ما هي النفقات السيادية وماذا يعني استثناء كردستان منها؟

 

صائب خليل

أثارت مقالتي السابقة ضجة كبيرة حين نبهت إلى مؤامرة إعفاء كردستان من النفقات السيادية، وأن هذا يعادل رفع حصة كردستان من الموارد المالية العراقية إلى ما يقارب الربع! وكان تحذيري يستند إلى جواب وزير مالية حكومة العبادي، هوشيار زيباري في مقابلة صحفية مع "تقرير نفط العراق"، حين قال:

The KRG will receive the entire 17 percent, and sovereign expenses will not be deducted from this

(سوف تحصل حكومة إقليم كردستان على الـ 17% كاملة، ولن تستقطع منها النفقات السيادية")(1)

وقد اتضح من ردود فعل العديد من القراء أن هناك جهلا واسعاً بماهية "النفقات السيادية" ولماذا يكون هذا الإعفاء جريمة سرقة. والحقيقة أن هناك نقص شديد في المعلومات لدى الشعب عن كل جوانب قضيته النفطية وما يسمى بـ "الخلاف" مع كردستان حولها. ويتحمل المواطن بعض مسؤولية هذا النقص الخطير في معلوماته في قضايا مصيرية، لكن الجزء الأكبر يتحمله الإعلام الذي يتعمد التجهيل وترك الناس في الظلام. وقد أسهمت الحكومات السابقة في هذا التجهيل لأنها لم تبذل أي جهد لشرح عناصر ذلك "الخلاف" للجمهور وتركت كل الساحة للجانب الكردستاني ليفرض تصوره ووجهة نظره عليها، وتمرير حتى الحيل الحسابية دون ان يخشى رداً.

وسوف نشرح في هذه المقالة معنى الكلفة السيادية ومعنى إعفاء كردستان منها ليكون القارئ على بينة من الأمر ويستطيع أن يحكم بنفسه على حقيقة اتفاق العبادي مع كردستان، علماً أنها ليست القضية الخاطئة الوحيدة في الإتفاق.

***

عندما يشترك مجموعة من التجار في تجارة ما فإنهم يتفقون على تقاسم الأرباح بحسب نسب معينة تحددها تلك الشراكة. ومن الطبيعي أن يتحمل الشركاء نفس نسبهم في المصاريف العامة للشركة، مثل إيجار المحل، وأجور التاكسيات التي تقلهم معاً من مكان لآخر وكلفة الكهرباء والتدفئة والتبريد لذلك المتجر، وكذلك طوابع المراسلات والقرطاسية والضرائب المختلفة على الشركة وأية ديون تتحملها الشركة وأرباح تلك الديون وأجور أي موظفين من غير الشركاء.. الخ…

ومن الطبيعي أن تكون نسبة تحمل كل شريك من هذه التكاليف، هي نفس نسبة حصته في الشركة. أي أنه من الطبيعي أن تقسم كل موارد الشركة على الشركاء حسب نسبة حصصهم، ثم تحسب المصاريف وتسدد بأن يؤخذ من كل منهم حسب نسبته من الشركة.

فإن كان الشركاء أربعة مثلاً، فسوف تقسم الواردات الكلية إلى أربعة اقسام ويحصل كل منهم على 25% منها بافتراض تساوي حصصهم. فإن كانت هذه الواردات مليون دولار، يعطى كل شريك ربع مليون دولار. ثم تحسب المصاريف، ولنقل أنها بلغت 400 الف دولار، فعندها يؤخذ من كل شريك مئة الف دولار لتغطيتها. أي أن كل شريك سيحصل في النهاية على 150 الف دولار.

وهنا من الواضح أنه ليس من المعقول أن يطالب أحد الشركاء بإعفائه من حصته من المصاريف ليحتفظ بالـ 250 الف كلها!

وبما أن نسبة كل من الشركاء من المصاريف العامة، هي نفس نسبته من الأرباح، فيمكن اختصار الحسابات وعمليات التقسيم، بأن نحسب المصاريف العامة مسبقاً ونستقطعها من الموارد الكلية، قبل تقسيمها على الشركاء. إن ذلك يعطي نفس النتيجة. فلو اقتطعنا الـ 400 الف (المصاريف العامة) من الوارد الكلي (الذي قلنا أنه مليون دولار) لبقي منه 600 الف دولار (ولنسمه "الوارد الصافي"). وعندما نقسم الوارد الصافي على الشركاء يحصل كل منهم على 150 الف دولار، تماماً كما في الحالة الأولى.

