أمريكا وحصاد الدم في التاريخ والجغرافيا: اليمن نموذجاً
محمد الحسيني
تلجأ الإدارة الأمريكية، في إطار سياسة التعمية والإشهار، إلى تشويه الحقائق وتلفيق الوقائع ونشر الإدّعاءات واختلاق الأكاذيب، بهدف تلميع صورة الولايات المتحدة وإظهارها كبلد يؤمن بالحرية ويهدف إلى نشر السلام في العالم، ومن ذلك ما ورد في وثيقة “استراتيجية الدفاع الوطني للولايات المتحدة الأمريكية للعام 2018” التي أصدرها البنتاغون، أن “واشنطن ـ وحلفاءها ـ نجحت بعد الحرب العالمية الثانية في تثبيت ودعم النظام الدولي من أجل حماية حرية الشعوب من العدوان والإكراه، ولكن روسيا والصين تعملان على تقويض هذه الجهود، وتقومان بانتهاك مبادئ وقواعد العلاقات الدولية”.
حلفاء الأمس أخصام اليوم
هذا الإتهام طبيعي وتوجّهه واشنطن لأخصامها في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد، ويأتي أيضاً في إطار معادلة التقابل والتفاضل بين نظامي الديمقراطية والاشتراكية، مع العلم بأن روسيا والصين اللتين تصّنفهما واشنطن في خانة الأعداء، كانتا شريكتين للولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة مثلّث برلين وروما وطوكيو تحت راية ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر خلال الحرب العالمية الثانية عام 1945، وذهب ضحية هذه الحرب ما يقرب من 26 مليوناً من دول الإتحاد السوفييتي و20 مليوناً من الصين وما يزيد قليلاً عن 400 ألف من الولايات المتحدة الأمريكية، هذا عدا عن الحروب التي أشعلتها أمريكا في شرق الكرة الأرضية ضد اليابان وفي الكوريتين، والتي استنزفت الطاقات البشرية والعسكرية والإقتصادية لدول المنطقة، وانتهت أخيراً إلى تمركز القواعد الأمريكية فيها.
مئات الملايين ضحايا حروب أمريكا
وفي هذا السياق، قدّم مدير مركز أبحاث العولمة الباحث البريطاني ميشيل تشوسودوفسكي دراسة موثّقة نشرها موقع “غلوبال ريسيرش” أفادت بأن عدد الأشخاص الذين قتلوا بسبب سلسلة الحروب والانقلابات المستمرة وغير المنقطعة والعمليات التخريبية الأخرى التي نفذتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، يتراوح ما بين 20 و30 مليون ضحية، أي ما يقارب ضعف عدد الوفيات الناجمة عن الحرب العالمية الأولى، ولا نغفل الجرحى الذين غالباً ما يفقدون القدرة على الاستمرار في حياتهم الطبيعية، ويعانون أنواعاً مختلفة من الإعاقة الجسدية والنفسية، ويقدّر الخبراء إنه بالنسبة لكل شخص قُتل في الحرب هناك عشرة آخرون في عداد الجرحى، وهذا يعني أن عدد الأشخاص الذين أصيبوا في حروب الولايات المتحدة يصل إلى مئات الملايين من البشر.
أضرار في البشر والحجر
وتوثّق الدراسة الحروب والإنقلابات التي نفذتها الولايات المتحدة في 30 دولة آسيوية وأفريقية وأوروبية وفي أمريكا اللاتينية، وتكشف أن القوات العسكرية الأمريكية مسؤولة بشكل مباشر عن وفاة ما بين 10 و 15 مليون شخص، بسبب الحروب الكبرى ضد كوريا وفييتنام وحربي العراق، وما بين 10 و14 مليون وفاة ناجمة عن الحروب بالوكالة التي خاضتها القوات المسلحة المتحالفة التي تدرّبها وتديرها وتدعمها الولايات المتحدة في أفغانستان وأنغولا والكونغو والسودان وغواتيمالا وبلدان أخرى، هذا عدا عن الأضرار المتعلقة بهذه الحروب من مجاعات وأوبئة وتدمير للبيئة بشكل مباشر وآني أو متدرّج يمتد على سنوات بسبب تلوّث الهواء والماء وتسمّم التربة، والأضرار الجينية بسبب الديوكسين الذي كانت الطائرات الأمريكية تلقيه على رقعة الحرب ولا سيما في فييتنام وكمبوديا ولاوس، فضلاً عن التأثير السلبي في الرباط الاجتماعي الناتج عن التهجير القسري للطاقات وما يتعلّق به من استغلال واستعباد للموارد البشرية في المجالات المختلفة.
