مدن بطعم البارود…ح10أخيرة!
رواية

بشرى أبو شرار

“مأرب”، والطريق إلى “صنعاء”..”صعدة” تتعرض لأشرس المعارك وأعنفها.. “وليد الخميسي” يصرخ في فضاء كون هارب:
“نسوك طفلتي واستداروا ليثأروا لعائشة أو ليموتوا على جثة فاطمة.. يموت اليمن كي يحيا ويعيش كما عاش منذ أن خلق الله الأرض.. ليفنى كل الطغاة والغزاة والمتجبرين”
يسافر الصوت يحمل مرثية عزاء:
“قوموا يا أطفال اليمن.. موسم المدارس قد بدأ.. وجباه لكم خلقت لتزينها النجوم.. لا لأرقام الموت لتتوسد جباهكم.”
***

ماسر الوقت في ساعة الوقت, حين ترجع بعقاربها إلى الوراء, تلملم ما تبقى لنا من حروف الحكاية, نلقي بها في فضاء الكون, تورق براعم وتصير حياة؟..
ما سر ساعة الوقت لحظة تتوقف ولا تمر, تقف أمام مراتع طفولتنا, على بوابات شهدت فرحًا لم يغيِّبه الوقت, تقف عن مساحات شهدت وقع أقدامنا عليها.. وأنت يا صديقي الذي هناك لا تزال تذكر سيدة الوقت التي أغرقتها دمعات من ملح الأرض حيث هي هناك..
***
عاصفة الجنوب في “درعا” حوَّلها الجيش إلى رماد، ومنها سيحقق انتصاراته من “إدلب” حتى “الزبداني”.. قريبًا سنضيء مصابيح المدن حتى وإن صارت بطعم البارود..
من بوابات غد ضائع نلملم ما تبقى من خيوط الحكاية, نغزل مفردات جديدة, عذابات ستظل أيقونة شجن في حكايات باكية..
في ممرات خضراء, تحف جوانبها داليات العنب, وأشجار من كرز تقطر حباتها دمًا من روح الوجع.. تجلس امرأة بثوبها الأسود يشق سواده شالها الأبيض الذي استنام على لون الليل, قد يزيح منه بعضا من ألم, تحتسي مرارة باقية في فنجان قهوة وحيد, تهمس والدة الشهيد “محمود عيسى” من روح معذبة:
“أحمد الله أن استشهدت يابُني ولم تر بعينك ما حدث في “عين عرب”.. كان سفرك طويل لـ “عين عرب”, قتل على الطرقات, سفك دماء, ولم يتسلل لقلبك الخوف ولم تتراجع, لم تكف عن الذهاب لمركز التجنيد في كل مرة تنتهي من يوم جامعي, تسأل عن اسمك, يصيبك نزق, تسأل: “لم لا تأخذوني على التجنيد؟!.. أين ذهبت حروف اسمي؟!”.. وجاء اسمك يا بني, جئتني بالخبر, رأيت ملامح حزن وقد ارتسمت على وجهي, ضممتني إلى حضنك, وطالعت وجهي معاتبا:
“آه يا أمي, ابنك هنا بجوارك وأبناء أخريات ذهبوا ولم يعودوا.. دعواتك لي”..
“فراقك يعذبني يا بني.. ذهبت لـ “عين عرب”.. أسمع صوتك يهاتفني “أمي إذا لم يهجموا على المطار أنا عائد.. وإذا هجموا أنا أول شهيد, لن يمروا إلا على جثتي.. لا تنتظري جثتي, أنا لا جثة لي.. إذا متُّ على الحاجز لا تتعذبوا بي..”
“آه يا بني.. كلما مررت بالأمكنة أذكرك.. أحدِّث نفسي قد يصلك صوتي.. أقول هنا كنا.. هنا تحدثنا.. هنا شربنا قهوتنا.. صوتك لايزال يسكن أذني وروحي”..
“أمانة يا أمي ممكن أكون جثة عندك ولا يمكن أن يسحقوني أو يجروني على الطرقات, إما أقتلهم أو يقتلوني.. إن رحلت لن يشعر جسدي بكل عذاباتهم حتى وإن قطَّعوني أشلاءً وألقوا بي لجوارح البرية تنهش لحمي… لن أشعر بأي عذاب”..
هكذا كتبت مرثيتك يا بني.. هكذا سأعيش من بعدك.. فنجان قهوة وحيد.. ثوب أسود وشال أبيض يضمد جرحي النازف على فراقك الأبدي..
***
على الطريق طالعتنا وجوه من روح الوطن، جميعهم رحلوا وأذابهم ترابه.. الجميع دفع من ثمن كرامته وأرضه.. يرددون:
“بدون أرض لا عرض..”
“إدلب” ومع بداية الأحداث، ومنها إلى “كفر شلايا” ما بين مناوشات خفيفة صار الانسحاب من “المسطومة”، “جبل الأربعين”، “ادلب”،”أريحا”، يساعد والده في عمله, يعمل في مهنة التصوير, يحث خطاه لتجهيز بيته, طلبه الجيش جندي احتياطيا, ترك كل مهامه والتحق بالجيش, كتب على الفيسبوك يدعو رفاقه للسلاح.. يدعوهم إلى الصمود، الشهادة.. “كله يهون عن أن نرى الأعداء يرقصون في ساحات كنا أسيادها”
كثر من يستدعون “علي” للعودة, وهو يصر ويرفض العودة وترك ساحة القتال “علي” ابن وحيد لسبعة أخوات، من فرقة الاستطلاع اصطدم بهجوم, كان له الفضل في صده, بعدها تفاجأ بدبابة فيها عناصر من المهاجمين, ألقى كل قنابله في أجسادهم، بوصول حاملي الرايات السود كبرت أعدادهم, تلقوا الضربة والضربات منهم, من نصف الليل حتى دخول الفجر, أنقذ كل رفاقه وصار هو الشهيد. كم شرفت بك يا بني..
***

د “أحمد حسن” طُلب احتياطيا للمرة الثانية.. أمي لا يحزن قلبك.. حزنك هو حزن الكون في عينيّ..
من “جسر الشغور” يعالج أطفال “إدلب” يحدثني عن إصابات كثيرة.. لن يستطيع أن يعود إنسانا عاديا بعدما رأى ما حدث في “جسر الشغور”.. لا قلب لي يحتمل أن يرى الجنود مصابين وأتأخر عنهم, الجسر أخذه المسلحون, الجسر صار محاصرا.. فقط في بلدي يهرب الجبناء وفي الحرب تقوى سواعد رجالنا الشرفاء..”
أصيب عدة مرات, فجروا المستشفى, استشهد أفضل الشباب, أرسل لي أنه مصاب في كتفه وكان لا يزال على قيد الحياة إلى أن غاب صوته وغابت أخباره.. التحق برفاقه.. أحلم به وهو لا يزال يتوسد فراشه في حجرة نومه.. نور ونور.. أجمع المباخر،وأنثرها في حجرة نومه وفي القبور..
***
أخذت مكاني في مجلسنا, كل الوجوه غريبة, أرنو لآخر خيوط المغيب قد أتبين منها ملامح أعرفها وتعرفني, همست لها لأسمع من حروف اسمها قالت:
⦁ “نبيلة علي” سورية، لاذقانية، ومن على يمينك صديقنا من حلب
ركنت إلى الدهشة, لُذت بصمتي المجدول بالوجع, أنا هنا على ضفاف الخليج تركت كل محطات الأخبار ووضعت ضمادات لنزيف الحكايات.. أجدني هنا وقد حوطتني سورية.. لاذقية.. حلب..
طالعتني ابتسامتها كإشراقة صبح خجول, تبحث بين أوراقها, تقبض على كتاب وقد افترش غلافه الأبيض وروح الأخضر, دفعت به لقبضة يدي, طالعته, فظهرت لي كلمات تحمل عنوانه “الحلم الأسود” مازلت أمور بين براثن الدهشة, عادت تطالعني بإشراقة وجهها رغم حلم يطارد أحلامها بسواده, هل للأحلام أن تتشح بالأسود وأنا عهدي بالحلم أنه غارق في روح الأبيض..هل خانني اللون وهربت مني اللوحة؟!.
“نبيلة علي” لا تملك إلا إشراقة من ابتسامة أخذتني بصحبتها عبر الردهات ومنها إلى الساحات.. نطالع ساعة الوقت في عجالة, ألتفت من حولي فلا أجدها, رنوت لبهو الفندق من بعد, هي نبيلة تحمل حاجيات ثقل حملها.. اتجهت صوبها.. عاجلتني قبل أن يولد السؤال:
⦁ هدايا لأحبتي في سورية… اقترب موعد العيد.. هي باقة فرح قد تسعد قلوب من غابوا وطال غيابهم..
في المساء هبت نسمات تدغدغ وجداننا.. نرنو للخليج وقد طوت موجاته حكاياته الغافية, مقاعد خاوية وقد تناثرت على ضفافه, في القصبة طالعتنا لافتة لمقهى “بيت ستي” كنت و”نادية”، ورفاق لنا وقد تحلقنا حول المائدة في بيت ستي.. ما أدهشني أنني لم أجد أي ملامح لبيت جدتي الذي هناك.. أين البيت، وعبق النراجيل.. أين مدننا الغافية خلف حدود المدى؟
***
يوم جمعني بك ركن قصي على غير موعد، ضاعت حروفي، غابت عني أبجديتي وأنا التي أجمعها وأطرز بها نجمات ليلي الهاربة.. رنوت إليك وكأني أسمع وجيب قلبك.. صار كل ما حولي جمادا.. حرت في قلبي الشارد، أجاهد لأن أجمع ترنيمة عشق أغرد بها حين أعود لصمتي وغربتي البعيدة وكأني أرسل إليك كل ما أحببته في دنياي:
⦁ هي أماكن أحببتها.. شامنا الحبيبة.
⦁ وأنا سأحب أماكنك..
⦁ من روح الأبيض أهديك نبض قلبي..
⦁ صباحك من فضة الحنان..
⦁ ومساؤك من نور قلبك وبهجة روحك لغد هو الأجمل.. هذه الملامح لي.. حيث ظلال لا تغادر مطارح الوطن..
⦁ أنت أيتها الجميلة، المذهلة في ربط كل الأحوال بالوطن.. لديك إصرار على قناعات وطنية هي ثوابت لا تحيدين عنها.دفء حروفك سيدتي يسكن حجرات قلبي..
⦁ زهرات من بلادي ترحل صوب الشمس, تتوسد تراب الوطن عند كل مغيب، ومحبة بعمر هذا الكون.
