العنف حتمي في الثورتين
فرنسا … كي لا تُقلِّد مصر
د. عادل سمارة

العنف حتمية للدينامية التاريخية، بل قابلة التاريخ لأجل ولادة معافاة، وإذا لم تفرزه الثورة تتلقفه الثورة المضادة، هذا معنى ان التاريخ سجل حي حيوي للصراع الطبقي. لذا قال ماو تسي تونغ:
“الحقيقة الوحيدة هي أن تثور”، و ” تجرَّأ على النصر” و “كل شيء تحت السماء في فوضى عارمة؛ الوضع ممتاز”.

اي ان العنف لا بد منه. ولذا، فإن الإعلام البرجوازي وخاصة العربي ومنه من يزعم أنه إعلام مقاومة هو إعلام مضاد للثورة طالما يركز على ما يسميه “الاحتجاج الحضاري” من فرنسيين ويهاجم ما يسمه العنف! لأنه يفهم العنف كتخريب محض!

دائماً كان على الفقراء اعتناق العنف الثوري في لحظات الثورة وهي قصيرة ومكثَّفة ولأنها الرد على عنف الثورة المضادة الممتد وإن تدريجياً في بعض الحالات. فكل نظام طبقي قائم على العنف.

فالثورة الصناعية التي قادتها الطبقة البرجوازية في اوروبا الغربية بدءا من بريطانيا ولاحقا في المستوطنات الرأسمالية البيضاء لم تكن إلا العنف مهما لبس قفازات، سواء بالاستغلال، أو منع الإضرابات أو اضطهاد المرأة، أو تصدير العنف ضد شعوب المستعمرات وحتى تصدير قوة العمل التي تحل الآلة محلها إلى المستعمرات كعمال أو كجنود للقمع. ولم يتوقف هذا العنف حتى اليوم.

ولا يخرج ما يجري في فرنسا الآن عن هذه القاعدة بل إن فرنسا تمثل الاتحاد الأوروبي، بمعنى اتحاد الأغنياء أي تحالف أصحاب الشركتين:
· شركة الدولة/السلطة والتي هي
· في خدمة الشركات ، شركات الأعمال الكبرى بتنوعاتها.

ما يجري هو نتيجة تفاقم أزمة 2007-2008 حيث يميل معدل الربح إلى الهبوط، وحيث تحولت تركيا إلى صالة عمل للشركات الأوروبية مما زاد البطالة في أوروبا الغربية وتدهورت شروط حياة الطبقات الشعبية التي دائماً تطالب بربط الأجور بالأسعار ولو نسبياً ولم يحصل.

مع صعود الصين كصالة عمل معولمة توفر فرص ربح أعلى للشركات الغربية وخاصة الأمريكية، والشرط ينطبق على الهند وبنجلاديش وإندونيسيا وغيرها، كان لا بد لشركات الأعمال الفرنسية أن تحافظ على معدل الربح الخاص بها. وكان لا بد للتحالف الطبقي بين الشركتين في فرنسا: السلطة وشركات الأعمال من بزل أعلى نسبة ممكنة من الضرائب لإسعاف شركات الأعمال الأمر الذي لم يحتمله الشارع. وهنا تقع الطبقات الشعبية تحت عنفين:
· عنف الاستغلال وبزل أعلى قيمة زائدة نسبية
· وعنف دفع ضرائب جديدة.

ويبدو أن هذا قد يمتد إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. أما امريكا فتشن حربا اقتصادية تامة ضد الصين وخاصة على المستوى التكنولوجي.

أضف إلى هذا أن البطالة المتزايدة يتم ردفها “لا شرعياً” بموجات المهاجرين من المحيط إلى المركز وذلك نتيجة لِ:
· الاستعمار الغربي نفسه تاريخيا
· دعم الإمبريالية لأنظمة حكم مشروعها هو التخلف بما هي طبقات راسمالية كمبرادورية وطفيلية
· رفض المركز وبقوة لأية سياسة حمائية في اي بلد من المحيط، فما بالك بفك الارتباط.

وكملاحظة على هامش كل هذا، ننتظر تجليات وتأثير ما يحصل في فرنسا وربما بلجيكا وغيرها على أوروبا الشرقية التي ضحت بالنظم الاشتراكية في حلم الرغد الرأسمالي فإذا بها مخزونا ليد عاملة رخيصة وفراشات الليل وسوقا لتصريف منتجات الغرب وخاصة بعد أن دمرت وباعت وفككت قاعدتها الصناعية!

لذا، هل العنف الذي يدور في شوارع باريس أمر مستهجن؟ بالطبع لا، بل يجب أن يكون أشد كي يتم الحمل بمولود جديد بدل أن يكون ما يجري مثابة اعتراض حزين طارىء ربما يبتلعه خطا ماكرون المتوقع. وهذا يجعل وجوب العنف مبرراً بغض النظر عن مآل الحراك.

وفي هذا السياق يحضر دور الصراع الإيديولوجي. فالبرجوازية والطابور السادس
الثقافي، كمثقف عضوي لها، ينظر إلى ما يجري على أنه تدهور أوروبا الغربية أو عودتها إلى فاشية ما ولذا يتم التنظير ضد القومية في عمل حثيث بموازاتها بالفاشية.
وهنا يكون السؤال: أيهما الأخطر:
الفاشية الإقتصادية التي تمارسها الشركتان الحاكمة والمالكة
أم لجوء الطبقات الشعبية في هذا البلد أو ذاك إلى الدفاع الذاتي عن حقوقها ومكتسباتها التي تتآكل تحت ضربات إتحاد البرجوازيات الأوروبية. هذا مع العلم أن هذا الاتحاد هو طبقات ايضا، تقوده ألمانيا، وفي إثرها فرنسا ومن ثم إلى ما دون!

