واشنطن.. الخروج من الباب والدخول عبر الشباك!

عادل الجبوري

   ما إن يهدأ وينحسر قليلاً الجدل والسجال حول التواجد العسكري الأميركي في العراق، حتى تقدم واشنطن على خطوة استفزازية جديدة، لتعود أجواء الجدل والسجال الى التصعيد مجدداً.    

   آخر ما أقدمت عليه الادارة الأميركية في هذا الصدد، هو إنشاء قاعدة عسكرية جديدة على الحدود العراقية – السورية، وتحديداً في ناحية الرمانة التابعة لقضاء القائم بمحافظة الأنبار.

   وقد سعت واشنطن الى تنفيذ تلك الخطوة بهدوء وبعيداً عن الضجيج الاعلامي، لأنها تدرك طبيعة وحجم ردود الأفعال العراقية الرافضة لذلك، في ذات الوقت الذي ربما لم تدرك فيه أنه لم يعد بالإمكان التعتيم على خطوات واجراءات خطيرة من هذا القبيل.   

   إن الخطوة الأميركية الجديدة تؤشر بوضوح الى أن صناع القرار الأميركي، مصرون على استمرار التواجد العسكري لقوات بلادهم في العراق، وهو ما يعزز تصريحات عديدة صدرت من أفواه ساسة وعسكريين أميركيين كبار خلال البضعة شهور الماضية، أي خلال الفترة التي أعقبت إعلان النصر النهائي والشامل على تنظيم “داعش” الارهابي في التاسع من شهر كانون الاول – ديسمبر 2017.

   ولعل ما ينبغي الالتفات اليه، هو أن الأجندات والمشاريع الأميركية للبقاء في العراق لا تنفصل عن عموم الأجندات والمشاريع المراد منها اعادة رسم خرائط المنطقة، بما يضمن مصالح واشنطن، ويقوي مواقع حلفائها واتباعها، ويضعف خصومها وأعداءها.

   ولا ينبغي النظر الى الإصرار على استمرار التواجد العسكري الأميركي في العراق، أو توسيعه، في أطره الضيقة، بل لا بد أن ينظر اليه ضمن الرؤية الشاملة لمجريات الوقائع والأحداث في المنطقة، وعلى مساحة زمنية واسعة.      

   ومثلما أكدت لجنة الأمن والدفاع البرلمانية العراقية في بيان لها، بأن التواجد العسكري الاميركي، يعد انتهاكا لسيادة البلاد واستقلالها، وأنه ينبغي وضع جدول زمني لخروج كافة القوات الأجنبية من قبل الحكومة، وبالتالي فإن ذلك يستلزم بلورة رؤى ومواقف قوية وحازمة وحاسمة، تعبر عن المصالح الوطنية، بعيداً عن الحسابات الحزبية والسياسية الضيقة.

   ومن الضروري بمكان أن تكون تلك الرؤى والمواقف مستندة الى جوهر وطبيعة التحديات والمخاطر التي تواجهها البلاد، وكذلك تلك التي تواجهها الأطراف الاقليمية القريبة.

   ومن المفترض أنه حينما يطرح موضوع التواجد العسكري الأجنبي – الأميركي وحتى غير الأميركي في العراق، التعمقُ في تشخيص وتحليل الأهداف والدوافع المعلنة منها وغير المعلنة. فهناك مساعٍ ومخططات أميركية لتفكيك وانهاء الحشد الشعبي، واضعاف جبهة المقاومة، ومحاصرة الجمهورية الاسلامية الايرانية، وتقسيم عدد من دول المنطقة الى دويلات وكانتونات على أساس عرقي وقومي وعنصري وطائفي، وفرض العقوبات الاقتصادية على الجمهورية الاسلامية الايرانية، وتمكين الجماعات الارهابية كتنظيم “القاعدة” ومن ثم “داعش”، في بعض البلدان، وافتعال الأزمات الداخلية في سوريا واليمن والعراق وغيرها، ودعم الأنظمة والحكومات الاستبدادية ومساعدتها في قمع معارضيها، كلها دلائل ومؤشرات واضحة على حقيقة ما يحاك من مشاريع ومخططات ضد المنطقة.