⦁ سيدتي.. زهرات الشوق ترحل حيث تشاء.. الوطن بعض منا أو نحن بعض منه.. سيدتي الحنون، سيدة كل الأماكن الملونة بالحنين وألم الفراق ودفء البعد الذي نحمله بين جوانح قلوبنا, شغفنا بأناس هم منا وأماكن هي لنا.. نعيش دفء الوهم أحيانا حتى نصدق أحلامنا, أنت وأنا جزء من حلم لا يتحقق إلا بانهزام الظلم كي تعود أماكن كانت على الخريطة ولكنها لم تسقطها الذاكرة ولم تمحى من أوراق التاريخ.. هي أماكن ولدنا فيها وربما سنموت فيها. سيدتي.. حين تلاقينا شعرت أني أعرفك منذ ألف عام، رغم أنك من أرض بعيدة عن أرضي من حدود الجغرافيا، لكنك تشبهين المرأة البهية في قريتي التي تركتها منذ عقود ومازلت أحملها.. ملامح وجهك ونور روحك، وهذا ما أسكن اليقين في قلبي وروحي أن أرضنا واحدة ودمنا الذي يجري فينا واحد.. الأمكنة تدين لنا رغم أننا نشتاقها ونتخيلها ونحاول أن نبقى ديمومتها..
***
سيدة الاغتراب والغربة وبياض الماضي البعيد.. سيدة البحث عن الهاربين وأمكنة غيَّبها المدى، وأماكن سرقها الآخر.. ونحن بكل دهشة نداري عجزنا وقلق السؤال.. وتاريخ ماثل يحكي كيف عجزنا، إن كان ماضيا أو حاضرا.. تذهب الأماكن بعيدا, قد تلفظنا, تلعننا لأننا أصبحنا غير قادرين على ري شوقها وعطشها.. أمكنة نأت وتوارت خلف المدى تصلني لعناتها لعجزنا وخيانتنا وهواننا على أنفسنا وعليها، وأنت يا سيدة الحلم والتاريخ.. سنظل هنا حاملي صليب عودتنا وقهر غربتنا وعذاب افتراقنا.. حتى نترك المنافي وحتى وإن كان هناك في السماء.. حين يأتي الوقت وتتركين قطار البعد والاغتراب والمنفى.. حين يأتي الوقت سيتوقف النزف وجرح الغياب، سنعود معا إلى حلم لم ولن يغادرنا.. حلم لن تغيِّبه ذاكرتنا؛ لأنه حلم الحياة والنور والدفء…
***
⦁ في بيتي هناك حيث يطل البحر من قلب زرقته تغيب كل خطوط الاتصال.. تأتيني مع مغيب الشمس وأفولها.. هل لي أن أرنو للصبح من شباك حجرتي وأنثر ورده من روح الأبيض حيث أنت هناك؟..
⦁ لي صبح هنا بطعم نورك ودفء روحك.. لي صبح يحن إليك يا سيدة الحكاية..
⦁ نصوم عن وجع الحكاية.. نقتفي آثار ظلال كانت لنا هناك، نقتفي آخر ما تبقى من الوقت، نلحق بآخر خيوط المغيب, قد نقبض على ما تبقى لنا ونعيد بهجة الوقت إلى الوقت.. تعرفني من زمن الغياب, كيف كنا والى أين صرنا, التقينا وغابت عنا الأبجدية, نلتحف الصمت قد يدلنا على أول حروف الكلمات وأنت من نثرت كلماتك من روح القصيدة..
⦁ “لأنك أنا، فإنني أصدق صمتك” التقينا من روح الأسطورة وأنا التي سكنها يقين أن زمن الأساطير قد ولَّى.. أنثر حروفي في فضاء من أثير..أحاكي الصمت من كل مساحات الفراغ, أجدني أنا هنا وأنت هناك نقتات على الوقت والوقت يلاحقنا..
⦁ سيدتي لم يعد الوقت إلا لنا وإن كان قد غفى عنا، ونحن على حافة الوقت تلاقينا.. أنت هنا من لحم ودم.. أتبع ظلك في كل المدن الغائبة.. يعيدني إليك صوت فيروز، وحكايات لأطفال صاروا بلا آباء، وأمهات ثكلى صارت وجهتهن البرية حيث أبناء كتبوا حكاية أوطانهم. أنا وأنت تلاقينا منذ ألف عام.. ولم ندرك إلا حين أذن الوقت لنا.. لن أكف في البحث عنك بين دروب الوقت.. أعود والخيبة تلاحقني, أعود القهقرى، وأفتش في مواقيتي مرة ومرات؛ علَّني أجد البشارة أو دليلا يقودني إليك. بشارة تأتيني.. أعرفك.. التقيتك في برزخ الأرواح.. قد نكون خرجنا من البرزخ واللا مكشوف.. أجدني وقد التقيت نورا ودفئا ووجها باسما كوجه أوزوريس في ملكوتها في بحر أنشودة الخلود..
⦁ تبحث عن دروب الوقت، مرة ومرات، وأنت من قلت “أقتات الوقت في انتظار أنثى ربما لا تأتي” دمعة الوردة التي كبرت مع عمرك وأرواح لا مسرب لها إلا أن تلتقي حول نور الصدفة.. وأنا يا سيدي كما نثرت حروفا هي لك “على السطح وجوه كثيرة تؤنسني ولكني هنا أجلس وحيدا.” على حافة الانتظار لا أحد.. وهل لوردة أغرقها دمع الحكاية مذاقات من نور البهجة؟!.. أنا هنا أشرب قهوتي بعد أن يغادرها دفؤها ويتسرب دخانها.. أشرب قهوتي وهي تنداح لبرودة خجولة.. هل يعود الدفء لفنجان قهوتي بعد أن سكنه صقيع الأرض؟.. هل أنا المغادرة غير المقيمة؟.. هل مازالت هناك محطات وصول بعد أن غادرت محطاتي؟.. أرنو لأفق غارب فتطل أنت.. تنثر حروفك من حولي.. أحاول لملمتها ولا أعرف من يعرفني دون أن يراني.. وحين صرت من دم ولحم.. أطل الغيب من روح الغياب.. وأطلت الأسطورة وكأن قدرنا أن نصير حكايات لن تغيب شمسها.. حكاية خالدة من روح أنشودة زمن هو لنا..
⦁ ولكنك خالفت الظن واليقين وأتيت.. أتيت محملة بشوق كان قد ضاع، ودفء كان قد تسرب، وبنور احتلت مساحاته العتمة.. عادت إليّ روح كانت قد ولت في تلافيف الزمن.. لم نعد وحدنا، ولم تعد الحكاية لغيرنا.. دعي فنجانك يستعيد دفئا غائبا. ونشرب قهوتنا وهي على دفئها حتى وإن من على بعد.. لتعود لنا مذاقاتنا الغائبة.. تعالي نستعيد حكايات لن يطالها الجفاف.. من دمعة النور التي جاءت على كفيك يوم التقيتك صدفة.. كان لقاء غربة.. لا تعتادي الغياب, أنتظرك ولا أحب الأفول على محطات الغياب.. هل ستأتي وأنت سيدة الحضور والبهاء؟..
⦁ من دمعة الوردة، من روح الغياب وأنا التي توشحت بشاله.. ما بين هنا وهناك أعيش حالات التشظي, مشتعلة حروفي وذواتي التي تسكنني, وكأنني لست أنا بل آخرون هناك صاروا ظلالا تسكنني.. روح أمي ارتقت أعالي السموات وحين تحط على عالمي الأرض تسكن روحي فأصير هي المثقلة بأوجاع فقدها وحزنها الأبدي.. روح أبي الذي عاش وحيدا محاطا بوحشة الغربة ونأي المنافي.. روح أخي الذي نثر برعمة محبته منذ كنت أطير جدائلي في وجه الريح.. من روح الغياب أكتب إليك, وأنت صوت يصلني من خلف المدى.. قد يحملني الغياب حيث أنت.. أنا لست هنا.. أنا حيث أنت هناك.. وحيث من يشبهني وروح تلاقي روحي المنهكة الهائمة على دروب الوقت من قلب دمعة الوردة, من قلب أنهار من دمعات غربة لا خيار لنا فيها, هل أكون أنا ذات الجسد الذي أتلفه صدأ حالات لا تغادر؟!. هل أكون أنا التي تعاند الوقت, تركن لشرفة وحيدة, ترنو للعابرين وهم يحثون الخطى لوحدة صرت أنا فيها
⦁ سيدتي التي هناك، حيث أنت أكون؛ فمن روح الغياب نشكل حضورنا، وما حيلتنا وقد التقينا في زمن ماكر ومخادع.. ما أن يجمعنا حتى يفرقنا.. دمعات الملح صارت باهتة واهية أمام قسوة حاضرنا وواقع نعيش فيه.. ما حيلتنا في أننا خلقنا من وجع وحنين، نتنفس اللهفة لأرض وأحبة أخذهم الغياب. صرنا ملامح من دمع وذكريات.. ومدن المنافي التي ضاقت بنا وضقنا بها تشعل في قلوبنا جذوة لا تنطفئ. كيف لنا أن نعوض فداحة ما ضاع منا.. سيدتي الحنون.. تلاقينا. لا تبتعدي، ونحن من تجمعهم أوجاعهم نعيش غربتنا؛ فيقترب اللقاء..
***
“فاتح نعال” أرسلت له ترنيمة من شجن تحمل بشائر نصر قادم. “فاتح” صار في ” قونية” يتابع مسلسل الهجرة والتشرد لأصحاب مدن غابت وغلفها دخان البارود والرماد.. هوان.. ضيق يعجز عن وصفه.. يستصرخ المكان والتاريخ وقلوب أضناها الوقت الذي صدأت عقاربه, وقت لم يعد يمر بهم, صاروا من المنسيين..
“فاتح” يستشرف البشارة وطريقا مفقودا وعصا لموسى مفقودة, فلا بحر ينشق لها, ولا من ولا سلوى من السماء, لم يبق لديه إلا انتظار الفرج بعد طول دعاء.. يسترق السمع.. يلهث وراء صدى يحمل ما تبقى من صوت “د. نزار بني المرجة” لا يتوقف لأن يستنهض الجراح:
“ثقوا بسورية العظيمة.. ثقوا بأبنائها، بتاريخها، بشهدائها، بفولاذها الذي هو أنتم”..
وتسقط من عين “فاتح” دمعة تغرق ما تبقى من وجع الحكايات الباكية..
***
“ضياء التلاحمة” وقد شقت مسامات جلده أنهار من دمه, يرسم منها قدسه، قريته, شامه.. تحدب عليه أمه تهمس في أذنه بكلمات مضمخة بدمعات تجرح بياض العين.. “الوطن غالي يمه..”
