“الصداع وهدايا خلفان”

بقلم بكر السباتين

قصة قصيرة

نعم، كان يتساءل لماذا ينفض الأصدقاء من حوله رغم إغداقهم بالهدايا ا!

كانت هداياه متميزة وثمينة.. وكان شديد الإيمان بمقولة “أطعم الفم تستحي العين” فكيف لا وهو الثري الذي يعتبر نفسه مركز الكون فتطارده عيون الحاسدين.. وقد منح نفسه الحق في مراقبة حتى أقرب الناس إليه “يطمعون بثروتي ويتربصون بي” إحساس ظل يداهمه حتى في علاقته مع الأصدقاء.. وكان كثير التباهي بنفسه إلى درجة الغرور.

إنه ذاته (خلفان) الذي اشتهر بين أصدقائه بحاسته السادسة، حتى بدا لهم كأنه عرافة تقرأ الفنجان وتكشف المستور.. فلا عجب في سياق ذلك ألا يكتشف أحدً سره الباتع “هذه موهبة وفضل من الله عليه”.

اعتاد خلفان تقديم الهدايا إلى أصدقائه وخاصة عملائه في السوق أو رفاقه في الحزب والمؤسسات الثقافية، وهي عبارة عن أجهزة هواتف خلوية ذكية وحواسيب محمولة حديثة (لابتوب). والجميل أن هذه الأجهزة تكون معدة مسبقاً ومزودة بالبرامج الأساسية التي تظهر أيقوناتها على سطح المكتب.. ولولا عناية الله التي جعلت أحد هؤلاء الأصدقاء يذهب بهدية خلفان (هاتف نقال من نوع آيفون) إلى مركز صيانة الأجهزة الخلوية؛ لما اكتشف بأن هذا الجهاز كان مخترقاً.. فاستشاط غضباً:

“كيف حدث ذلك!! هذه خيانة ونهب لأسراري!”.

حيث تبين له من خلال نتائج فحص الجهاز بأنه قد زود ببرنامج (تطبيق) تجسس سري لا تظهر أيقونته على الشاشة، ما يعني بأن خصوصياته باتت منهوبة، وليس مستبعداً أن تكون قد تسربت إلى خلفان!!

وتساءل في سره والجمر يتقلب في حشاياه، متخيلاً حياته الخاصة كأنها سيجارٌ محشوٌّ بأسراره الشخصية، وملقومٌ في فم خلفان وهو يراقبها فتبدو له كراقصة من دخان متصاعد:

“أيعقل ذلك!

خلفان الذي اشتهر بيننا بحدسه اللافت يعتمد في ذلك على هذه التقنيات المتقدمة؛ كم هو مريض نفسياً هذا الخلفان حينما يلوك أسرارنا في مجالسه أو يشبع شهواته باختلاس النظر إلى تفاصيلها المحرمة.. أيعقل ذلك!

كيف إذن تصل هذه العين السرية غير المروضة إلى جهازي الصغير.. ثمة يد عابثة ما لبثت تتجول من خلال هذا الجهاز في تفاصيل بيتي وسأقطع دابرها في حينه!”.

أكلت الحيرة رأسه، فما كان عليه لقطع الشك باليقين إلا أن يسرّ بالأمر لصديق مشترك بينهما، ممن تلقوا مثل هذه الهدايا من قبل؛ ليكتشفا معاً آخر المطاف سرّ خيبتهما أمام ذلك الحدس المذهل الذي كان يتمتع به صديقهما “الوغد” خلفان!! مجرد برنامج تجسس يزود به هداياه الثمينة، وهي لا تظهر على سطح المكتب، وبوسعه من خلال ذلك السيطرة على عدسة التصوير والتلصص على أدق تفاصيل حياة أصدقائه: “كم كنّا مغفلون”.

قالا ذلك والغضب يعربد في رأسيهما. صحيح أنهما انفعلا وهددا متوعديْن، ثم حطما كل هدايا خلفان؛ لكنهما أيضاً تسترا على خيبتهما، وقررا أن يكتفيا بما فعلاه بذريعة أن بعض الظن إثم.. وفي الحقيقة أن كبرياءهما هو الذي منعهما من مواجهة “النذل” خلفان .

إلى هنا وينتهي الأمر بالنسبة لهما.. ولكن بعد مضيِّ عدة أشهر على هذه الحادثة المشينة، كان خلفان يعيش حالة من القلق إزاء انفضاض صحبه من حوله “يجب أن أفهم سر ذلك!”. لم يحصل خلفان على إجابة شافية بعدْ وهو يتساءل:” ما الذي جرى وأصدقائي يبتعدون عني رغم ما أقدمه لهم من هدايا!! هذا جحود وحسد قاتل لأهله”.

ثم تساءل بانتباه:

“هل تطبيقات التجسس هي السبب! ستكون كارثة لو كان الأمر كذلك”

ويبدو أنه لم يدرك بعد فحوى الرسالة متمتماً في سره وهو يتنفس الصعداء مهدئاً من فرائصه المرتعدة:” مجرد هواجس فلو حدث ذلك لعاتبوني على الأقل!!”

وبغتة اجتاحته حومة الشك فانتفخت أوداجه فجأة حتى أوشك على الاختناق.. كانت الكلمات تتعثر في حلقه فيقذفها كالرذاذ بطرف لسانه المتلعثم، ثم يبلع ريقه وعينيه متقلبتين خيفة.. تساءل:

” ولكن كيف يحدث أن تتعطل تطبيقات التجسس المغروسة في أجهزة الأصدقاء بعد مجافاتهم لي على الفور؟”

الصداع يأكل رأسك يا خلفان ولن تهجع ناره.

2018-12-10