في محاولات السلطة الفرنسية الرد على الهجوم التجاري والإبتزازي الأمريكي أو سياسة الحماية الأمريكية ضد الجميع، رفعت هذه السلطة شعارين متناقضين:
· الأول، مثابة غطاء، وهو تشكيل قوة أوروبية بعيدا عن أمريكا
· والثاني، فعلي ومؤلم ابتزاز الطبقات الشعبية داخلياً

إن قراءة لهذا تبين أن البرجوازية الفرنسية كما هي في كل أوروبا الغربية لم تتخلص من جشعها الإمبريالي، رغم عدم توفر القوة المطلوبة لذلك، وهذا ما دفعها للانطواء تحت جناح أمريكا. هذا من جهة، ومن جهة ثانية لم تتخلى عن فزاعة السيطرة الروسية سواء ايام السوفييت أو اليوم. وهذا يطرح السؤال: أين تقع مصالح أوروبا الغربية بعد تهالك مشروعها الإمبريالي. هل هو في التبعية لأمريكا أم مهادنة روسيا التي لم تعد شيوعية.

وهذا يفتح أوسع على مسألتين: موقف امريكا وموقف الصين؟

تُجيز سلطة ترامبو لنفسها إعلان أن جوهر سياستها الاقتصادية هي الحمائية، وسياستها الاجتماعية الطبقية هي الشعبوية بمضمونها العنصري لا القومي، لكنها لا تجيز ذلك لأوروبا. وهذا أحد أوجه الأزمة ما بين الطرفين، اللذين في حقيقة الأمر يجمعهما الحلف العدواني أي الناتو وليس انسجام المصالح الاقتصادية.
كما تشكل الصين قوة ضغط على أوروبا وأمريكا بمعنى إغراق العالم بسلع رخيصة تأكل الكثير من هامش ربح الشركات الغربية ، طبعا الأوروبية أيضا، ولكن اوروبا لا تزال متخوفة من تبني سياسات حمائية كأمريكا.

الأمر المضحك على هامش ما يحدث في فرنسا أن الرئيس التركي يزايد على اوروبا في الديمقراطية؟

وماذا عن مصر؟

لم يكن مفاجئاً لي حينما انقضَّت الثورة المضاة على الحراك في بعض الأقطار العربية فحملت سفاحا إسم “الربيع العربي”، ذلك لأنني كنت أرى أن الثورة المضادة موجودة وفاعلة في الوطن العربي ولم ينقصها حينها سوى الانقضاض على الحراك كي لا يصبح ثورة. لذا اسميت كتابي “ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة 2012”. وهكذا كان.

فالحراك في مصر كان حراك شتات مجتمع، شتات شارع بغض النظر عن العدد، أي شتات لا-طبقي وشتات قوى، ولذا كتبت حينها بأن غياب العنف يعني أنها ليست ثورة حقيقية. هذا ما خلَّفه عهدَا السادات ومبارك. ولأن كل هذا شتات، كان سهلاً على وزيرة خارجية الولايات المتحدة في حينه هيلاري كلينتون أن تدخل كالمليكة إلى ساحة التحرير وتُلقي في جموع الشتات خطاباً وهي تمثل الثورة المضادة بكل معنى. وكان سهلاً على القرضاوي أن يؤمَّ في الناس نفسها، الأمر الذي أكد الدور القيادي، وإن غير معلناً، لتحالف الثورة المضادة بين ثلاثي: العسكر كامتداد لقيادة مبارك ولرأس المال الطفيلي والكمبرادوري، والإمبريالية الأمريكية والدين السياسي، فكانت ثورة مضادة مكتملة، جموعها من الفقراء والطبقة الوسطى كما يحلو للحداثيين تسميتها بينما لجامها بيد الثورة المضادة. وهو التحالف الذي سلًم اللجام لجماعة الإخوان المسلمين الذين كرَّسوا مقتصيات الثورة المضادة سواء ب:
· التأكيد على العلاقة بالولايات المتحدة
· التاكيد على الاعتراف بالكيان الصهيوني
· محاولة أخونة/وهبنة المجتمع تحت غطاء الشكلانية الديمقراطية

وهذا وضع الثورة المضادة بقيادة الولايات المتحدة في وضع الاختيار بين أداتين:
· الأداة الإخوانية الفاشلة في قيادة البلد
· وأداة العسكر الخبيرة في ذلك

وكان الاختيار بدعم العسكر.

وهنا، كان خلاف المثقفين والتقدميين العرب، هل كان العسكر بقيادة السيسي انقلاباً؟
لقد كانت لعبة الديمقراطية بشكل تام. تجنيد جموع يناير جميعها لإسقاط حكم الإخوان، والذي لم نبكِ عليه.

المهم أنه في فترتي الإخوان والسيسي مورس عنف الثورة المضادة، طالما الثورة لم تمارس عنفها منذ البداية.
‎2018-‎12-‎12
عن نشرة كنعان