ماكرون ومستقبل العرب!
إيهاب شوقي*
الصعود السريع للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بفرنسا وقفزه المظلي على الساحة السياسية، فتح أبواب التحليلات المستندة على المؤامرة، ولا سيما بعد تدرجه السريع وعمله ببنك روتشيلد، وبزوغ حركة مساندة له قوامها صغار السن، ومن كافة الأطياف وممثلة باليمين واليسار والجامع الوحيد بينهم هو احترام العولمة ورفض النزعة السيادية السلطوية.

ورغم أن للمؤامرة دوما وجاهتها المنبثقة عن حقائق تاريخية، الا أن الظروف الموضوعية تتطابق أحياناً مع المؤامرة ليصعب الفصل بين كون الحدث نتاج طبيعي لمحصلة الاوضاع والتراكمات، وكونه نتاجا بحتا لمؤامرة.

فرنسا كمجتمع أوروبي يعيش أزمة تناقض بين قوميات ترسخت في وجدان الشعوب، وعولمة طغت على هذا الوجدان، واصطحبت معها أوضاعا اقتصادية عمقت من الاستياء وحولت الحنين القومي الى غضب اقتصادي واجتماعي.
وفرنسا، تحديداً التي كان للحزب الاشتراكي بها تناوب على السلطة، فقدت بريقها الاشتراكي بعد أن انضمت للاتحاد الأوروبي، وأصبح احترام العولمة فرضا عليها، وكذلك بعد تداعيات العولمة والتي نقلت المراكز الصناعية للخارج لدى البلدان ذات العمالة الكثيفة والرخيصة، مما جعل قضايا العمال وحقوقهم تتراجع لصالح قضايا أخرى مثل الحريات والمثلية وقضايا تتقاطع بين اليمين واليسار، مما ضيق الفجوة بين التيارات وسمح بوجود جبهات جامعة لليمين واليسار بداخلها، مثل حركة “اون مارشي” او “سائرون الى الامام” والتي شكلت رافعة لماكرون الى الرئاسة.
ربما تصور الشعب الفرنسي أن هذه الحركة وماكرون سيشكلان مخرجا من التناقض بين العولمة والقومية، ولكن فوجئ الفرنسيون بان ماكرون وتوجهه، سيقودان لنفس مصير اليمين بقيادة ساركوزي واليسار بقيادة هولاند، وان المصائر متشابهة، فنبتت حركة “السترات الصفراء” وهي حركة ايضا مشكلة من اليمين واليسار كرد فعل على هذا التناقض الجديد.
الحالة الفرنسية ليست فريدة، ففي ألمينيا صعود لليمين مع ذات التناقضات، وكذلك ايطاليا فيها تحالف جبهوي يميني يساري، وهناك توجه قوي لمغادرة العولمة الممثلة في الاتحاد الاوروبي الذي أصبح بمثابة لوحة التنشين على العولمة داخل اوروبا، والخروج البريطاني كان مصداقا عمليا لهذا التناقض المأزقي.
الولايات المتحدة رائدة العولمة، هي الأخرى تعاني من تداعياتها، وترامب يقود حملة كبيرة على مؤسسات العولمة، ولا تكبح جماحه سوى قوى الضغط العولمية داخل امريكا، ولكن الحالة الامريكية فريدة ولا تصلح للقياس، لانها تحارب العولمة وتتبناها وفقا للمصلحة ووفقا للتوازن، وقد كانت حروب ريجان على اليابان مشابهة لحروب ترامب على الصين، لكن ربما الوضع الراهن يختلف لان الصين تختلف عن اليابان في حجم الانتشار والتوسع. وتظل الحالة الامريكية غير صالحة لقياس مستقبل العولمة بسبب نهجها الانتقائي وفقا للمصلحة.
الأنظار موجهة الآن لمنطقتنا والتي تشكل أسواقا للعولمة، والتي لا تستفيد شعوبها شيئا منها عبر حرية التنقل والعمل، وخاصة بعد صعود اليمين المناهض للهجرة، وبعد تفتيت البنى التحتية الصناعية وافتراس مؤسسات العولمة لكل فرص العمل المتاحة، وبعض التطورات التكنولوجية التي قللت من العمالة البشرية بشكل عام.
ما هو مستقبل شعوب المنطقة، خاصة أنها لا تمتلك لوحة تنشين مثل الاتحاد الاوروبي على سبيل المثال لتوجه غضبها ضده؟
هل ستوجه غضبها تجاه مؤسسات العولمة وهي دائرة واسعة سائلة ومنتشرة أم ستتجه الى وكلاء العولمة من الانظمة الحاكمة الخاضعة لمؤسساتها؟
في الحالة الاوربية خرجت التظاهرات لمناهضة العولمة، وصعدت التيارات المناهضة لها، وحققت نتائج انتخابية معبرة عن الغضب، فتوزع الغضب بمجار خففت حدته، واحتدت الامور بفرنسا على النحو الذي نراه، لان البديل المنقذ الذي توسمه الفرنسيون أصبح أمامهم وهما وسرابا، فتوجه الغضب ضده مباشرة.
أما في الحالة العربية، فلا توجد مجار لتفريغ الغضب، ومنافذ السياسة مسدودة، والقوى السياسية تم اضعافها والحيلولة دون تكتلها، كما تنامت تيارات ليبرالية داخل اليمين واليسار حالت دون بروز الشكل “الكينزي” للراسمالية والذي يسمح بدور للدول في المساعدة على النمو، كما حالت دون بروز الشكل الراديكالي لليسار، فحولت التيارات لمسوخات.
لم يبق أمام الشعوب الا جولة أخرى من العنف ضد وكلاء العولمة الممثلة في الانظمة.
ربما ما يؤجل هذه الجولة، افتقاد البديل العملي، وربما الذاكرة القريبة التي امتلأت بالاحباط نتيجة الجولة الفاشلة من الثورات والتي تم التحايل عليها، وكذلك اختلاط الثورات المستحقة بثورات ملونة ومؤامرات واضحة، مما أنتج وضعاً كارثياً أعطى للاستسلام وجاهة في مقابل محاولة التغيير!
لكن درس التاريخ هو انتقال عدوى الغضب، كما أن درس الطبيعة هو الانفجار في غياب أية مجار للتنفيس.
واذا اجتمع الغضب وما يصاحبه من افتقاد البدائل مع أوضاع اقليمية ودولية ترغب في حل أزمتها، فإن شريعة الغاب وعودة الاستعمار التقليدي هي المستقبل القريب جداً.
‎2018-‎12-‎05