الحكومة الاوكرانية تغامر باستفزاز روسيا
صوفيا ـ جورج حداد
منذ الانقلاب على الرئيس الاوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في 2014 والأزمة على أشدها بين روسيا وأوكرانيا، خصوصا بعد انفصال شبه جزيرة القرم وانضمامها من جديد الى الوطن الأم روسيا، وهو ما لم تسلم به حتى الآن السلطات الاوكرانية الفاشية والموالية لأميركا والناتو.

ومنذ أكثر من شهرين أقدمت روسيا على افتتاح أطول جسر في أوروبا في مضيق كيرتش الذي يصل بين البحر الاسود وبحر آزوف ويفصل بين شبه جزيرة القرم والساحل القاري لروسيا. ويبلغ طول الجسر 19 كيلومترا وهو ذو وجهتين لنقل الركاب والبضائع. وسيتم استكماله ببناء خط مزدوج للسكة الحديدية. ومعلوم ان سواحل بحر آزوف تتكون من قسمين: قسم روسي في الجنوب وقسم اوكراني في شمال الساحل. وبعد بناء الجسر فوق مضيق كيرتش اصبحت الملاحة بين البحر الاسود وبحر آزوف ذات اهمية خاصة لروسيا، التي بدأت تشرف على الملاحة عبر مضيق هيرتش وهو ما لم تعترف به السلطة الاوكرانية الحالية التي لم تعترف بعد بشرعية انضمام شبه جزيرة القرم الى روسيا. ويبدو ان الحكومة الاوكرانية الحالية تفكر ان روسيا يمكن ان تكون مكسر عصا، وقد اختارت انتهاج سياسة الاستفزاز ضد روسيا تعبيرا عن رفضها شرعية انضمام شبه جزيرة القرم الى روسيا الذي تم بشكل قانوني بعد اجراء استفتاء شعبي عام في شبه جزيرة القرم حول الانضمام الى روسيا. ويوم الأحد الماضي قامت ثلاثة زوارق حربية اوكرانية بمحاولة اجتياز المضيق والدخول من البحر الاسود الى بحر آزوف دون ان تعلم سلطات خفر السواحل الروسية مسبقا بخطة تحركها مما يخالف القوانين الدولية للملاحة، وقد صادف مرور ناقلة نفط روسية اعترضت طريق الزوارق الاوكرانية التي اخذت تناور في مدخل المضيق بطريقة استفزازية تعرض الملاحة للخطر. مما اضطر قوات الاسطول الحربي الروسي للتدخل واطلاق بعض الطلقات ضد الزوارق الاوكرانية ومحاصرتها وحجزها. وقد سقط ستة جرحى من الجنود البحارة الاوكرانيين فقدمت لهم الاسعافات الطبية اللازمة واعتقل البحارة العشرون الاخرون، الذين اعترفوا انهم كانوا ينفذون اوامر بالقيام بعمل استفزازي ضد البحرية الروسية. وقدموا للمحاكمة في سيمفروبول عاصمة القرم. وكانت قد توقفت الملاحة في المضيق لبعض الوقت ثم عادت الحركة الى طبيعتها يوم الاثنين.

وعلى اثر هذا الحادث أعلنت وزارة الدفاع الاوكرانية الاستنفار العام في القوات المسلحة الاوكرانية وطلب الرئيس بيوتر بوروشينكو اعلان حالة الطوارئ في المناطق الجنوبية الشرقية لاوكرانيا لمدة ستين يوما ولكن مجلس النواب (الرادا) اتخذ قرارا باعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما. وفسر العديد من المراقبين طلب بوروشينكو اعلان حالة الطوارئ انه يهدف الى تعكير الاجواء في البلاد وتعطيل الانتخابات الرئاسية التي من المقرر ان تجري في شهر اذار 2019. حيث ترجح استطلاعات الرأي ان بوروشينكو لن يصل الى المرحلة الثانية من الانتخابات، وسيسقط في الدورة الاولى لان شعبيته في انهيار كبير ووصلت الى نسبة 7% واحتل المرتبة الخامسة بين المرشحين لهذه الانتخابات. وهو يريد تأجيل الانتخابات اطول مدة ممكنة على امل ان يستعيد شعبيته عن طريق توتير الاجواء مع روسيا والظهور بمظهر “البطل القومي”. ومما يؤكد هذا الاستنتاج انه في الوقت الذي كانت فيه الزوارق الاوكرانية تقوم باستفزازها البحري قامت وحدات من القوات المسلحة الاوكرانية بخرق الهدنة الفعلية القائمة في جنوب شرق اوكرانيا، وعمدت الى القصف المدفعي ضد الاحياء السكنية في مدينة دونيتسك عاصمة مقاطعة دونيتسك التي تطالب بالانفصال عن اوكرانيا الى جانب مقاطعة لوغانسك. ومع ان روسيا لم توافق على ضم هاتين المقاطعتين ذاتي الاغلبية الروسية، الا انها تؤيد استقلالهما عن اوكرانيا طبقا لارادة جماهيرهما التي عبرت عنها في استفتاء شعبي جرى سنة 2014. ويعتبر التعدي على سكان المقاطعتين، وهم من الروس والناطقين بالروسية، استفزازا مباشرا ومقصودا لروسيا. وقد دعا بوروشينكو اسطول حلف الناتو لدخول البحر الاسود ودعم الموقف الاوكراني. ولكن الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو مع تكرارهما عدم الاعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم دعيا روسيا واوكرانيا الى ضبط النفس وعدم تصعيد التوتر.