والآن لو طلب أحد الشركاء، بأن تحتسب حصته (الربع) من الوارد الكلي وليس من الوارد الصافي، أي قبل اقتطاع المصاريف العامة، وقبلنا بذلك، فسوف يحصل على ربع المليون ، أي 250 الف دولار. وسيبقى من الوارد 750 الف دولار. وبعد استقطاع الـ 400 الف دولار للمصاريف العامة، يتبقى 350 الف دولار لتوزع بين الثلاثة الباقين، فيحصل كل منهم على 113 الف دولار فقط! أي أن الأول حصل على مبلغ يساوي أكثر من حصة أثنين من الشركاء معا! وهذا غير عادل بالطبع.

***

هذا المثال شرح بشكل بسيط موضوع النفقات السيادية وحصص الأقليم والمحافظات. ويمكن الإطلاع على ماهية النفقات السيادية في ميزانية عام 2013 مثلاً في الهامش أدناه.(2)

كردستان حاولت في الماضي أن تمرر الحيلة التي اتبعها الشريك المذكور، وقامت بالتحضير لها بخدعة إعلامية. فسبق لعدد من نوابها أن تباكى أن نسبة كردستان، وبسبب استقطاع النفقات السيادية لم تعد 17%، بل 10,5% فقط. ولأجل ذلك كانوا يحسبون النسبة من الوارد الكلي وليس الوارد الصافي.

وكأن النفقات السيادية لا علاقة لكردستان بها، وأنها تستقطع منها ظلماً وعدواناً. وكأن كل الحكومة ومؤسسات الدولة من العرب وخدماتها كلها للعرب ولا يفترض على كردستان أن تتحمل منها أي جزء.. كأن هذا الشريك لا يتدفأ بالتدفئة ولا يرى بواسطة ضوء الكهرباء الذي يجب دفع ثمنه. كأن ليس هناك وزراء من كردستان في الحكومة ولا رئيس كردي ولا ابنته المستشارة  ولا نواب في البرلمان وأن لا علاقة لهم بالمشاريع العامة ولا ديون العراق الخ.. إن موقف الساسة الكرد في شكواهم هذه يشبه أن يشتكي أحد الشركاء في قصتنا بأن حصته النهائية (150 الف) ليست ربع المبلغ الكلي كما هو "حقه" المثبت في الشراكة، بل 15% فقط!  أي حيلة حساب الحصة من الوارد الكلي وليس الصافي، مثلما يحسب للباقين.

هذا بالضبط ما بقي ساسة كردستان يتكلمون به دون أن يرد عليهم أحد، حتى أن المواطن الكردي أقتنع تماماً بأن هناك ظلم يوجه له. وحتى الكثير من المواطنين العرب اقتنعوا بأن هناك خطأ ما وظلم ما في حصة كردستان، لأن هناك من يشتكي، ولا أحد يجيب! وحتى حين يجيب أحد الساسة في الحكومة فأنه يعامل بالإهمال من قبل الإعلام الممتلئ دوماً بشكاوى مختلف الساسة الكرد وعلى نفس تلك النقاط الخطأ.

الخطوة التالية لكردستان بعد التهيئة بالتشويش الإعلامي اللازم، كانت الهجوم العملي ومحاولة استبدال عملية تقاسم الوارد الصافي بعملية "تقاسم النفط".

فكرروا القول، بعد أن جاءوا بالحكومة المناسبة، بأننا نريد أن نصدر نفطنا بأنفسنا، بحجة أننا لا نقبل أن تسيطر بغداد على مقدراتنا وثرواتنا. وقالوا أننا مستعدين أن نعطي العراق 83% ونحتفظ بحصتنا من الـ 17% من مبالغ النفط. ويبدو الأمر مقبولاً لأول وهلة، إلى أن ننتبه أن ذلك يعني بالضبط أن يعطى هذا الشريك نسبته قبل اقتطاع المصاريف العامة!

فحصة النفقات السيادية (المصاريف العامة) موجودة في "النفط" ولا يمكن أستخراجها منه أو حتى حسابها، إلا بعد أن يوضع كل النفط وكل الموارد في بوتقة واحدة وتحسب المصاريف السيادية وتستقطع. فالقفز إلى "حصة من النفط" يؤدي إلى نفس غرض الشريك المحتال الذي يريد حساب حصته من الوارد الكلي وليس من الوارد الصافي!

فموضوع التسلط الحكومي ودكتاتورية المركز والمشاعر الشوفينية والصدامية لدى العرب التي تريد منع كردستان من استغلال ثروتها بنفسها، وأنها حساسة لهذا الإضطهاد.. كلها عبارات مسرحية للتشويش، لأن الحقيقة أن هناك مليارات من الدولارات يسعى هذا الشريك إلى الحصول عليها بغير وجه حق بتلك المناورة. وعندما تكون هناك أموال، فلا داعي للبحث عن أسباب "نفسية" لتصرف المرء.