من على مثلث “خرسا” “جنوب دوار” فلسطين، استهدفته رصاصات حقدهم.. هم وأصحاب الرايات السوداء على ذات الغدر والجرم.. ورصاص من روح غدرهم صار وشما على جسد “ضياء”, يضيء نور المدن الغائبة, يفتح كل الطرقات لمدن محاصرة، من قسمات وجهه المضرجة بالدماء بكت كل الحكايات.. صارت مجرى نهر يزيح ما تبقى من حقدهم، ولا نملك إلا ذاكرة وكلمات:
“وداعا ضياء، في موكب الخالدين الذي يضمك وبقية الرفاق”..
رحل “ضياء” ولم يتبق منه إلا كلمات تؤرق مناماتهم..
“على خطاكم سائرون.. إلى القدس سائرون.. نحن في أراضينا وهم مشتتون.. عائدون إليك يا وطن.. إلى حيفا، يافا، عكا، صفد.. عائدون… عائدون.”
ضياء العائد لحضن حكاية لا تكف تذرف الدمع لمدن قد يمسح عنها بعض من ألم..
***
يوم تحلقنا في مجلسنا, نتبادل الرؤى والحكايات, كل يحمل باقات وروده من وطن كان.. “هدية” القادمة من “كندا” لم تظهر لنا “كندا” في أي صورة أو ملمح.. “هدية” أخذتنا حيث “بغداد” لم نغادر بغداد إلا حين حزمنا حقائبنا كل إلى طريق.. لم تكف عن حمل جهاز الحاسوب صغير الحجم, تلكزني, أنتبه لها, تريني على شاشته صفحة النهر, زهرات النهر وإنسان النهر..
“هدية” تقتات على الانتظار, على صور مازالت تضج بالحياة تسكن صفحات ألبومها.. صرت أقتفي حروف الأسماء, أحاول أن ألصقها على جدار ذاكرتي..
“هدية” لم يكن من الصعب أن أحتفظ بحروف اسمها, كان لي جارة في بلدتي التي غيبها المدى, أمضيت طفولتي وأنا أرقب خطاها على طرقات شارعنا الطويل، اسمها “هدية” كم يفرح قلبي حين أجد أسماء أحبها تقابلها شخوص على ذات الأسماء تسكن روح الذاكرة..
“بهيجة” اسم دخل قلبي, وأعاد لي صورة بهيجة ابنة عمتي “فاطمة” في جبل الناموس “دورا”..بهيجة الرقيقة الودودة المحبة لأمها, والتي تقاسم عمتي في ملامحها, حيث عين بلون زيتون بلادنا, وبشرة نضرة وضاءة، ونبرات صوت تصل حد الهمس.. بهيجة هناك. بهيجة هنا… يوم دخلت مجلسنا طالعتها: ملامح وجهها حبلى بحزن دفين, حزنها مسَّ قلبي, طالعت عيناها فكانتا حبلى بدمعات وليدة, ودمعات قد تكون ذرفتها على الطريق إلينا.
لـ “بهيجة” ملامح تحمل كل مجار لدم لا يتوقف نبعه.. دمع يروي عطش الحكاية.. تقبض على حقيبتها التي نسجتها من خيوط الشوق وروح وطن غيَّبه المدى.. هنا ظهرت لي بهيجة وفي ذاكرتي بهيجة، تجمعهما حروف الأسماء، وتفرقهما كل مساحات الوجع.. وقف الجميع مرحبا بالقادمة إليهم، وغادرت المجلس بصحبتهم, وأنا ضج في عقلي سؤال:
“حزن مقيم تمضي به بهيجة، من أين أتى لها كل هذا الحزن؟!”
توسدت نجمات الليل؛ قد تدلني عن ما ضج في قلبي من سؤال.. أستقبل نهارا جديدا تطل من قلبه “بهيجة” مقعدها يجاور مقعدي..
“أنا من “حلب” وأقيم هنا على ضفاف الخليج…”
ما سر حلب في قلبي؟!.. تلاحقني بوجعها..حلبوبهيجة التي تتوشح بعذابات مدن غابت, تحاول استنهاضها من جديد.. تخرج إلى الشرفة ما بين الوقت والوقت وفي يدها هاتفها أسمع حروفا مما تبقى من كلمات “اسمع يا إمي.. يا حبي.. يا عمري..”
تسقط دمعات من ملح تحرق جلد وجهها.. وجدتني مندفعة نحوها حيث شرفة الفندق, تتوسط محيط العتمة ولا يظهر منها سوى لفافاتها المشتعلة, تلوذ بدخانها, تسافر معه في فضاء ممتد, قد يلقيها على حافة وطن لم يغادر روحها..
بهيجة تقتات على وجع الانتظار, تسكن اللهفة قلبها من سماع رنين هاتف, تصلها رنة صوت تقول “هنا حلب…” تقتات على حروف كلمات, تنسج منها وشاحا يقيها من صقيع غربة ممتدة.. عدت إلى منفاي، وعاد رنين هاتفها يصلني من روح الغياب.. منفى يعانق منفى؛ لتتجدد روح مدن وأوطان حتى وإن غابت لها كل الحضور..
***
“د.نزار بني المرجة”..
“لا وقت لقهوة الصباح.. لا وقت لقهوة الحبيبة.. لا وقت لقهوة الأصدقاء.. أيها الموت مهما تماديت في قتل روحي لن أتجرع مر قهوتك..”
وصديقي الذي هناك، حيث الياسمين الدمشقي لا يغيب شذاه “صبري حجير”
“كيف لي وأنا لست بفنان أن أجيد رسم المدينة وأطرز ثوبها وأسرح شعرها وأمزج الألوان؟!.. كيف لي أن أرسم البحر وأنثر الزهر وأزرع الورد وأقطف الرمان؟!.. كيف لي رسم الولد حين يرفع العلم على الجدران..
“ناصر قنديل” ينثر حروفه ويلونها بوجع الحكاية، من قلب أحلامه.. وعيد حمل نزيف أمتنا، ومن يتساءل عن حكمة رضى إسماعيل بتقديم قربانه لرؤيا والده إبراهيم عليهما السلام قبل أن يفتديه الله بكبش عظيم.. ولأن ينتبهوا أن رؤيا الوالد هي إما حلم الأمة أو أمر الله بالتضحية لشأن عظيم.. ها هو إسماعيل من دون كبش يفتديه يقدم روحه رخيصة على مذبح الوطن..
هاهي سورية تقدم أرواح بنيها على مذبح الأمة.. هي رؤية الآباء بأن تكون لنا أمة تشعر بالعزة والكرامة ولا يستبيحها الغزاة ولا الطغاة الهاربون من بطون التاريخ الجاهلي, تحية لكل شهيد هو إسماعيل هذا الزمان، ولكل أب انتظر كبشا يفدي به روح ولده حتى بكاه شهيدا.”
***
من قلب ليل مهاجر عصفت الريح في قلبي, أبرق الكون لرسائل يطيرها لي, أحث الخطى بين الدروب, أتبع بريق البرق لحظة يشق قلب العتمة, أرهف السمع لصوت رعد قادم, أقتفي أثر المطر, قد تصحو وردة غارقة في تصحر وجفاف, حبات المطر تنقر زجاج نافذتي, أرنو إليها وكأنني في عناق أبدي, حبات المطر تزف إليّ البشارة لأن يأتيني عرس كوني يحمل لي الريح ومطرا آتيا من هناك حيث مدينتي الغافية على تلالها الشقراء،حيث مدينتي التي تتوسد كتف البحر, خرجت إلى شرفتي أستقبل زخاته, قد تزيح عن قلبي صدأ من وجع الحكاية, قد تروي أرضا سكنها من سقطوا واقفين.. “ميرابو” وزهرات زرعتها أمه من حول قبره، يأنس إليها حين يصير وحيدا ما بين تراب وطن وزهرات الأقحوان..
“أشواق عباس” ولون من لوحة تحمل قسمات وجه أخيها “بشار” حبات المطر تزيح ما علق عليها من تراب, تغسل دمعة لا تغادر بياض العين وقد سكنها ملح الأرض.. أنا هنا وعرس كوني يلاحقني.. أنا هنا أكتب من أيامي الخريفية.. أنا هنا أقبض على ورقة صفصاف قد يصلها دفء من كف يدي بعد أن انداحت لصفرة في يوم مغيب..
***
قال العاشق الطفل يوما:
“لم أخش يوما أن يأتي صبح بالكنيسة الميريمية، وأكون وحدي دون أن نكون معا أيتها البتول.. لم أخش مساءً ما إلا أن يسألني الرصيف والحجر من أين أتيت بكل هذا الحزن أيها العاشق الطفل؟!.. الآن أنا أقتفي خطواتك على حجارة الشارع الطويل باتجاه حديقة “القشلة” أنفض عني ثوب الوجع والانتظار حيث سنلتقي عند الباب الشرقي حفاة إلا من شهوة الركض أمام عيون المارة لنصل حيث التقينا أول مرة قبل ثلاث ألف عام.. سلام عليك يا مريمي يوم ولدت من جديد، ويوم وضعت شمس الشام كلها بين يدي لتشع عشقا على مشارق الأرض ومغاربها.. هو بعض من وفاء لدمشقنا التي أرضعتنا عشق الوطن وكانت هي حبل مشيمتنا في العودة إلى حضن أمنا الغالية “فلسطين”
هكذا كتب “عمر جمعة” مرثيته في حب شامه الذي يمتد من النهر حتى البحر من مجاري الدمع والدماء..
***
“دارين عاقل” تزف لنا البشارة، بأن لاحت بيارق النصر، وعلت زغاريد السلاح.. اغضب يا جيشي.. ضحكتك من همس الرصاص.. غضبك بركان..
“دارين الجميلة” مع كل صبح تطالعني حروف اسمك. يسكن قلبي يقين أننا نسبق الخطى على خطوات نصرنا، ونصر هو القادم إلينا لوطن هو لنا.. محبتك في قلبي لن تغيب شمسها كما شمس سورية حبيبتي..”
“وأنت أيتها المرأة القوية الرائعة المقاومة، الوجه الآخر لوطن ينزف دما, تشبهين حبة الحنطة في عطائها ووجه الحضارة في رسائلها.. إنها أنت يا سيدة الحكاية”
من إدلب, كفريا, الفوعا, الزبداني.. وحصار على كل محيط الجغرافيا صار الأكثر تعقيدا، من مضايا وتوسيع رقعة المعارك.. أصحاب الرايات السود يصرخون, يستنجدون.
“فايز انعيم” مع إشراقة كل نهار جديد يعيد إلينا وهج الحكاية ونورا من أمل.. يؤكد لنا عن تقدم في الزبداني واتساع الجبهات.. الساحات على صفيح ساخن, الجولان تشتعل.. درعا, السويداء, دير الزور, تدمر, حمص, ريف حماة, اللاذقية, حلب, الحسكة، وبدء استرداد جسر الشغور.. وعودة الأمل لكل من رحلوا عن كل مدنهم بالعودة من جديد..
