لبنان.. “بيضة القبان” في التوازنات الإقليمية والدولية
الدكتور حسن مرهج
بات واضحا للجميع انه لا يمكن ان يكون لبنان بمعزل عن الارتباكات السياسية و العسكرية اقليميا و دوليا، و كأنما قُدر لهذا البلد أنو يكون ساحة لتصفية الحسابات، و لكن على الرغم من الاهتزازات بشقيها السياسي و العسكري على المستويين الاقليمي و الدولي، لازال لبنان صامدا مقاوما، مع التأكيد على أن لا أحد في لبنان ينفي حقيقة انحيازه إلى أحد المحاور في الشرق الأوسط، فما بين محور مقاوم و مناهض للسياسة الأمريكية و أدواتها، و بين محور يحاول تصفية القضية الفلسطينية و الابتعاد عن الدولة السورية لإرضاء واشنطن، تكمن الحقيقة و يتم ترجمتها في تبني سياسة كلا من المحورين، و لعل الكباش السياسي بين الافرقاء اللبنانيين جاء لكسر التوازنات الاقليمية، و بالتالي لا يمكن لنا أن نستثني لبنان من معادلة الشرق الاوسط الجديد و تداعياتها، و لا يمكن لنا تصور ماهية الحلول إن لم يكن هناك توافق اقليمي دولي على إخراج أي مشهد سياسي لبناني، و هنا تبقى الاجابات رهينة الاطراف الفاعلين في السياسة اللبنانية، ليكون المشهد اللبناني اختصارً لمعادلة التوترات بدلا عن التوازنات.
محاولا كثيرة تسعى في مجملها لإبعاد لبنان عن التجاذبات الإقليمية، إلا أن الاستحقاقات الدولية غالباً ما تبقيه على خط التوتر و الاصطفافات الاقليمية و الدولية، لكن المنطق السياسي يخالف هذه الفرضيات، فكما العادة في لبنان تستمر الضغوط الخارجية و المشاكل الداخلية للحؤول دون وضع لبنان على طريقه السياسي، و كنتيجة منطقية لتأخير تشكيل الحكومة، لابد ان تطفو العديد من المشاكل الداخلية التي تؤدي أحيانا الى حالة غليان في الشارع اللبناني، فـ في سياق التفاهمات الاقليمية كلف الرئيس اللبناني ميشال عون في 24 أيار الماضي، الحريري، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، بتشكيل الحكومة، بعد انتخابات برلمانية أجريت في السادس من الشهر نفسه.
و إلى الآن تبدو ولادة حكومة الحريري متعسرة نتيجة تداخل العديد من القضايا الإقليمية و الدولية، و عدم التوصل إلى صيغة توافقية داخلية، فالضغوط الخارجية حاضرة دائما على القوى اللبنانية التي تعتمد على المساعدات الامريكية و الخليجية، و بالتالي فالتأخير في تشكيل الحكومة مرتبط بهذه الجزئية، رغم نفي الحريري و فريقه السياسي الموالي للسياسات الامريكية و الخليجية وجود أي ضغوط أو عقبات دولية و اقليمية، لكن في مقابل تصريحات الحريري، لابد من أن يقوم الحريري المكلف بتشكيل الحكومة وفق معادلة التوازنات الداخلية و انعكاساتها الإقليمية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اي حكومة يجب ان تكون بعيدة عن السوري و الايراني، لكن حين تقوم الولايات المتحدة و دول خليجية بإدراج حزب الله اللبناني على قائمة الارهاب، فهذا بحد ذاته تعطيل لولادة حكومة لا يمكن ان ترى النور دون فريق سياسي له قاعدة شعبية كبيرة، حتى أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أكد مرارا و تكرارا أن سوريا و ايران لا يقومان بأي تدخل في سياق أي تشكيل حكومي لبناني، حتى أن سوريا و ايران لا تمانع أ أمر من شأنه ترسيخ الاستقرار في لبنان.
في الوقع هناك الكثير من التعقيدات و التحديات التي تواجه الحريري، و الذي وضع نفسه في مأزق سياسي نتيجة انصياعه للرغبات الاقليمية و الدولية، بدليل أن أنجاز مهمة تشكيل الحكومة اللبنانية يجب أن تتم مع واقع فوز حزب الله و القوى الحلفة له بغالبية المقاعد النيابية، و في ذات الوقت يجب على الحريري ان ُيخرج لحكومة المرتقبة دونما مخاوف غربية و عربية، فالحريري يدرك أن حكومة يسيطر عليها حزب الله بناء على نتائج الانتخابات النيابية، سيعطل المساعدات الأمريكية و الخليجية، فضلا عن تعطيل الكثير من الحلول و على رأسها اللاجئين السوريين، و عليه فالحريري يتوافق ظاهريا مع مخاوف واشنطن من سيطرة حزب اله على الحكومة اللبنانية، ظناً من الحريري و واشنطن أن هذا الأمر سيؤدي إلى توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، و هذا يجافي الحقيقة، و بالتالي فإن المُعطل لولادة الحكومة اللبنانية برئاسة الحريري هي تدخلات واشنطن و الرياض، و ما سينتج عن هذا التأخير من مشاكل أمنية و اقتصادية ستعصف بلبنان.
و استمرارا في التعطيل الأمريكي لولادة الحكومة اللبنانية، يبدو أن الدول الاوروبية ستتصرف بطريقة تواكب فيها تداعيات العقوبات الامريكية على الشركات و المصارف التي تتعامل مع حزب الله، فقد شكلت هذه العقوبات و التي ايضا تبنتها دول خليجية على مسؤولين في حزب الله، سببا اضافيا في تعطيل مساعي الحريري لولادة الحكومة، لذا، فإن قرار العقوبات لم يكن رداً على فوز حزب الله بغالبية مقاعد المجلس النيابي فحسب، بل هذه العقوبات تتمة للمسار الامريكي السعودي ضد لبنان و اللبنانيين.
في النتيجة، يبدو أن الحريري و حتى هذه اللحظة يحاول تجاوز الضغوط الامريكية و السعودية، لكن في مقابل محاولات الحريري، يبدو واضحا أن ما حدث مؤخرا في الجاهلية بـ لبنان، سيكون له تداعيات كثيرة على مسار تشكيل الحكومة اللبنانية، و على ما يبدو أيضا و بالاعتماد على الكثير من المعطيات و التحليلات، فلا زال الحريري يراهن على تدخل خارجي لاستهداف حزب الله، و ذلك من خلال إحداث فتنة بين الطوائف في لبنان، نتيجة فقدانه الكثير من الأوراق السياسية، فكيف سيقوم بموازنة التحالفات الخارجية و المطالب الداخلية؟، و هل سيتمكن الحريري من تجاوز حقل الألغام الامريكي و السعودي لتعطيل تشكيل الحكومة؟، من هنا يبدو أن لبنان سيكون له مسارا مبهما ريثما يتم التوافق الدولي و الاقليمي على الشأن اللبناني.
‎2018-‎12-‎05