وضعه ووضع أولاده من بعده خطير، وان البلد سار خطوات كبيرة الى الوراء، وأن يقرر أن يبدأ بجد وتواضع في محاولة وقف التدهور أولا، والتعامل مع المشاكل واحدة واحدة، (أو التغيير بثورة، لكن هذا يصبح محتملا فقط بعد ان يكون هناك ادراك جيد لما يريده من الثورة، وما زال الطريق الى تلك الحالة طويلا جدا، وبدون معرفة الهدف جيدا فأن الثورات تخريب يسرع السقوط ليس إلا)

يجب على المواطن قبل كل شيء ان يميز الكلام الفارغ من الحقيقي. أن يطالب بأدلة وان يعتبر من واجبه ومسؤوليته ان يراقب ويحاسب. أن يتذكر أيضاً ان الإعلام عدو له، لأنه أداة بيد عدوه، وان يشكك كثيراً ويمحص وأن يغضب عندما يقوم احد بالكذب عليه، خاصة ان كان هذا هو الشخص الذي يفضله ويرشحه. ان يبحث عن المصادر الأكثر ثقة للأخبار والحقائق والتحليلات. أن يكون اكثر أمانة مع نفسه في البحث عن الحقيقة.

ثم عليه أن يبذل بعض الجهد لتعلم الفرق بين الاشتراكية والرأسمالية. بين الاقتصاد المخطط والحر. بين الاستقلال والخضوع للإرادة الأجنبية. هل الخصخصة في صالحه ام لا؟ هل الاستثمار ينفع البلد ام العكس؟ عليه ان يتعلم التعامل مع الساسة بلا ثقة، بضمنهم من ينتخبه، لان الثقة ليست سوى حجة للتخلي عن دور المواطن بالرقابة.

 

لكن قبل ذلك وأهم من كل شيء آخر، يجب وقف احتقار الدستور بأي شكل من الأشكال، مهما كان الدستور قاصراً، لأن الضياع بدونه لا تعرف له حدود أو اتجاهات. يجب تحديد الاخطار الأشد ومحاولة تحديد كيفية ازالتها واستئصالها. يجب السعي لتمييز العدو من الصديق. يجب ان ندرك بأن تلك مهمة ليست سهلة، ففي عصر التضليل هذا ومع اعلام معاد، يتطلب ذلك بذل الكثير من الجهد، وكذلك تحديد الاخطار وتسلسل اهميتها. ولعل أول وأكبر تلك الأخطار، حالة التبعية لدولة تحدد سياستها، دولة أخرى تستهدف تدمير البلد علناً، وتستخدم كل ما يتاح لها من وسائل وإمكانات، بما في ذلك الإعلام الذي يتجه إلى خلق عدو وهمي لإلهاء الشعب عن العدو الحقيقي. إن كل خطوة تبني البلد أو تزيد من استقلال القرار، ولو بشكل بسيط، هي انجاز كبير ويستحق ان يخطط لتحقيقه والاحتفال بالوصول اليه. ومن بين اهم اساسيات استقلال القرار، معرفة كيف تدار الدولة في الديمقراطية ووعي دور المواطن فيها، واتخاذ صورتها المثالية هدفاً يتم الاسترشاد به والعمل على الاقتراب منه قدر الإمكان.

2018-12-14