***
رحل “ميناس” ويأتينا من قلب الليل يطبع قبلة على وجوهنا ويمضي.. “ميناس” مضى مخطوفا, مذبوحا, وترك لنا بقايا من صوت يسكن آذان أبنائه.. الابن يخاف كلما رأى امرأة تتشح بشال أسود.. يتراجع بخطواته للوراء, يقبض على أطراف من ثوبي, يسكنه هاجس أن تلك المرأة من مجموعات قتلت أباه “ميناس”
رحل “ميناس” ووالدي العاشق لسورية كان لا يكف يردد “أنا سوري.. سأموت على أرض سورية”.. مات بسكتة قلبية, من خوف أطاح بقلبه الرقيق من قذيفة هاون سقطت على بيته.. والدي مات خائفا، وميناس مات مذبوحا..
“أشواق عباس” تتشح بالأسود, تتوسد تراب الأرض, تنشد لحظة لقاء بمن رقدوا في سلام.. تهمس من وجع قلبها:
“طوبى لمن يرقدون محاطين بالمحبة والسلام..”
“أشواق عباس” تقلب صفحات مما كتب “شمس التبريزي” عساها تجد مرثية حزنها الضائعة:
“سنرقص نحن الدراويش بطريقتنا من خلال الحب والأسى حتى لو لم يفهم أحد ما نفعله.. سنرقص في خضم القلائل أو في وسط الحرب, في جراحنا، وحزننا.. وحدنا معا”..
***
سيدتي.. أعرفك قبل أن أراك. وإن كنت لا أعلم أنك بمنفى جديد بعيد عن أرضك هناك.. أعرفك منذ أصبح للصبح طعم الفرح..وللوقت البهجة، وقد كنت نسيتها.. أنت اللحظة المباغتة، الجميلة التي ألتقي بها في صباحات كدتها لن تأتي.. لا تعتادي الغياب.. أنتظرك ولا أحب مواقيت الأفول…
بهجة الوقت والندى لمكان تتوسدينه في البعد, ولكنه يسكن قلبي لأنك من على شرفاته تطلين, يصلني نورك حيث أنا هنا في غربتي التي تسكنينها معي.. على الخليج شرفتي, وعلى المتوسط شرفتك.. صرت أنا وأنت والماء، في لحظات اتساع تجمعنا, تحضرين أمامي ومن حولك نوارس تحرسك, أحاول اللحاق بك أيتها البعيدة القريبة.. أنت هنا معي, أتحدث إليك ويأتيني صوتك هامسا, بلهجة لم يغيرها الزمان عنادا منك وحفاظا على هوية لا تملكين سواها, هوية تعاند الزمن كي تبقى وتظل ضد المحو..
وحزن هو لي.. علَّمني أني العاشق الهارب من طين الأرض التي تدور رغم أنها ساكنة.. ما بين رحيل الأزمنة وأنين الأمكنة صرت أنا الذي يكتب إليك حروفه النازفة، ووقت هو لي في لحظتي الأخيرة.. تتسرب مني سنوات عمري منذ عشت اغترابي وغربتي.. منذ توشحت بالرماد مدينتي..
هل يتذكر الوقت جحوده؟!.
هل يتذكر الوقت كيف ماتت ابتسامتي ومتى لفظتني شوارع المنافي البعيدة؟.
هل تأتيني لحظة أعود أدراجي وأهزم هذا الوقت وأصير أمسي؟..
هل يتركني الوقت لأسترد ما ضاع مني؟..
من هنا حيث تحضر كل مواقيتي الغائبة.. من هنا أراك امرأة وقد أصابها القهر من ألف عام.. هل لي أن أجدل من خيوط الشمس حكايتنا؟.. هل لي أن أفك قيود كواكبها وأطلقها في فضاء الكون, أعود أدراجي وأعيد ما تناثر مني من حروف الوجع…
“مما تبقى من الوقت يسكنني السهوم, تخايلني الدهشة وأنت تراني حيث أنت هناك ما بين بحر وبحر.. وبحر لا يشبه أي بحر.. أخذني الأزرق في أعماقه, أستسلم لموجاته الحانية, أبحث عن غاية ضائعة, طالعتني ورقة صفصاف وقد انداحت لصفرة باهتة, ورقة صفصاف وحيدة على صفحة البحر, أقبض عليها, أسكنتها في حنو راحة يدي, أعود بها, أجفف عنها ملح البحر, أدفسها بين حنايا أوراقي, ورقة وقد افترشت بياض صفحات لم تكتب بعد, ورقة صفصاف من بياض موجات مسافرة تصلني ومعها سر الحالة.. وأنت يا صاحبي تعرف حكايتي ونورس يسكن روحي, حين أراه من البعد يكبر الحلم في قلبي بأن نورس لم يعد وحيدا.. يتبعني في ترحالي, وفي خطاي.. تحدثني عن لهجتي وأنا التي كدتها ضاعت مني, ألملم حروفها لأسكنها حنجرتي, وكل من حولي لا يعلمون, أبحث عن قصيدة من كلمات, أذرف الدمع, قد تعيدني دمعات بطعم الملح حيث بيت لي كان هناك..
تسكنك الحالة, ومن على مقامات البوح تعلن عن هذا الحب الأبدي العاصف, هل هذا الحب لي؟!.. أم هو لمدينة نعشقها, صرنا نحن والمدينة في أنشودة عشق سكنت روح الأسطورة.”
“من على تخوم المسافات ترحل أرواحنا لتلتقي.. أتأملك فأجدني.. أفكر فيك فأراني.. أبحث عنك في مسارب الأمكنة المسافرة فينا, وفي الأوطان الهاربة المسروقة منا.. أجدك بنت قريتي التي كنت ألعب معها ما بين دروب جمعتنا.. أجدك أنت ولا سواك ترافقينني حتى تسللت سنوات العمر إلينا وعلمنا مأساتنا, نضجت عقولنا فكان لا خيار لنا إلا أن نحب وطناً تسرب من راحات أيدينا.. سنظل نحلم به حتى يعود أو نعود..
من مدن المنافي البعيدة نقتات على آلام لا تبارح أجسادنا المنهكة, ونحن من رحل عن دفء لا يعادله دفء الكون كله، وصباح هو لي يظل يبحث عن نورك.. من كوة ضيقة أتنفس باتساع الكون, يطل نورك, يحمل مهابة الدفء الذي لا أمل من طول انتظاره”
“من هنا يمر الصبح.. من هنا تشرق شمس لا تشبهها أي شمس.. هنا موعدي مع مولد كلماتك التي تعلن عن ميلاد صبح جديد”
***
صوت “علي خزام” يشق الفضاء في موعد سقوط المطر.. يزيح الغيمات يرنو لتراب وطن يضمه.. لبلادنا خرائط من لون الغياب, ولكننا لا نتوه عنها, لبلادنا شدو لا يغيب عن آذاننا…
“أنا “علي خزام” ابن “القرداحة” التاريخ…أنا علي يا أمي.. ما ترجلت عن ظهر حصاني.. ما هنتُ ولا وهنت… عدت لضيعتي لأرتاح قليلا وأغفو بين راحتيك.. اشتقت لضيعتي الحبيبة لدروب النبع, لسنابل القمح, لرائحة الطابون, لمساكن الورد, للطاحون, اشتقت لرائحة الخبز والتنور..
أنا علي يا أمي.. لا تبكي, لا تنوحي.. قولي لهم أنا أم الشهيد, هذا علي عريس الشام, أنا “علي خزام” فسامحيني إن فارقتك يا شام..
***
ومن وجع الحكاية يهمس قلبي، أناجي ليلا تنام في حضنه دمشق:
“آه يا دمشق.. إننا لم نخنك ولم نطعنك كما فعل كثيرون، وها نحن نستعد لنلملم أفراحنا لننثرها في ساحة الأمويين يوم انتصارك القريب..”
***
في بيت أمي صورتي.. ترنو إلى الفراغ حيث لا أحد، صار البيت لا أحد إلا من صورة معلقة على الجدار, يوم قابلتني عدسة التصوير كانت نظرتي ترنو حيث أمي, وصورة لي تتوسدها ملامح أمي.. في حبة العين.. في حبة القلب.. كيف لي أن أصل إلى ذلك الجدار البعيد؟!.. قد تدلني صورتي على حكايات ظلت على بهائها, هل صرنا نسكن الغيب؟!. نقطف زهرات البنفسج من حدائق تتوسد فقدنا, تراني بعين الحلم وكأنني أنا, تكتب عني, ترسمني على محيط الجغرافيا في مدن يسكنها الدفء والسلام, هل أكون أنا؟!.. أم أنها هي التي هناك سيدة البهاء والحضور.. هل نعود أدراجنا حيث مراتع طفولتنا لنجمع حروفنا, نكتب على الحائط الممتد أسماء عشقناها معا, عن مدن توسدنا ترابها, عن رائحة خبز جداتنا, عن عبق قهوة أمهاتنا, نكتب رسائل الحب… نكتب ذواتنا التي تلونت بالأبيض منذ عدنا حيث وطن هو لنا..
سيدتي أيتها الوردة:
“من وهج المسافات الفاصلة أحدق في اتقاد العينين.. ألملم فضتها وأنثرها باقات ضوء على اشتعالاتي المتعبة، وأستدين من بعض شقيقك وبعض ياسمينك لأرتق من عمري وأفتح مسارب دفء أغلق بها قيظ أيامي..صباح من إشراقة شمس بلادنا، وشمس لنا لن تغيب إشراقة ود تنادي..”
“كيف لي أن أحاذي حروفا هي من إشراقة الصبح وأنا الغافية على محطات الانتظار..”
“غاف أنا على جرح الانتظار والمسافات.. وأنت، أين أنت؟..”
“أنا هنا حيث هناك.. أرنو لبلدتي فتهديني جبالها الغارقة في ندفات غيم مسافر قد يحمل ما تبقى من حروف لم نكتبها بعد.. أنا هنا حيث أنت هناك..”
***
يوم التقيت وتلك الملامح التي توارت خلف نظارة طبية تشبه لحد كبير نظارة أبي، وشعر غزاه المشيب مبكرا, جلست أقابله من أمام النضد, فتح باب الحوار, كان أول عنوان لحكايته الباكية أن له مدينة غادرت جغرافيتها واسمها وساكنيها, مدينة لم يصلها دخان البارود ولا عرف أهلها مذاقاته ليستحيل لونها وشمسها وترابها إلى رماد, يجلس أمامي من دم ولحم, يهمس لي باسم مدينة كانت وغيَّبها المدى إلى شارع ضيق طويل من مخيم يضم ما تبقى من أشلاء الحكاية..