حروب الـ CIA
يقول زبغينيو بريجنسكي الذي شغل مستشاراً للأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977 و1981، إن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) نظّمت حرباً بالوكالة في الثمانينيات في أفغانستان، ودرّبت وسلّحت – بالتعاون مع أسامة بن لادن وباكستان – أكثر من مئة ألف من “المجاهدين” لقتال القوات السوفياتية، ويوضح أن هذه التدريبات بدأت في تموز / يوليو 1979، أي قبل خمسة أشهر من التدخل السوفييتي في أفغانستان؛ كما تقف الـ (CIA) خلف تنظيم أكثر الانقلابات دموية في إندونيسيا عام 1965، حيث سلّمت قائمة أول 5 آلاف شيوعي ومئات آخرين إلى فرق القتل الإندونيسية لتنفيذ حكم الإعدام بهم، ووصل عدد الذين تم قتلهم إلى نحو 3 ملايين شخص.. ولا ننسى فاتورة الدم الكبيرة التي دفعها كل من إيران والعراق في حرب حرّضت واشنطن صدام حسين على إشعالها لثماني سنوات من الإستنزاف البشري والاقتصادي، وكانت السعودية ومعظم الدول العربية متورّطة فيها بشكل مباشر، وانتهت بوقف الحرب، وبعدها تم غزو مباشر من قبل القوات الأمريكية للعراق والاستيلاء على ثرواته ومقدّراته، وموت أبناء شعبه وتخريب ركائز استقراره.
أمريكا وأوروبا شركاء السعودية في جريمة اليمن
واليوم تستمر واشنطن في سياسة حصاد الدم، حيث تواصل دعم المملكة السعودية والإمارات في إطار التحالف العربي – الدولي، على الرغم من الاعتراضات التي سجّلها قبل أيّام نحو 63 من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي لإجراء نقاش حول قرار يدعو إلى إنهاء تورط القوات المسلّحة الأمريكية المباشرة في الحرب السعودية على اليمن، وهي اعتراضات لا تعكس توجّهاً رسمياً بقدر ما هي استجابة للأصوات الشعبية التي انطلقت في العديد من الولايات الأمريكية للحد من دعم واشنطن للسعودية، ووقف مدّها بالأسلحة والذخائر والفرق الاستشارية واللوجستية الأمنية والعسكرية في عدوانها الوحشي على اليمن، كما هي انعكاس للتذمّر الشعبي من موقف الإدارة الأمريكية حيال قتل الصحافي جمال خاشقجي وسعيها لتبرئة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من هذه الجريمة.
هذا الدعم الأمريكي، والتواطؤ الأوروربي، للعدوان السعودي – الإماراتي على اليمن منذ ثلاث سنوات وحتى اليوم قد تسبّب في وفاة ما يقدر بنحو 85 ألف طفل يمني دون سن الخامسة من العمر، في حين يواجه واحد من كل شخصين خطر الموت، حيث إن هناك 14 مليون شخص يعانون من المجاعة، أي ما يوازي عدد سكان مدن نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس معاً، وتمارس السعودية والإمارات ومن يسير في فلكهما التجويع كسلاح مباشر في هذا العدوان، حيث تستهدف الغارات الجوية اليومية بشكل مباشر البنى التحتية، والتجمّعات السكانية والمؤسسات المدنية، في ظل حصار جوي وبري وبحري خانق، يمنع من إيصال الغذاء والمياه الصالحة للشرب والوقود والتجهيزات الطبية والأدوية والعلاجات، وبالتالي فإن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تتحمّل مسؤولية الشراكة الكاملة عن استمرار ارتكاب الجريمة السعودية – الإماراتية في اليمن، كما هو دأبها في كل الحروب التي سعّرت نارها في ما يسمّى منطقة الشرق الأوسط.
‎2018-‎12-‎05