وطلبت كل من روسيا واوكرانيا عقد اجتماع لمجلس الامن، الذي لم يتوصل الى اتخاذ اي قرار.
وفي الوقت الذي كانت فيه الزوارق الحربية الاوكرانية تقوم باستفزازاتها في مضيق كيرتش لدعم بيوتر بوروشينكو في حملته للانتحابات الرئاسية الاوكرانية، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجتمع مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان في انقرة ويعلنان سوية نهاية العمل في القسم البحري من انبوب الغاز الروسي المسمى “السيل التركي”، وبداية العمل في مد الانبوب على الاراضي التركية. ومن المرجح ان يبدأ استثمار الانبوب وضخ الغاز الروسي الى تركيا في نهاية سنة 2019.
وقبل ذلك ببضعة اسابيع كانت المراجع الروسية المختصة قد اعلنت عن نهاية العمل في القسم البري الروسي من مشروع مد انبوب الغاز الروسي المسمى “السيل الشمالي ـ 2” والذي سيعبر بحر البلطيق وصولا الى شمالي المانيا، واضافت المراجع انه بدأ العمل في مد الانبوب في اعماق بحر البلطيق، ومع نهاية العمل على الاراضي الالمانية سيبدأ توزيع الغاز الروسي عبر هذا الانبوب من المانيا الى بلدان شمال وغرب اوروبا. في الوقت الذي يتم فيه توزيع الغاز الروسي من انبوب “السيل التركي” الى بلدان جنوب وشرق اوروبا.
وحينما يكتمل العمل في هذين المشروعين القاريين سيصبح بالامكان الاستغناء تماما عن توريد الغاز الروسي الى اوروبا عبر الاراضي الاوكرانية كما هو الحال الى الان. وحينذاك لن يعود بامكان اوكرانيا ان تمارس الضغط والشانتاج على روسيا من جهة وعلى البلدان الاوروبية من جهة ثانيا، في موضوع توريد الغاز. وستخسر اوكرانيا المورد المالي الضخم المتمثل في رسوم مرور الغاز الروسي ترانزيت عبر اراضيها. كما ستخسر ميزة بيعها حاجتها من الغاز الروسي باسعار تفضيلية منخفضة جدا كما هو الحال الان.
وحينذاك سنرى اذا كان أيّ من البنك الدولي أو أميركا أو حلف الناتو أو الاتحاد الاوروبي سيعوض اوكرانيا الخسائر الكبرى التي ستتعرض لها جراء سياسة العداء لشقيقتها الكبرى روسيا. وسنرى خاصة اذا كانت أميركا أو دول الناتو والاتحاد الاوروبي ستزود أوكرانيا بحاجتها من الغاز أو ستتولى دفع فاتورة الغاز عنها لروسيا.
إن حال أوكرانيا ستكون كحال “بالع الموس”، فلا هو يستطيع اكمال بلعه لانه سيمزق احشاءه، ولا هو يستطيع “بصقه” لانه سيقطع بلعومه.
ومثال اوكرانيا هو امثولة ودرس جيوستراتيجي لاي بلد يعادي روسيا العدو التاريخي اللدود للامبريالية العالمية والصديق الصادق لجميع شعوب العالم الطامحة الى الحرية والاستقلال والتقدم.
‎2018-‎11-‎30