لبساطة القضية ووضوحها، رغم كل التشويش الإعلامي، فأن شريكنا (أو مستشاريه) يخشى افتضاح أمرها كما يبدو فيقرر أن يتبع أساليب مرنة للعمل، تتيح له التراجع والتقدم بالقدر الذي يتناسب مع الظروف، لكي لا يفاجأ بصحوة تفقده كل الغنائم التي يأمل بها مرة واحدة. وأولى هذه الأساليب أن يترك النقاط غامضة قدر الإمكان في الإتفاق بينه وبين الذين أتى بهم للحكم على أنهم يمثلون المركز. وهذا الغموض وعدم عرض النصوص علناً، والإدعاء دائماً بأن ما يتم لا يمثل حسابات نهائية بل "بناء ثقة" الخ، يعطي المجال لتفسيرات متعددة، ويتيح للشريك أن يختار السيناريو المأمون الذي يحقق له أكبر نسبة ممكنة من سرقة بقية الشركاء.

لأجل ذلك فقد قسم النفط إلى قسمين، الأول يسلم لحكومة المركز والثاني يصدره بنفسه. وبالطبع فأنه يأمل أن يحتفظ بالـ 17% من مردوداته الجزء الذي يصدره بنفسه كاملة ، وقبل الإستقطاع للمصاريف. هكذا تسعى كردستان لضمان نجاح سرقة الجزء الأول وإخراجه من المناقشة، أما الجزء الذي يسلم للحكومة، فسوف يكون موضوع معركة قد تنجح وقد تفشل. فنفهم من تصريح زيباري أعلاه أن الإتفاق هو أن تعطى كردستان 17% منه كاملة غير منقوصة وغير مستقطع منها النفقات السيادية (أي المصاريف)!

فإن مرت الخطة بسلام، سيتمكن هذا الشريك مع من جاء بهم إلى "مجلس إدارة الشركة"، من الإفلات من المصاريف كاملة! وإن أثيرت الضجة بحيث استحال تحقيق كل هذا الإنجاز، فيمكن التراجع و إنكار هذا الجزء وتصحيحه على أنه خطأ في التعبير، وأن كردستان لن تحصل من هذا النفط إلا حصتها الصحيحة. وبذا يتم التنازل عن جزء من السرقة، ويصور ذلك على أنه دليل سلامة الاتفاق وربما انتصار لحكومة بغداد على كردستان لإعطاء بغداد بعض المصداقية التي هي الآن هابطة بشكل خطير يهدد بسقوط الصفقة كلها.

هناك علامات منذ الآن على أن الإتجاه إلى هذا السيناريو المتمثل بالإكتفاء بنصف السرقة لكي لا تطير كلها، ربما بفضل الفضائح التي أثرناها واتصالات وتساؤلات عدد من خبراء النفط ومنهم الأستاذ فؤاد الأمير. وقد انتبه البعض أن كلمة زيباري حول الـ 17% كانت ضمن سياق الكلام عن مخصصات البيشمركة من وزارة الدفاع وقالوا أن زيباري ربما يقصد أن هذا الجزء فقط هو المعفي من النفقات السيادية. لكن هذا غير ممكن في الواقع، لأن مخصصات وزارة الدفاع هي ذاتها "نفقات سيادية" ولا معنى للقول أن الـ 17% منها ستكون كاملة دون استقطاع النفقات السيادية منها، فلا يوجد استقطاع لنفقات سيادية من نفقات سيادية.

والحقيقة أن حصة كردستان من وزارة الدفاع ليست سوى الجزء الثالث من محاولة هذا الشريك الإفلات من دفع حصته من "مصاريف الشركة".

فمخصصات وزارة الدفاع هي جزء من المصاريف العامة، (السيادية) وتسليم كردستان جزء منها، هو في الحقيقة استعادة لجزء من تلك المصاريف التي تؤخذ من الجميع وتسليمها لكردستان.

ولتوضيح المغالطة الضمنية أكثر، لو فرضنا أن كل محافظة طالبت بمعاملة مماثلة، وأن تسلم لها وزارة الدفاع ما يعادل نسبتها السكانية من مخصصاتها (لتسليح وتدريب الحرس الوطني مثلاً) فأن ذلك يعني أن وزارة الدفاع ستوزع كل ميزانيتها ولن يتبقى لها منها دينار واحد للجيش العراقي! فسكان المحافظات والإقليم يساوي مجموع سكان العراق، وبالتالي فأن مجموع نسب السكان لكل المحافظات والإقليم يساوي 100% ، أي أن مجموع الحصص التي سيتوجب على وزارة الدفاع توزيعها على المحافظات والإقليم هي 100% من ميزانيتها!  فماذا ستفعل وزارة الدفاع عندها، وما سيكون مصير الجيش العراقي؟

ملخص القول، أن كردستان تسعى إلى الإفلات من مصاريف الشراكة على ثلاث جبهات منفصلة تأمل بحصولها على الغنائم فيها كلها أو باثنتين منها على الأقل. الأولى هي جبهة النفط الذي سيتبقى لها لتبيعه بنفسها، وهذا يسير بدون اعتراض أو تنبيه (ربما عدا هذه السطور) إلى التنفيذ الفعلي.