علَّمني أبي أن المخيمات تشبه بعضها وأن الأسماء لم تعد تهم, من مخيم اليرموك في سورية, إلى مخيم الشاطئ في غزة.. الوحدات في الأردن.. عين الحلوة في لبنان.. صبرا وشاتيلا.. الدهيشة والفوار في فلسطين.. رحل أبي بعد أن علَّمني ماذا تعني كلمة مخيم, وكيف أنتمي لأهله, وكيف أحمل لهم باقات الحب في قلبي, رحل أبي ولم ينتظر القادم إلينا, لم ير بأم عينيه كيف تشرد أهل المخيم للجوء جديد, وكيف تم تحريره من ساكنيه, هل كان قلبه سيحتمل ما آلت إليه نكبتنا حيث نكبات تتوالى علينا, هل كان قلبه سيحتمل أن نصير جميعنا في لجوء وشتات, كل من حمل أبجديته ينتظره لجوء وشتات.. عاد يهمس لي وكأن العالم كله يرهف السمع إلينا:
“أنا هنا أعمل على ضفة هذا الخليج, ألقيت بعيدا قسرا عن إرادتي خارج حدود المخيم, خرجت أمي شريدة وإخوتي إلى شتات جديد, لم يحتمل قلبها لجوءًا يلد لجوءًا أشد وأقسى, وهن جسدها, توقف قلبها, فاضت روحها بعد أن تركت آخر أمنية لها أن تدفن بالقرب من مخيم عاشت فيه طفولتها, وشهد حفل زفافها, وأنجبت فيه أبناءها, رحلت وتركت هاجسا وخوفا يكبر في قلوب إخوتي كيف لهم بالدخول للمخيم وأصحاب الرايات السوداء يعيشون على أنقاض حياة كانت بين جوانبه, لم يكن أمامهم من خيار إلا حملها إلى عربة نقل الموتى, قد يحالفهم الحظ ويوسدونها تراب المخيم, رفضوا دخولها وهم يلوحون بالسكاكين ومدفع الرشاش, توسلات إخوتي كبرت وعلا الصوت من دمع سال على الطرقات قالوا:
⦁ لا تعبروا بها على عربة نقل الموتى, اعبروا بها على عربة خشبية تجرونها
أذعن إخوتي لحالة صارت واقعا أسود, حملوا أمي حيث تراب يجاور المخيم, غابت مدينتها الحلم هناك وما كان حيلتها إلا أن تقبض على حلمها الأخير في لجوئها الأخير.. ساد صمت يجرح فضاء الحكاية..
رنوت إليه بحنو شفيف, طال الغبش زجاج نظارته, رفعها عن وجهه ليفسح للدمع مجرى قد يغسل بعضًا من ألم لن يغادر..
***
من حلب, كفر زينة.. غدا جسر الشغور.. إدلب.. حوَّامات ودعم ناري, جاء المد وقوة الإسناد, حيث وقف الجيش وجاهد لأجل صموده وعزته أما غرباء الوطن: قوقاز, شيشان, جميعهم في سهل الغاب يتربصون للجيش في ساحات الغدر, أصحاب الرايات السوداء يفرون من المناطق الجنوبية, من ريف درعا يصرخون, يستنجدون, لا أحد..
من الرقة إلى دير الزور إلى العراق, جميعهم يهربون وهم في حالة إرباك وفوضى وانهيار روح القتال, عائلاتهم لجأت لبلدة كفريا, الفوعا في إدلب ونبل والزهراء, فرار جماعي على كامل الجغرافيا السورية..
في “فلسطين” سقط الجدار عن الجدار.. هل ينهار كيان هذا الجدار؟.. هل صار للسكين ذات الحواف المسنونة معنى يزداد شمولية حين تتوغل في جسد من قتل وذبح وشرد.. هل صار للسكين معنى حين تبتر اليد التي تجتث جذور الحضارات من تدمر حتى آشور إلى كنعان..
تنثر “دارين عاقل” أنشودتها:
“لن نركع.. لن نساوم خلقنا وعلى أذرعنا البنادق.. خلقنا بلا مفاصل.. قادمون.. قادمون”
يتلقف “ناصر قنديل” أنشودتها، يردد ترنيمة عشقه الأبدية، ترنيمة تطل من قلب صبح طازج يحمل براعم الانتصار:
“يولد الفجر من خيط شفق وغسق وبينهما لمسة ضوء وندى وبراعم ياسمين, والموعد بين حلب ودمشق حيث تنتفض في القلوب نبتة برية تزهر دما اسمها “فلسطين”.. بورك جنوب العرب في لبنان، وجنوب العرب في فلسطين وجنوب جنوب في اليمن.. كل الجهات جنوب وكل الجهات فلسطين”
***
تكتب وردة من هذيان روحها:
“إلهام المزيني” تضج بأفكارها, تطلبها, ترسل إليها كل علامات الاستفهام والتعجب, إلهام صارت ترفل بخمارها الأسود, وملامح وجهها وقد توارت خلفه, لم يعد الأزرق يسكن عينيها, ولم تعد لها إطلالة كما شروق الشمس, تحكي لوردة عن صدمتها لأن تجد لها صور وقد أطلقت خصلات شعرها على كتفها, لم تقرأ ما تكتبه وردة, بل قرأت ما ظهر من هيئتها.. إلهام أغلقت صفحات قد تصل إليها حيث “وردة” كتبت على صفحتها أنها وجدتها بعد طول غياب، وستظل تبحث عنها من جديد”
هكذا أوصدت “إلهام” كل الطرقات التي تصلها بوردة..
***
سقطت من عيني دمعة، عدت إلى صورتي التي تجاور صورتها, غابت الملامح, توارت الأيام المنسية, عدت إلى ملامح زمن “أبيض.. أسود” وكيف أسندت رأسها على راحة يدها لتخطف منها عدسة التصوير زمنا لن يعود, زمن غلفه سواد من قتامة وقت يأخذنا إلى جب سحيق..
رحلت إلهام عني، وأوقات من روح البهجة قد أستعيدها من جديد في ملامح قد أجدها تشبه ملامح إلهام, قد أجد الأزرق يسكن عيوناً هناك لا تزال على حافة الانتظار..
***
“علياء النخالة” تشاركني حب الأثواب المطرزة..
⦁ أعشق الأثواب, يعجبني جمالها وتداخل الخيوط فيها, أقتني ما أستطع اقتناءه فلدي أكثر من خمسة عشر ثوبا فلسطينيا, مازلت أحتفظ بثوبي من يوم زفافي, سآخذه معي حين أعود إلى مدينتنا هناك..
⦁ علياء حبيبتي.. في خزانتي ثوبان: واحد منهما قديم على قماش حبر من الحرير الأسود, ثوب هو لي من أكثر من مائة عام, ثوبي يطاوي خيوطه ضيقة منمنمة, كلما اشتقت لمدينتي هناك أمر براحة يدي أنشد ملمسا قديما, أنشد وطنا عائدا، وثوب آخر هو آخر هدية من أمي, طرزته من خيوط تسربت ما بين أناملها, حمل أنفاسها ونور عينيها ودقات قلبها, حمل الفرحة لهدية الفرح التي ستهديها لي, رحلت أمي وبقي لي منها ثوب وخيوط, تشي بسر حكايتي معها, حكاية حب أبدي لا يفارق روحا شطرت من يوم رحيلها..
⦁ كل أثوابنا الفلسطينية جميلة يا وردة, ثوبي هذا الذي ترينه ألبسه وأنا على شواطئ “سان دياجو” “كالفورنيا” ثوبي هذا من شغلته هي أيدي فلسطينيات من مخيمات “لبنان”، من مخيم “عين الحلوة”..
⦁ سألتقط لثوبي اليطاوي صورة وأرسلها لك، وثوبا من يد أمي, ما أجمل ثوبك يا “علياء” تجذبني رسوماته وخيوطه التي تسربت من أعلى الكتف حتى الأكمام, وعلى الصدر وكأني أقرأ رسومات من زمن كنعان, تحكي حكاية مدن لنا لن يغيب نورها ولن تسقط شمسها..
غابت “إلهام” بخمارها الأسود،وعلياء أهدتني حياة بثوبها الذي طرزته نسوة من عمر حضارة كنعان.. توارت إلهام خلف المدى حيث غياب أبدي.. جاءتني علياء الهدية الأجمل حيث أثوابها وروحها المتقدة بالنور والجمال, وحيث أنا هنا لا أمل الجلوس على محطات الانتظار التي تهديني روحا من نور الحياة..
***
“سلمى ديبو” ولدت ولم تر “غسان”، ولم تر أرض البرتقال الحزين, تشطب ملامح وجهها, تغيبها من خلف المدى, ترسم ملامح غسان وهو ينفث دخانه, ينفث حروفه التي صارت نقشا على جدار الذاكرة..
“سلمى” تعيش في “اللاذقية” تقضي أيامها وعمر صباها تبحث عمَّا تبقى من حروف غسان وكلماته, تجاهد الحياة لأن تصلب عودها, تجمع ورقات نقدية, تحصي أرقامها, وتذهب بعيدا في حسابات الوصول حيث غاية تنشدها, هل تكفيها ورقات نقدية تجمعها لرحلة تأخذها الحافلة إلى “بيروت” حيث مقبرة الشهداء هناك, لا أحد يعلم أن “سلمى” غايتها مقبرة يضم ترابها “غسان”.. لا أحد يعلم أن باقة ورودها لا تحملها لحبيب غائب, ولن تهديها لصديق اقترب عيد ميلاده, ولا لصديقة تعافت من ألم أصابها, تدفس ورقاتها النقدية في جيبها وفي يدها الأخرى باقة ورد من لون حبات الكرز, ترنو ما بين اللحظة واللحظة لوردات تحملها, تخاف أن يطالها الذبول قبل وصولها, وتطمئن روحها أن لكل قبر ستوسده وردة, ترنو لأفق شارد, ترحل بابتسامتها صوب الشمس, يرافقها الأمل للوصول لمقبرة الشهداء, توسد ورداتها قبر “غسان” و”ماجد”..
وفرحة تجتاح قلبها لأنها ستخبر “وردة” التي هناك تلتحف الغياب حيث مدن المنافي البعيدة, وأنها ستطلبها على هاتفها وتهديها البشارة أنها وصلت حيث غسانوماجد، تلقيها حافلة على أول الطريق الممتد ما بين دمشق وبيروت, تهب عاصفة ترابية, تلملم خصلات شعرها, تضم ورداتها إلى صدرها, تحث خطاها وحيدة, وجهتها تراب يضم غسانوماجد..
في قلب “سلمى” حجرة واحدة مساحتها “رجال في الشمس”، وغاية “سلمى” طريق واحد تحث خطاها إليه من كل عام حيث “غسان”.
يرن هاتفي:
⦁ أنا سلمى.. ما أسعدني وأنا أسمع صوتك وردة حبيبتي..