   ولا شك أن كل ذلك يتطلب إنفاق أموال طائلة، وتشير وكالة “سبوتنيك” الروسية في تقرير لها نشرته مؤخراً الى “أن ما أنفقته الولايات المتحدة الأميركية طوال سبعة عشر عاماً من حروبها الدموية في العراق وافغانستان وسوريا سيصل الى ستة ترليونات دولار نهاية عام 2019 وهو ما يكفي برنامج مكافحة الجوع التابع للامم المتحدة لمدة مائتي عام، بواقع ثلاثين مليار دولار سنويا”! .

   وتنقل الوكالة المذكورة عن الخبير في شؤون الدفاع والفضاء والاستخبارات الاميركية جون بايك قوله “إن الرقم الاجمالي مقسما على ثمانية عشر عاما، يعني ان كمية الإنفاق العسكري الأميركي سنويا تبلغ 325 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي نصف ميزانية وزارة الدفاع الاميركية، والتي اخذت تتضاعف سنويا منذ أحداث الحادي عشر من ايلول-سبتمبر  2001”.

   ويخطئ من يتصور أن كل تلك الانفاقات المالية الهائلة، تأتي من الموارد الاميركية الخاصة ومن دافعي الضرائب الاميركيين، بل ان مصدرها الحقيقي يتمثل بخزائن دول البترو – دولار المهادنة والخاضعة لواشنطن، والأخيرة تستحصل عليها عبر اثارتها للحروب والنزاعات والصراعات، التي تتيح لها تسويق مختلف أنواع ترساناتها من الأسلحة، وانشاء القواعد العسكرية، وتوسيع نشاطاتها الاستخباراتية، ومن ثم التحكم الكامل بأنظمة تلك الدول وحكوماتها واقتصادياتها واعلامها وأجهزتها الاستخباراتية ومراكزها العلمية. ومن يدقق في حجم صفقات الأسلحة الغربية المصدرة الى دول الخليج العربية، وأبواب استخدام تلك الأسلحة، سيكتشف مدى الخداع والتضليل الاميركي، والشعارات والادعاءات الكاذبة التي يطلقها الغرب من خلال منابره السياسية ووسائل اعلامه ونخبه ومحافله الفكرية والثقافية.

  يعرف الكثير من الأوساط والمحافل السياسية الأميركية أن الكثير من الأسلحة المصدرة تستخدم في القتل والتدمير والتخريب، بيد أن البعض يلوذ بالصمت، والبعض الآخر يرفع صوته ويرفض، إما في سياق الصراع والتنافس السياسي الداخلي، أو ادراكا منه للتبعات والآثار الكارثية التي يمكن أن تفضي اليها مثل تلك السياسات الخاطئة. فهذا السيناتور راند بول، يعلن بوضوح انه سيعارض من داخل الكونجرس الأميركي أي مبيعات للأسلحة إلى البحرين بسبب مشاركتها في الحرب ضد اليمن، باعتبارها – أي البحرين – جزءا من التحالف الذي تقوده السعودية منذ حوالي أربعة أعوام.

  وهناك أعضاء آخرون في الكونغرس وجهوا انتقادات حادة ولاذعة لمواقف الرئيس دونالد ترامب الانتهازية المهادنة للرياض، حتى بعد اتضاح تورطها بمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بمقر القنصلية السعودية في مدينة اسطنبول التركية مطلع شهر تشرين الاول-اكتوبر الماضي.

   وقبل ذلك لم تتخذ واشنطن موقفا ايجابيا، وهي ترى بأم عينيها السعودية ترسل مختلف ادوات ووسائل الموت والقتل والدمار الى العراق طيلة أعوام متواصلة، في الوقت الذي لم تتوقف فيه عن تكرار ادعاءاتها بمواجهة الارهاب، والسعي لترسيخ العملية السياسية الديمقراطية والمحافظة عليها في هذا البلد، بينما واقع الحال بكل معطياته يؤكد خلاف ذلك تماما.

   ولم يعد هناك من يجهل حقيقة أن استمرار التواجد العسكري الأميركي على الأراضي العراقية، والمحاولات المتواصلة لتوسيع مدياته، يستهدف الحشد الشعبي أكثر مما يستهدف عصابات “داعش” الاجرامية، واستهداف الحشد يعني، في ما يعنيه، استهداف محور المقاومة بعنوانه الأوسع والأشمل والأكبر.