السيد نصرالله وسكّة القطار
بين تل أبيب والعرب

 

د. رائد المصري

بهدوء… فها قد سقط القناع عند بعض العرب وحكّام نظامه الرسمي ونخبه السياسية التي باتت تجاهر علناً وتتسابق لكسب الودّ الإسرائيلي، وتفتح عواصمه والمدن المقدّسة ودور العبادة أمام المسؤولين الصهاينة وبعثاته ليقوموا بتدنيسها، وباتت المجاهرة أكثر في الدفاع عن الحليف الصهيوني الساعي الى السلام، بحسب زعمهم، ولربّما هي مرحلة المدّ المقبل الذي بدأت تستشعره محميات ونواطير النفط والغاز لكونها فقدت دورها الوظيفي التخريبي في تفتيت الأمة العربية والإسلامية وجعلها قبائل متناحرة.

وهي عاجزة اليوم عن لملمة أجزائها وفرض حضورها ودورها المرسوم في الإقليم مع الكيان الصهيوني أمام المعطيات والتطورات الجديدة التي ترسم فيها علاقات إنتاج دولية ومعادلات صراع تجعل من هذه المحميات غير ذات جدوى وبعيدة نسبياً عن التأثير التاريخي لها منذ سبعين عاماً ونيّف، أيّ أقلّه منذ نشأة الكيان الصهيوني وطرده للشعب الفلسطيني من أرضه…

إنه نفق طويل ومظلم اختاره بعض حكّام الخليج وعلى رأسهم السعودية للاستئثار والسيطرة على الحكم واستكمال مشروع التصفية لفلسطين وللقدس ولكلّ مشاريع المقاومة، وكلّ ذلك عبر تل أبيب ومشروع التطبيع مع الكيان على الملأ، حيث لم ينجح أسلوب تصفية المعارضين في الداخل بل لجأوا إلى الإعدامات الوحشية في الخارج وملاحقاتهم من دون أيّ اعتبار ومن دون أية حدود ترسم لهذا الطموح الدامي الذي تكفّل بإخراج ما تبقى من أمراض وعقد فقهية شرعية كبديل لداعش والقاعدة، وبذلك يكون الأصيل حاضراً وجاهزاً للتنفيذ، وها هم الجناة في السعودية اليوم في عذاب وحيرة وهم يحاولون عبثاً غسل ومحو آثار الجريمة التي اقترفوها وإزالة دماء جمال الخاشقجي حتى لو كلّفهم ذلك كلّ نفط الجزيرة العربية، لكنهم يفشلون وسيفشلون حتماً، ونتيجة لهذا الفشل اختار البعض من هؤلاء الحكّام التطبيع العلني والاستعجال بالتحالف مع نتنياهو ببناء سكة حديد تمتدّ من حيفا وتقطر معها كلّ العواصم والمدن العربية من تل أبيب وإليها ومعها الحرم المكّي والنّبوي وكلّ المقدسات على أرض هذه الأمة.

هؤلاء القتلة لم يكونوا ليتوقّعوا أنّ قتل الخاشقجي ودماءه التي سالت في المجاري ستعبر أمواج البحر من الشرق إلى الغرب، وستملأ صفحات الجرائد وكلّ شاشات التلفزة لترسم الصورة المقزّزة لهؤلاء الحكام الذين وجدوا مصيرهم مربوطاً حكماً بمصير الصهيونية وبمستقبلها وكلاهما صار يشكل صورة مقززة في العالم تعكس الميل نحو القتل والإجرام وامتهان ثقافة الإلغاء للآخر…

القاطرة «الإسرائيلية» العابرة في بلاد العرب والمسلمين ومدنه المقدّسة لم تجد من ينتفض لكرامته فيها إلاّ القليل ولم تجد من يرسم أو من يعيد المسار التاريخي وحقيقته إلى جادة الصواب منعاً للتدنيس، بل أعدّوا العدّة وفق حساباتهم للسّقوط الإيراني جراء عقوبات ترامب والتهليل الصهيوني لها والترحيب السعودي باتخاذها شادّين من أزر ترامب وعزمه مقدّرين حسّه العنصري تجاه العرب والمسلمين، ومسلّمين له خزائنهم واحتياطياتهم المالية من أجل تثبيت عروشهم، ولا يقتصر الأمر على دول الخليج المهلّلة للتطبيع العلني بل نعني معها مصر والأردن والخطاب الانهزامي والمبطّن الذي يخرج به كلّ يوم الرئيس السّيسي، سواء ما يتعلق بما أصاب المملكة السعودية من سوداوية في صورتها، أم لجهة ما عانت به سورية جراء ضربها بالإرهاب أو ما يحصل اليوم من عمليات التطبيع الانهزامية أمام الصهاينة من دون ثمن. فهو يؤكّد على اعتماد الأنموذج المصري في اتفاقات «كامب ديفيد» وطرحه له بديلاً جاهزاً كلّما تقدّمت حركة التحرّر والمقاومة في وجه مشاريع الاستعمار والهيمنة الأميركية الصهيونية وصمدت…

خطاب سيد المقاومة في ذكرى الشهداء وضع الانطلاقة الأولى لمرحلة جديدة في مسار المقاومة والتحرير، منع فيها الشّطط والتراخي بما يخصّ الحلفاء والأصدقاء، وثبّت حقوقهم السياسية المشروعة التي تبدأ من لبنان من خلال قاعدتهم الشعبية التي أفرزها قانون الانتخاب النسبي، وشطب معها المعادلات التي يركب موجاتها بعض الوصوليين نتيجة تواضع المقاومة والتساهل مع المكوّن اللبناني، الى أن لمس خطورة وطمع هؤلاء القادة السياسيين على مستقبل البلد والحلفاء والمقاومة عبر رهاناتهم واستثماراتهم الدموية وخطابهم السياسي الإلغائي والإقصائي، التي تبدأ بزعامة جنبلاط ولا تنتهي بخطاب القوات والمستقبل، وهم يتسلّحون بما تبقّى لدور سعودي آفل لا يمكن أن يعيدهم الى السلطة التي أورثها إياهم الرئيس الراحل رفيق الحريري ولا يريدون أن يتواضعوا ويغلّبوا الواقع على عنترياتهم الفارغة التي أصابت البلد الشلل واستقدمت إليه الإرهاب وتريد رهنه للدور الخليجي التطبيعي مع الكيان الصهيوني في مشروعها المقبل.

إنّها معادلات الصراع الجديدة التي أظهرها رئيس تيار المستقبل ويتلطّى خلف الموقف الأوروبي ووراء الباب الاقتصادي بدعم سعودي وخليجي ظاهر في حين ومستتر في أحيانٍ كثيرة، لكنّه لن يعطل أو يرهن البلد ومقاومته وحلفاءها عن السير في مشروعها برفض التطبيع وإقامة سلام مع عدو وجودي هو الكيان الصهيوني ومشاريع استعمارية تقودها أميركا وأدواتها الوظيفيين في الإقليم…

أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

2018-11-12