لم تمهلني ردا.. تكمل سرها الملون بالفرح:
⦁ وردة.. أنا هنا أمام قبر “ماجد”.. لن تصدقي إن قلت لك أنه يجاور قبر “غسان” في يدي وردات من لون كرز سورية سأوسدها قبرهما.. هل تصدقين أن “غسان” دلني أين يرقد رفيقه, لم أتعب في البحث عنه, وجدتني أقف أمام قبر ماجد وفي يدي آخر وردة…
رنوت لموجات تلاحق بعضها, و”نورس” وحيد يبحث عن دفء أيامه الآفلة.. أنا و”سلمى”،”ماجد” و”غسان” في بيت قصيدة لم تكتب بعد..
غابت إلهام، وبرعمات وليدة تكبر في خاطري وروحي..علياءهناك، وسلمى هنا، وكل يكتب ما تبقى من قصيدة عشقه لوطن هو لنا
وأنت يا صاحبي هناك تنثر لي كلماتك حيث أنا هنا، تقول:
“إن لي صبح أشرق عليك قبل أن تلتقي بي.. صبح ما أصابه تعب… يحن إليّ ويبحث عني، وإن كل الوقت لي”
وأنا أبحث عن صباحات الأمس فلا أجدني, أبحث عن مواقيتي التي صارت على طزاجتها فأجدني في موعد مع الصبح حيث أنت هناك.. ترنو للضفة الأخرى من بحر يختزل نأي المسافات وكأننا نسابق الوقت من منا سيشهد إشراقة يوم هو لنا؟
هل غاب الوقت؟!. أم عادت عقارب ساعاتنا إلى الوراء؟ أم هي بدايات لرحلات بعيدة في أرض غريبة.. من هنا ومن خلف زجاج نافذتي سافرت موجات البحر, هدأ هدير الموج وبحر يرقب طيورا مهاجرة من صقيع الغرب تبحث عن دفء في مطارح لنا, ونحن لا نكل نحث الخطى بين الدروب نعيد ترميم ما تكسر في ذوات الآخرين, نجاهد لأن نبقي في حجرات القلب مساحة من نور تزيح عتمة أيامنا..
هل غاب الوقت؟!.. هل تعود عقارب ساعتنا للوراء وتوقف دورة الزمان وحالة صرنا إليها لا تطالها نوات قادمة, نقتات على الوقت في محطات الانتظار..
“سيدة المكان والزمان أنت.. سيدة الوقت حين لا نجده إلا متسربا من راحات كفينا باتجاه مغاير لكل رغباتنا وأحلامنا.. أين وقتنا الذي كان؟!.. أين زماننا الذي غاب وغيَّب الأحلام والناس والأحباب..زمن غائب، ورغم ألم الغياب حملناه في عقولنا ووجداننا،يرحل معنا حيث نكون، حيث مدن من صقيع وشوك وصخور.. نلوذ من صقيع لدفء نستعيده من حبة القلب وحبة العين، ونورس يقابل نافذتك.. تلاحقه موجات بحرك, يبحث عن دفء مغادر, هو مثلنا يبحث عن وطنه, ووطنه الدفء, يهاجر لأجل أن يجده هنا أو هناك, ونحن يا سيدتي كما نورس هناك, نهاجر ووطن في ذواتنا المنهكة, نبحث عنه, لا نجده, هل لك أن تمنحيني بعضا من وطن أبحث عنه فيك..
كوني دفئا.. كوني وطنا حتى وإن غبنا وأتعبتنا طول المسافات في البحث عن وطن نتفيأ دفئه..”
“قلت لي أنك سافرت إلى بلاد لا أعرفها, ركنت إلى الصمت وروح الفقد تتسلل إلى كياني الذاوي, ما حيلتي حيث أنا هنا وأنت هناك, حيث مدن لا تحمل شارات الوطن ولا روح زهراته, لا نهر, لا ينابيع, لا تلال, لا جبال, لا شئ..
جلست أرقب كل مساحات الوحدة والخواء, طالعتني أوراق كتبناها معا, مددت لها يدي, أسمع وجيب قلبي وأنا أقلب الصفحات, أقرأ حكايتنا ما بين التماهي في دروب الألم, وما بين الأمل في صباح يهديني حروفا من حكاية هي لنا, ما أدهشني أن حروفنا انداحت إلى أنشودة هي من روح الملحمة التي سكنت أساطير ذلك الزمان, لن يستطع أحد أن ينتشل كلماتك من بحر ما كتبناه, أعيد ترتيب المقاطع أؤكد لنفسي أن هذه كلمات كتبتها لك, ثم أعود مرة أخرى أؤكد أن هذه الكلمات هي ذاتها ما كتبتها لي..”
وأنا أقول لك يا سيدة الحكاية أننا حين نكتب بحبر القلب وبدم الحنين, تختلط أوراقنا وتتبدل في صندوق حروفنا والتي تمنحنا الدفء الواحد, ولأنها من عمق ما وحدنا حين اكتشفنا أنفسنا أننا في يوم جمعتنا حروفه وآماله, غربته, آلامه, جميعها واحدة, تتشابه الحالات, نتوه فيها, لا نعرف من منا الآخر, أما أنا.. يسكنني يقين أنني أعرفك.. أنت هنا, في عمق روحي, وقلب قلبي, ليس في المكان أو الزمان بل في كل حالات أصير إليها, إن وجدتني أشبهك وأنت مني, نحن المكان الواحد والزمان الواحد, أنت هنا, كل الوقت, بطول الأمكنة وبحجم المدن التي لنا هناك..
سيدتي، وان ابتعدت, وإن سافر بك الوقت, أنت لا تغادرين, همسك، كلماتك, سمتك, نظرتك الحنون, كفك الأبيض يحتوي نهاراتي التي لم تأت بعد..
***

“كوني دفئا.. كوني الوطن..”
هي كلماتك يا سيدي, أحار بها وتحيرني, يطل عليّ أبي الذي ترك مدينة التين وقطوف العنب, حيث مدن المنافي البعيدة, لم يكف يزرع داليات عنب قد تشبه ما كان له هناك.. ينشد دفئا غائبا في قطوف عنب حباته شامية، وأنا هنا كما أبي الذي أنهك الفقد روحه وقلبه, كيف لي أن أحمل دفء هذا الوطن وجسدي وقد احتله صقيع الكون وعتمة غروبه..
في أوقات يتسلل إلى جسدي الوطن, أقيم طولي, أدق بأقدامي على الأرض, أرنو للكون في نظرة عنفوان, أقبض على الوقت, على الذاكرة, على التاريخ، وأوقات أركن للفراغ.. أصير لا شىء.. يوم التقينا هل كان لي همسا مغايرا, ونبع حنان لم يطاله الجفاف.. هل مازال فيضا يسكن قلبي.. راحة يدي بيضاء حيث وطن يحتلني ولم ولن يغادر؟؟
أنت سيدة الوقت والزمن والحلم والأمل، وفروق ما بين البشر كما الأمكنة, هناك أماكن تلونها أطياف البهجة, برتقال وورد.. وأخرى من رماد وتصحر وجفاف. التقيتك قبل أن أراك, حيث وطن ساكن فيك ولم يبارح, تمضين بهالة النور, تصيرين شعاعا لا ينطفىء..
أبحث فيك عن ظلي ودفئي وأنا العارف أنه المحال, ما حيلتي وأنت المرأة الاستثنائية, فيك وجدت فيئا وظلا.. فيك أنت يا سيدة الحكاية وجدت الوطن.. كوني كما استشرفته من زمن الغياب, كوني همسه الشفيف الذي يهديني أنشودة الحلم الغائب, افتحي نوافذ النور لنوارس قادمة تحمل بين حنايا ريشها دفء أوطاننا التي هناك…
نحلم والنوارس ببياض الفجر، كوني كما يليق بك، وكما أردت ذاكرة وتاريخ. امنحيني بياض النور كي أصل لوطن كدته غاب ولن يعود.. امنحيني دفء السكينة كي أقيم طولي من جديد وأواجه أعداء الحياة الذين يتسللون إلى قلوبنا المتعطشة للدفء ويبثون صقيع غدرهم وجرمهم..
***
هو مساء يطل علينا من ترنيمة الغياب، وأنت تقول لي أنه من فيض نور ياسميننا الدمشقي، ووردات جوريات يحملن نبع الحنان وداليات عنب زرعها أبي لا تزال على عهدها في زمن الانتظار على محطات الغياب، ومحبة وشوق بحجم المسافات البعيدة..
من شرفتي البحرية أودع نهارا وأستقبل نهارا.. أحسب أيامي من حروف أكتبها, هي كل ما أقتات عليه في كل مواقيتي, تؤرقني الفكرة وتعذبني الحكاية, أبحث عن مسرب يأخذني للضفة الأخرى من النهر, قد أستعيد بعض ما تبقى من وقت قد يكون لي..
تعود وتعزف على أوتار الوجع, ساردا تبحر في حالة تشظٍ صرنا إليها، وأن صبحا يشتاق لنوري ولكل أمكنة أنا فيها, وإن نأت المسافات وضفتانا المتباعدتان بينهما بحر باتساع ألف ميل, لكن ما يجمعنا هو دفء واحد يتسرب إلينا, يجمعنا حيث كنا, وحيث تبرعمت أحلامنا, يجمعنا حيث هناك.. أنا وأنت، في مدينتنا التي سنلونها بأطياف من ألوان قزح.. نزيح ما تراكم عليها من رماد الحكاية الموجعة, ونعود نسكن الحلم الذي كان..
***
في الفراغ فككت حرفا من حروف الأبجدية واتكأت على الغياب, قد تتحرر الأشياء من تاريخها.. خذني إلى سنواتي الأولى، لولا السراب ما مشيت إلى تلال سبعة، وربيع أخذ من المكان، وأورثوني قمة البركان.. من غبار الظهيرة تحمل النعوش ملأى بأشياء الغياب, قتلى مجهولون لا نسيان يجمعهم ولا ذكرى تفرقهم, منسيون في عشب الشتاء على الطريق العام بين حكايتي البطولة والعذاب..
كانوا صغارا, يقطفون الثلج عن سرو المسيح, ويلعبون مع الملائكة الصغار, إنهم أبناء جيل واحد.. يلعبون مع الجنود على الحواجز لعبة الموت البريئة.. أحلام ضيقة على أبوابنا, صغار يلعبون ويصنعون حكاية للوردة الحمراء تحت الثلج.. خلف حكايتين طويلتين عن البطولة والعذاب, يهربون مع الملائكة الصغار إلى سماء صافية..
من اللاذقية حتى سهل الغاب، عطشان, اسكيك, تتناغم الجبهات في ريف حماة للوصول إلى تخوم إدلب، ومعركة معقدة، وللمعركة أبعاد كبيرة.. حرب تكسير إرادات لاستعادة إدلب من معقل أصحاب الرايات السوداء..
