السترات الصفراء وعلم “داعش” الأسود 

محمد محمود مرتضى
تشهد فرنسا منذ أسابيع حالة من الاستنفار الأمني على وقع سلسلة احتجاجات شعبية عارمة على خلفية الزيادة في أسعار الوقود والضرائب وغلاء المعيشة ينظمها أصحاب السترات الصفراء. وتعتبر هذه الاحتجاجات هي الأكبر منذ تولي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سدة الحكم في الرابع عشر من شهر أيار مايو 2017.
يبدي الرئيس الفرنسي وحكومته شيئاً من التناقض في التعامل مع المحتجين، في وقت تشهد فيه بعض البلدان الأوروبية الأخرى كبلجيكا تأثرا بشكل واضح بالاحتجاجات، فيما تتخوف الحكومة الفرنسية من خروج الاحتجاجات عن السيطرة، حيث تصاعدت إلى أعمال عنف وشغب ومواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الشرطة، وطالب المحتجون برحيل ماكرون وحكومته.
وفي ظل هذه الأزمة الاجتماعية الكبيرة التي تعيشها فرنسا يمكن طرح عدد من الإشكاليات التالية:
– ما هي أسباب الاحتجاجات الفرنسية؟ كيف ستتعامل الحكومة الفرنسية مع الاحتجاجات الاجتماعية الراهنة؟ وكيف سيؤثر ذلك على مستقبل الرئيس الفرنسي؟
– كيف ستستغل أحزاب اليمين المتطرف الفرنسية الوضع الراهن لتمرير سياساتها؟
يرجح محللون دوليون متابعون للشأن الفرنسي أن الاحتجاجات ليست وليدة اللحظة بل لها تراكمات سابقة، فحالة الاحتقان الشعبي الراهنة في فرنسا للسياسات الاقتصادية الرأسمالية السابقة خلقت فجوة كبيرة بين الأثرياء البرجوازيين الذين يتهربون من دفع الضرائب وبين الفقراء الذي يُجبرون على دفع الضرائب. دون أن ننسى العامل الخارجي في ما يحدث في فرنسا من خلال دور دونالد ترامب الدولي في قيادة تحالف يميني عالمي يشمل اسبانيا والبرازيل، وإيطاليا، وألمانيا، ضد السياسات الوطنية، ولطالما سخر من ماكرون على مواقع التواصل الاجتماعي حين انخفضت شعبيته.
فضلا عن ذلك ومع ضبابية المشهد الاحتجاجي الراهن في فرنسا حول حقيقة ما يحصل لا يمكن تأكيد أو نفي التدخلات الخارجية بشكل واضح، ولكن الأكيد ان التدخلات الخارجية تستفيد من الاحتجاجات وأعمال الشغب والفوضى أسوة بما حصل في ما يسمى بالثورات العربية أو حتى الثورات الملونة. ويتساءل البعض: هل بدأ ترامب ثورة ملونة في فرنسا؟ حيث يشير هؤلاء الى ان الاحتجاجات الفرنسية استخدمت فيها رموز وعلامات الثورة الملونة كلون السترات، الحفاظ على الحشود لفترة طويلة، شبان يلبسون أقنعة سوداء يخربون ويهاجمون الشرطة، رفع هتافات تدعو لتغيير السلطة.
الى الآن تسير الاحتجاجات الفرنسية في وتيرة متصاعدة نحو مزيد من أعمال الشغب والتخريب في ظل تجاهل الحكومة لمطالب المحتجين، وهذا له تداعيات عكسية على أمن فرنسا والبدان الأوروبية المجاورة، فالمخاوف الآن تتركز في كيفية حصر هذه الاحتجاجات والتخفيف منها حتى لا تنتقل الى مدن فرنسية أخرى والبلدان الأوروبية المجاورة ضمن ما يعرف نظريا بـ “عامل الانتشار”، وبلجيكا أبرز المتأثرين بهذه الحركة الاحتجاجية.
لا شك أن الاحتجاجات ستترك آثاراً على مستقبل ماكرون السياسي على اعتبار أن مطالب المحتجين في تحسين الظروف المعيشية والتخلي عن سياسات التقشف الاقتصادية هي مطالب محقة. ومن المتوقع أن يستغل اليمين المتطرف الذي يتمتع بشعبية لا بأس بها في فرنسا بقيادة مارين لوبان، الوضع، ويدعو أنصاره لتكثيف التظاهرات ضد سياسات ماكرون الفاشلة التي أدخلت فرنسا في أزمة اجتماعية، وربما يدعوه صراحة للتنحي عن السلطة، وتنتقل عدوى كل ذلك، اذا نجح في فرنسا، الى الدول الأوروبية الأخرى حيث تتمتع أحزاب اليمين المتطرف بشعبية كاسبانيا وإيطاليا وغيرهما.
في ظل أزمة الاحتجاجات والفوضى تجد التنظيمات الإرهابية ذلك فرصة لارتكاب اعمال إرهابية عبر خلاياها النائمة في أوروبا. وحسب ما ذكرت صحفية “ذا صن” البريطانية فإن تنظيم “داعش” أعطى أوامر لمجموعتين متشددتين تابعتين له في أوروبا باستغلال الاحتجاجات الفرنسية، حيث نشرت ملصقات في الشوارع مكتوب عليها “يا ايتها الذئاب المنفردة استغلوا الاحتجاجات في فرنسا” لاستهداف المدنيين. ولم تمض أيام حتى وقع هجوم ستراسبورغ.
الاحتجاجات الفرنسية الراهنة لها أبعاد داخلية تعود للسياسة الاقتصادية الفرنسية التي تضرر منها المواطن الفرنسي وزادت من تدهور أوضاعه الاجتماعية، كما أن لها أبعاداً خارجية سيستثمرها خصوم فرنسا في تصفية حساباتهم السياسية، سواء الولايات المتحدة الامريكية أو غيرها، بل وحتى التنظيمات الإرهابية في ارتكاب عمليات إرهابية. وهذا ما يحتم على الحكومة الفرنسية، كما يقول البعض، المسارعة لأخذ تدابير استثنائية لاحتواء أزمة الاحتجاجات قبل اتساعها وخروجها عن السيطرة، عندها سيكون أمن فرنسا وكامل أوروبا مهددا بشكل حقيقي، وستضيع السترات الصفراء مع علم “داعش” الأسود.