والجبهة الثانية وزارة الدفاع وحصة البيشمركة، وهذه تم إقرارها بوضوح وتعتبر كردستان بمثابة المنتهية منها، وأخيرا الجبهة الثالثة، أو الجزء الثالث المتمثل بالجزء من النفط الذي ستضعه كردستان تحت تصرف الحكومة العراقية (سومو) ويدور الصراع على هذه الجبهة وحدها، والتي أعتقد أنها تركت للظروف، فإن تم الإستغفال التام وسارت الإتفاقية كما يقول زيباري، فسيحصل الشريك المحتال على ما يريده كاملاً ويحمل النفقات كلها على بقية الشركاء، مضاعفاً حصته. وإن حدثت ضوضاء تهدد بخسارة كل العملية، فربما يتنازل عن جزء من الغنيمة ليدعم الحكومة التي كلفها بعملية النصب، وليحتفظ باستيلائه على الجزئين الباقيين. إن زيباري يقول للصحفي في ذات المقابلة مندهشاً أن أحداً لم يعترض على أية نقطة من النقاط من الجانب الحكومي في "المفاوضات"، ويمكننا أن نعرف من هذا وحده ما حقيقة هذا "الجانب الحكومي" وما حقيقة "المفاوضات"، وما يمكن أن ننتظره منها.

(1) من "تقرير النفط العراقي" مقابلة مع هوشيار زيباري

Q&A: Finance Minister Hoshyar Zebari – Iraq Oil Report

http://www.iraqoilreport.com/news/qa-finance-minister-hoshyar-zebari-13747/

(2) أخبار العراق : نشـر نص قانـون الموازنـة العـامـة لسنـة 2013

http://www.alshuhadaa.com/readtxt4363.htm

المـــــادة ـ9ـ

ثالثاً” :

تحدد نسبة (17 بالمئة)سبعة عشر من المائة من مجموع النفقات التشغيلية ونفقات المشاريع الاستثمارية للموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق المصادق عليها لاقليم كردستان بعد استبعاد النفقات السيادية المتمثلة بـ ( مجلس النواب ، رئاسة الجمهورية، مجلس الوزراء ، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع ، اجور المفاوضات والمطالبات القانونية للديون ، اجور تدقيق ومتابعة وملاحقة الاموال في الخارج، اجور تدقيق شركة التدقيق الدولية ولجنة الخبراء الماليين ، المساهمة في كلفة انتاج النفط الخام المصدر ، عقود الشركات الاجنبية المنفذة لاقليم كردستان ( في ضوء محضر الاتفاق بين ممثلي الحكومة الاتحادية وممثلي حكومة اقليم كردستان حول انتاج وتصدير النفط الخام في الاقليم المذكور بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 333 لسنة / 2012) فوائد قروض البنك الدولي وفوائد قروض صندوق النقد الدولي وفوائد على القروض الاجنبية الاخرى، فوائد على سندات حوالات الخزينة العامة ، فوائد السندات على اطفاء الديون الخارجية للقطاع الخاص ،مبالغ المساهمات العربية والدولية ، مبالغ تعويضات حرب الكويت ، نفقات مديرية السفر والجنسية وقيادة قوات الحدود وجهاز الامن الوطني، تسوية الديون في الخارج ، اجور نقل النفط الخام المصدر عبر تركيا ، اقساط الاتفاقيات الثنائية مع دول نادي باريس ودول خارج نادي باريس، المشاريع الاستثمارية للشركات النفطية الاجنبية، الفوائد المترتبة عن اقساط الاتفاقيات الثنائية مع دول نادي باريس ودول خارج نادي باريس، تسديد قيمة اصدارات حوالات الخزينة القديمة، التسوية النقدية للديون الصغيرة للقطاع الخاص في الخارج ونفقات التمويل المشترك ومشاريع الموانئ والسدود ومنظومة السكك الحديد المرتبطة بالشبكة الدولية وادارة الاجواء وتسوية ديون الخطوط الجوية الكويتية واقساط قروض صندوق النقد الدولي ومستحقات صندوق النقد العربي عن اتفاقية اعادة هيكلية مديونية العراق )

8كانون الأول 2014