“دارين عاقل” وأنشودة نصرها.. تلوذ بزهرة ياسمين, تهتف من نور قلبها: “ما زالت لي ولك.. ياسمينة دمشقية هي شامنا”، وصديق لها هناك يعزف على أوتار من بيت القصيدة “بل هي نابلسية، هي دمشق الصغرى كما سماها “ابن بطوطة”..تنثر ورودها, وسل ياسمينها يتأرجح على ساعدها, تجوب شوارع مدينتها الغافية على دمع الحكاية, تعلي الصوت: “شامية نابلسية.. هي شامنا الحبيبة”
***
من وردة الغارقة في حضن الغياب، ترسم نهارا مغايرا, يسكن بين جنباته بعضا من نور الحياة.. يكتب إليها:
⦁ كأنك أنت حين أتأملك.. هي أنت..
⦁ هي أنا.. وهي الصورة الأحب إلى قلبي, أمي علقتها على جدار بيتنا هناك, ودوما ما تذكرني بحكاية صورة هي لي, وما قاله المصور الهندي أن ابنتها سيكون لها شأن ما..ظلت أمي على حلمها وحلم الانتظار, أنا مازلت أقبض على مواقيت البهجة بلقاء كان لنا وان تأخر كثيرا ولم يكتمل.. كم هو غريب هذا الزمان, زمن يختار مواقيته ولا خيار لنا إلا أن نحث الخطى, نكمل ما تبقى من رحلة العمر بمفارقات قدرية لا حيلة لنا فيها..
⦁ هو القدر يا سيدتي. نستسلم له في هدوء وصمت, قد نكمل فيه بعض رجائنا وقليل من احتياجاتنا التي صارت عصية علينا, نلوذ من بوابته لسكينة ورضى, وتعلقنا أن يكون لنا أحد هنا أو هناك يعزف على ذات القيثارة التي قاربت خيوطها لأن تذوي من كثرة العزف عليها.. ما بيننا جسور ممتدة من وطن بحجم الجغرافيا والزمان قد نجد في ما نحن فيه مرثيتنا في وحدة ومنفى لا نهاية لها.
***
في أوقات كثيرة كنت أعاند القلم والنظر إلى أوراق تناثرت من حولي, أقاتل الفراغ فلا أجد إلا أنا, تركت مفرداتي الصغيرة وأنا العاشقة لها, هجرت روايات عشت بين أوراقها, وحكايات أحببتها, كنت أطيِّرها في وجه الريح وأطير صوبها حيث يسكنني فضول إلى أين ستمضي وأين ستحط كلماتي, أعاند الوقت قد يرق لحالي ويهديني البهجة وروح الفرح, خرجت من دائرة اهتماماتي كل منمنماتي الصغيرة والتي كنت أقتفي أثرها لأكتبها, بل هي التي تكتبني وكأني أنا التي رحلت عني وصرت لا أعرف كيف أستعيدني من جديد..
استسلمت لوقت الحالة, صار يومي يشبه غدي، وغدي صار أمسي, مثقلة أنا يا صاحبي بالهم, لا أعرف كيف أرده عني, أفتح كل محطات التلفاز على أخبار أدمنتها, أقرأ مواقيت وداع الشهداء, وأساطير البطولة, تمر بي وجوه أبطال لتسكن قلبي وروحي ووجداني ولا تغادر, غابت عني روح الموسيقى, غابت عني أطياف من ألوان قزح, أقتفي أثر الأخبار قد تدلني على موعدي مع نهايات أرنو إليها, صرت أبي والذي كنت أعجب لحاله ولمحطات أخباره, عقلي يضج بجغرافيا الزمان والمكان وبإشكالية الإنسان فيها.. التقيتك على بياض صفحات لم نكتبها بعد, لا أعرفك.. لا تعرفني..كنت أكتب للغيب قد يصالحني على زمن تسرب من أعماقي.. هل أعود لأشيائي التي أحببتها، إلى منمنماتي الصغيرة، إلى فنجان قهوتي الوحيد،إلى صبح كان لي وتسرب من روحي, هل أعود وأشتاق لغدي وأنا التي أجدت الهروب منه..
لا تعجب يا صاحبي إن قلت لك أنني أراك هناك على حافة البحر الغريب في منفى بعيد لا يستطيب لي.. منفى اختياري هو.. قسري هو.. أنت في بلاد لا ترحل إليها نوارس بحرنا، ولا تشتم هواءً بحريا مفعما برائحة اليود, ولا تلفح وجهك نسمات نهر لا يكف عن شدوه لإيزيس وأوزوريس, شدو يراقص أوراقا من شجر صفصافنا.. تسكنه عصافير تصفق بأجنحتها من نبضات قلبها، وطين بلادنا الذي أنبت عظام أجدادنا..
⦁ أنت يا سيدة الحضور والبهاء, أنت هنا, وهناك أنت، وفي منفاي نحن سويا, أنت يا من كشفت قهري وشجني وحيرتي, ونوراسي التي تلونت بالخيبة تقف على حافة الوقت تنعق حظها الذي هو حظي وغربتي ومنفاي.. تعالي نلتقط أنفاسنا على محطة وحيدة وربما أخيرة, نفتح محطات مغايرة, قد نجد إجابة في لماذا وكيف أصابتنا حالة واحدة؟!.. من هنا من أعماق ألمي أجد نفسي حيث أنت.. أنتِ يا سيدة البهاء منفاي وسكني الذي ألوذ فيه من صقيع يسكنني..
***
أقرأ كلماتك يا صاحبي الذي هناك، تدعوني لقنوات مغايرة, وأنا التي أدمنت حكايات الحرب وصوت رصاص البنادق, ولهاث الجنود في صولاتهم, أتتبع خطاهم, يأخذني الفضول لأعرف أنواعا لطعام يصل إليهم, زيت زيتون, وخبز الطوابين البعيدة, وكوب شاي وحيد قد لا تصل إليه يد مقاتل لم يسعفه الوقت لشرب كوب شاي وحيد وأخير..
أقرأ من على شاشة التلفاز عن “عين غزال”, “سلمى”, “ريف اللاذقية”, “دير العصافير”, “مرج السلطان” في الغوطة الشرقية..
من عين غزال يطل عليّ “د نزار بني المرجة” وبيت القصيدة “نام الغزال.. لا توقظوه.. لا تقلقوه.. نام الغزال..” هل تطل “عين غزال” من جديد ونور من بشائر النصر يقترب إلينا, يفترش الساحات حتى سهل الغاب, جبل الزاوية, ريف اللاذقية، دير الزور،إدلب, حماة, حلب، دمشق.. هي محطات أخبار أراها وقد تلونت بشارات النصر..
وأنت يا صاحبي حيث أنت هناك هل نضبط ساعة الوقت على حروف تأتي إلينا ضمادات لجروح غائرة.. كيف لنا من راحة؟!.. تعبنا ولم نصل لطرقات تدلنا عليها, حتى صار الألم والتعب وصولات التحدي وروح الانتصار تسكن كياناتنا، وخيبات عاهدنا أنفسنا لئلا تصل إلينا ولا ينفذ سهمها إلى كياننا..
كيف لنا براحة، ونحن نعيش ساحات قتال دون سماع لطقطقات السيوف ووقع لطبولها, نعاهد أنفسنا لأن نقف في وجه العاصفة, نبقى على عنادنا, لا نلين ولا نهادن.
الراحة والسكينة غادرتنا, تهنا عن محطاتها, ولم يبق أمامنا سوى محطات الأخبار, هي لي ملاذ لأنشودة ضائعة, كيف لنا أن نغادر محطات الأخبار ونحن ما زلنا في عين العاصفة, قد نستطيع أن نشحذ قوانا, نذود عن أنفسنا، عن أهلنا, عن وطننا من ترديات الوقت في زمن صار إلى تيه ممتد, نحن هنا نستجدي ساعة الوقت في ساعة وحيدة وأخيرة, قد نستعيد منها بعض ما نرنو إليه من نور يعيد لنا أرواحا غابت وكدناها غادرتنا..
***
⦁ صباحك من دفء وحنان الياسمين.. للياسمين مواعيده, كما للدروب مواعيدها, نرنو لموعدنا على حافة أوراق الورد, تطلين يا سيدتي بسمتك الحنون فيطل الوطن..
⦁ أنا كما الوقت, يمضي بي وأمضي به, لي منه بعض من سويعات أستعيد منها بهاء الروح وسكينتها.. من حافة أوراق لزهرات الحياة, من برعمات لن يطالها الجفاف تكتب لي.. تكتب لوردة التي هنا والتي هناك.. هي عناوين لحكاية تلونها بالفرح, قد تصلني, تهديني باقة من حروف هي الهدية الأجمل منك. صباح يطل من عبق فنجان قهوة وحيد وليس بأخير..
⦁ ساعة وقتنا لم تحن بعد كي تعيدنا من جديد لطرقات نبحث عنها..طرقات تعيدنا لحضن شجرة زيتون أو برتقال.. لحارات كانت ورحلت عنا.. إلى أهلنا وبلادنا.. أعيد ما تبقى لي لأكتب إليك.. أنك أنت زماني وماضيَّ وأهلي.. أرى فيك كل ما فاتني وكل ما ضاع مني.. متى تأتين؟.. متى تطلين عليّ من حيث أنت هناك، لنعيد زماننا الذي مضى ونعدو بين دروب قريتنا التي مازالت تعيش فينا, نقطف حبات التوت، ونرقب موعد قطاف زيتوننا..
⦁ هل غاب الوقت عن الوقت.. أين كنت أنا؟ وأين كنت أنت؟!. وكأن مواقيتنا تهرب منا, ثم ما تلبث أن يجتاحها يُتم وصقيع وضباب, حيث اللاشيء, تعود أدراجها تنتظر ساعة الوقت التي لا يعرفها سوانا, نكتب عليها كيف تدور بعقاربها, ثقيلة هي, وقد ناءت بأحمالها, وما أن تأخذنا إليها حتى يصير الوقت في اللاوقت.. وقت أبدي من روح أسطورة نكتبها, نطيِّرها في وجه الريح, ننقشها على الحجر, على مطارح أقدامنا حيث هنا حيث وطن هو لنا.. صديقتي من بلدتي التي تتوسد جبالا شهدت عشقي وهيامي لترابه, لحواف صخوره, لشجر زيتونه, لحبات مشمش كنت أجمع نواه في كف يدي, أفتش عن مطارح لأدفسها في طين الأرض وأزرعها لتكبر وتهديني من ثمرها, صديقتي هناك تهمس لي بأن تخيط لي ثوبا كنعانيا ستحمله إليّ هدية حيث أكون.. كنعان تسكنني, تلاحقني, كنعان تقاسمني أنا وأنت كل مواقيت ساعة الوقت.. ثوب كنعان من خيوط الحرير, سيأتي إليّ يحمل بشائر انتصار قادم سيعيدني حيث هناك، حيث تراب الوطن..
