فقدان رشاشات العدو على الحدود.. في التحليل العسكري
شارل ابي نادر
في الوقت الذي ما زالت تداعيات عملية “درع الشمال” حسب ما أسماها العدو الاسرائيلي، تشغل الرأي العام المحلي والخارجي، وما قابلها من صدمة وذهول لدى هذا العدو بسبب الصمت والغموض “القاتلين” من قبل حزب الله، جاء خبر فقدان وحدات عدوة على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة لرشاشين متوسطين من نوع ماغ، ليُعَقّد ويزيد من تلك التداعيات على العدو، لما لذلك من ارتباط، يتجاوز الميداني والأمني الى الاستراتيجي.

هذه الحادثة اللافتة، ربما كانت عادية وهي تحدث إجمالا في الوحدات العسكرية، حيث قد تكون داخلية من أعمال قسم الأمن العسكري أو المخابرات الداخلية، بهدف التصويب أو “التمريك” على تهاون وعدم جدية عناصر الحراسة المكلفين بادارة أو بحراسة الرشاشات، أو ربما تحدث لأسباب نفسية أو عصبية ظهرت فجأة عند أحد عناصر الحراسة، جعلته يخفي أو يسرق الرشاشين، أو ربما لسبب آخر داخلي لا يرتبط بأي عامل خارج مهمات الوحدات العدوة على الحدود، ولكن..
خطورة الحادثة وحساسيتها ستكون مؤثرة ولها دلالات استثنائية فيما لو كانت، أولا: عبارة عن فخ اسرائيلي تم تركيبه والادعاء باستيلاء حزب الله على الرشاشين، وهذا له مؤشراته، أو فيما لو كانت ثانيا: نتيجة تسلل عنصر أو أكثر من حزب الله ما وراء الحدود، وسحب الرشاشين ونقلها الى الاراضي اللبنانية. وفي كلا الحالتين، يمكن استنتناج ما يلي:
أولاً:
إذا كانت تركيبة إسرائيلية بهدف “الايقاع” بحزب الله واستخدام الموضوع لتثبيت قصة الأنفاق المزعومة، واعطائها صورة ما هو مؤثر منها بشكل سلبي على لبنان، كاختراق للقرار 1701 وما يسمى السيادة “الاسرائيلية” على الاراضي المحتلة في فلسطين، وبالتالي إيجاد الذريعة للعدوان ومهاجمة لبنان وحزب الله، فهذه التركيبة لن تكون عمليا مؤثرة بشكل أساسي، أكثر من أي اعتداء أو استدراج آخر، ولن تكون مختلفة في المضمون والنتائج عن أي ذريعة أخرى بامكان العدو خلقها، دون الدخول بتركيبة فقدان الرشاشات بهذه الطريقة المهينة لجيشه، معنويا ومهنيا.
ثانياً:
اذا كان فقدان الرشاشين قد حدث نتيجة تسلل عنصر أو أكثر من حزب الله ما وراء الحدود وسحب الرشاشين ونقلها الى الداخل اللبناني، وهذا مرجح بنسبة غير بسيطة، فهذا الموضوع له الدلالات التالية:
– لو حدث التسلل عبرالانفاق التي تربط الأراضي اللبنانية بالمحتلة في فلسطين ، فهذا يعني أن هذه الانفاق هي حقيقة واقعة وبكثافة، ومنها الطويلة للدخول والتوغل في عمق الجليل بين المستوطنات أكبر قدر ممكن، أو القصيرة والمتشعبة بشكل واسع، والممتدة بمواجهة أغلب المواقع والمراكز العدوة الحدودية، والهادفة لتجاوز الشريط الشائك الفاصل فقط، وهذا الموضوع له دلالاته الميدانية الخطرة على العدو، والتي تعطي انطباعاً واضحاً بأن المعركة القادمة فيما لو حدث عدوان اسرائيلي على لبنان، سيكون مسرحها كامل الاراضي المحتلة الممتدة على الحدود، وستكون عبارة عن اشتباك ومواجهة مباشرة بين وحدات النخبة في حزب الله والوحدات العدوة من قوات برية وحرس الحدود، وهنا من المؤكد أن العدو يملك فكرة تقريبية عن نتيجة هذه المواجهة المفترضة، مع عناصر حزب الله الذين خبروا لسنوات قتال ومواجهة التكفيريين الذين يتفوقون بالشراسة والعنف عن الوحدات الاسرائيلية بدرجات.
– لو حدث التسلل من دون الانفاق، طبعا لن يكون من الجو – الا اذا تخيل الاسرائيليون ذلك – أي عبر تجاوز الشريط الشائك الفاصل والحواجز الهندسية الحدودية وكاميرات المراقبة وأجهزة التجسس الاتوماتيكية وعناصر وابراج الحراسة المتسلسلة، فهذا سيكون وقعه أكثر صدماً وتاثيراً على العدو من استعمال الانفاق، وسيكون مؤشراً لقدرة حزب الله الغريبة على الدخول وتجاوز الحدود بهذه الطريقة المحترفة وسحب رشاشين، كسلاح متوسط وليس فردي، من المفترض أن تكون منقولة أو محمية من حظيرة بحدود عشرة عناصر تقريباً، وهذا طبعا يتواكب مع قدرة صادمة على مراقبة حركة الدوريات والعناصر الثابتة واختيار اللحظة الحاسمة والنادرة حيث الآليات دون عناصرها للاقتراب وانتزاع الرشاشات منها.
في أي من الحالتين، أي سحب الرشاشين عبر الانفاق أو من دونها، لا شك أن هذا مؤشر جد خطر وحساس على العدو، ويمكن أن يعطي الدلالات التالية:
– بالرغم من الاجراءات الواسعة التي يقوم بها العدو لحماية حدود المناطق المحتلة في فلسطين، فإن حزب الله يملك القدرة وبأكثر من وسيلة، على تجاوز هذه الاجراءات ساعة يريد، وهو قادر على تنفيذ التهديد الذي يريده وساعة يشاء، كما وأنه قادر على تحويل أي اعتداء أو تهديد على لبنان أو على قواته الى فرصة خطرة على العدو.
– معادلة الردع التي عمل عليها حزب الله بمواجهة العدو، لا تقوم فقط على الأسلحة النوعية الاستراتيجية التي يمتلكها، والتي تحقق توازن الرعب في أية مواجهة أو اعتداء، بل تقوم على قدرات فردية ومميزة تمتلكها وحداته الخاصة وعناصر النخبة لديه، وتقوم أيضا على ابداع في التخطيط والتنفيذ لمناورات غريبة، تبتكرها وحداته وكوادره في الميدان وعند المواجهة.
‎2018-‎12-‎12