⦁ ساعة الوقت تنتفض من جديد، تدق ترنيماتها الحزينة، قد تصل لزيتونة عاندت قهرها. سنظل نحمل الحلم, نرنو لأماكن غرسنا فيها نوى المشمش وحبات الزيتون.. في جغرافيا الذاكرة ألمح حارتنا وشجرة التوت والساقية ودالية مترعة بالحنين.. وأنت يا وردة لاهية بألعابك وشغبي ومشاكستي، رغم أنك لست من قريتي ولا من حارتي، لكني أذكر أنك كنت أنت.. أننا التقينا، وفرقتنا الأيام والسنين لتجمعنا مرة أخرى على دفء وحنين وشوق.. متى تأتين كي نعود معا إلى مواقيتنا ودروبنا وألعابنا..
⦁ تدعوني إلى وقت كان لنا، وإنني هي من كانت تشاركك المشاكسة والمشاغبة،والتي كانت تقبض على خيوط الخيال, تنسجها من حكايات ألف ليلة وليلة, والتي كتبت عن زمان كان لها, كنت أنت وليس سواك بين رفاقي في شارع بيتنا الطويل, أنا التي فتحت حجرات الذاكرة, أنا التي تكتب حروفها, أنا هنا.. أنا هناك.. كدتك يا صاحبي غافيا عن زماننا, كدتك نسيت الحارة والبيت القديم, شجرة جميز نتفيأ ظلالها, ساقية لا تكف تدور وتنثر أهازيجها من مرثيات حضاراتنا الغائبة, رائحة الطوابين التي تسكن صدري, أتنفسها حتى وإن غاب خبز أمي عن مذاقاته, مصطبة جدي وأرجوحة العيد في آخر حاراتنا المنسية, اليوم نستعيد بقايا الأسماء والحكايات, نستعيد ترنيمة وطننا, أخاف أن تعود الوحشة وتسكن قلبك وأنت العائد القريب لحضن وتراب هذا الوطن. أنا هنا يحط على قلبي السهوم, هل صار لي رفيق يقاسمني ذات الهم وذات الوجع؟! وأنا التي عرفتني طرقات المنافي البعيدة والتي أمضي إليها وحيدة وأعود منها وحيدة..
⦁ أيتها الوردة التي من روحها أتنسم شروق الحياة، عائدون، أقسم أننا عائدون, حتى وإن فارقت أرواحنا أجسادنا المتعبة, حتى وإن بعد الجسد عن تراب الوطن إلا أننا منه والعاشقون له, عشق يتماهى حنانا ودفئا، أبا وأما وجيرانا.. ألعاب صنعناها براحات أيدينا: خشب, صفيح, عرائس من طين الأرض، وقطن من روح الأبيض نجمع فيه أحلامنا التي تدلنا على طريق عودتنا.. أنت أيتها الوردة الأجمل في حجرات ذاكرتي البعيدة, هي أنت التي كانت تصاحبني في العدو بين الدروب, ما بين توتة وساقية وشجرة زيتون, نتعربش على داليات العنب, تتسابق أكفنا في التقاط قطوف حباتها شامية. نحن من بقينا في وجه العاصفة, نرفل بالحلم.. حلم المكان والزمان. نعيش أنشودة العودة رغم الغصة التي لا تبارح أرواحنا من مناف لا تكف تثقلنا بصقيع يحيلنا لحالات من التشظي, نلملم ما تبعثر منا, نجاهد لعودة قريبة.. نمسح عن وجه مدننا رمادا من وجع الحكاية, نحيلها إلى روح الأبيض, إلى الأخضر من زهرات لوزنا وزيتوننا.. نعود نفترش ظل شجرة جميز.. نقتات على ظلال غابت وعادت إلينا من جديد تمسح عن وجوهنا لهيبا كاد يحرق جلودنا ويقضم من أعمارنا..
***
أودع نهاري بكلمات أطيرها حيث أنت هناك، موعد هو لك مع شروق نهار آت،وأنا لي موعد مع أفول نهار مسافر.. أنا العاشقة لغروب وليل مضرج بعتمته, أزيح بعضا منها من حروف كلمات أكتبها إليك لا أملك سواها. وقت تسرب مني، غيب عني رفاق طفولتي البعيدة, تأتيني أنت بباقة من زهرات ربيعنا.. إنها الحلم، تروي لي تفاصيل حياة عشناها معا, تختزل كل المرايا وكل الصور في حكايات لا يعرف كيف تروى سوانا.
كدتني في طفولتي وفي صباي وحيدة, أصاحب الخيال, وروح المغامرة, لا أحتسب للأخطار, دوما ما أندفع نحو التجربة بروح جسورة, عقلي يقودني على مدارج الخيال, أذهب بعيدا, وأعود على ذات الممر الطويل لحديقة بيتنا, ألتقط أنفاسي تحت شجرة برتقال زرعها أبي, أجمع قواي وكأني على موعد مع غد يلاحقني حيث مغامرات تتجدد في عقلي, كنت أظنني وحيدة لا يراني أحد, وأنت الذي رافقتني بين الدروب, تأخذني الأحراش بعيدا, تذيبني بين حناياها, يجتاحني الفضول, أراقب كل الموجودات من حولي, أتبع الحشرات لأعرف من أين تبدأ رحلتها, كنت أخاف “فرس النبي” أخاف لأن يحملني بعيدا ويحط بي حيث أرض غريبة, ولا أجد من يعيدني من جديد, هي تفاصيل من منمنمات طفولتي على تراب وطن لا يزال يسكنني, وأنت ما بين توتة وجميزة, ما بين ساقية ودالية عنب آثرت أن تمضي, فغيبتك طرقات المنافي البعيدة..
مضيت لمحطة لن تكون الأخيرة, مضيت لبلاد تتوسد البحر ولها من لهيب الشمس ما يلسع بياض العين, وعين لا تسدل أهدابها عن ماض قريب آت إلينا وكأنه وليد على برعمة حياة هي لنا..
“من على دروب قريتنا الجنوبية أعدت لي عبق لرائحة برتقالة تلونت من خيوط شمسنا الذهبية.. تعيدينني لمذاقات الدفء حين كانت تضمنا ظلال أشجار وطننا, حنان يضمنا يحمل قطرات من الندى الرطب, فراشات ونمل, طيور عابرة تلتقط أنفاسها لمواصلة رحلتها في فضاء الكون.. يصلني صوتك تناديني كي لا أبتعد ويأخذنا تيه جديد, أسمع صوتك لأن آتي إليك لصيد حشرات, ضفادع, قنافذ وثعابين صغيرة.. حروفك تسكن قلبي وأذني..دوما ما تتحدثين بلغة العارف عني.. هو مكر برئ يسكن عقل وقلب وردة. كم أفتقد هذا الشغب وهذه المشاكسة, أقنط هنا في وحدتي وهم غربتي.. أخاف أن يضيعك الوقت مني وأنا هنا لائذ في ضعفي وغربتي.. أخاف أن يضيعك الوقت مني وأفقد آخر أوراق من هويتي.. كم أخاف.. كم أخاف.”
“من صبح طازج مضمخ بالبهاء تعيدني لحكايات لم تغادر ذاكرتي والتي ألملمها من فضاء الكون خوفا عليها من عبث سنوات ووطء زمن ثقيل.. هو قنفذ وحيد أسكنته آخر رف في خزانتي, أضبط ساعة الوقت في كل يوم بعد عودتي من مدرستي لأقضي بعضا من الوقت وأنا أتوسد بلاد الدار, أفتح بحرص شديد الرف الأخير, أراقب تحركاته وعتمة صار فيها, أدفس إليه وبحذر أوراق الخس وبعضا من ماء, لا أكترث بوجبة الغداء, يصلني صوت أمي مهددا بأن يأتي الغد وحين عودتي من مدرستي ستطلق سراح هذا القنفذ حيث حديقة بيتنا, ينفذ إلى قلبي سهم من وجع, يسكنني حزن وخوف من ما ستفعله أمي حين تطلق سراح قنفذ هو لي..
إلى وقتي هذا كلما مرت بي كلمة قنفذ أعود بذاكرتي البعيدة وقنفذ وحيد أطلقت سراحه أمي ليعيش في الدغل تائها عني, ومن وقتها غاب قنفذي الوحيد وما كان يجلب الصبر إلى قلبي أنه صار حرا, صار يشبهني وأنا أجوب الدروب ولا أحد يوقف خطواتي, ولا أنكر أنني أحببت قنفذا وحيدا رغم أشواك يحملها فوق ظهره, تنغز راحة يدي كلما مررت بها حانية عليه فأغرق في بحر أشواكه.
أنت حيث أنت هناك يسكنك القلق والخوف لأن تفقدني ونحن مددنا جسورنا على كل أسباب الفقد والغياب.. نحن الغائب الحاضر يا سيدي.. سر وجودنا من سر غيابنا…. ليلة الأمس مرت بخاطري فكرة..يوم تحزم حقائبك من شوق ينهش فؤادك لعودة حيث الوطن, تحزم حقائبك عائدا حيث جميزة وساقية وشجرة برتقال, ظل لدالية عنب, سيحملك الوقت في مدى زمني هو ساعات..
أما أنا التي تكتب إليك أقتات على شوقي وعذابات فقدي, لا حقيبة سفر تطاوعني لأصل بها، لا طائرة تعرف مطاراً تصل إليه, ونهر قد يحملني جف نبعه, صحراء ممتدة قد أصل آخر حدود لها, حيث أرض العنب والتين, سكنتها رايات سوداء تعصف بكل قلب محب عاشق لتراب وطنه..
أنت تناشدني عدم الغياب وأنا التي تلتحف كل حروف الغياب, حيث اللاشيء..
***
يصلني صوت “دارين عاقل” وهي تشدو بأنشودة الانتصار، وأنا أحث الخطى حيث تكون أردد معها:
“ونصر كتبناه على جبين الشمس، نجدل من خيوطها جدائل تحمل كل حكايات البطولة”
أضم دارينإلى صدري.. أدقق في ملامحها, أجدها وطنا, أجدها سورية, من إشراقة صبحها, من عنفوان نصرها.. “دارين” أخذتها طرقات المنافي البعيدة, تعود لشامها من جديد, تنثر حروفها على طرقات قريتها, تبوح بسرها أنها تستمد وجودها من بين سطور تكتبها..
كم يخاف قلبي على حزن لا يريد أن يغادرك، كلما غبت تعودين لتجمع دمع حكايات من ملح الأرض, هل لي أن أقص عليك حكاية “فادي عمار زيدان” له صورة وحيدة وقد علقها على جدار بيته, عينه وقد سكنها سهوم الوقت المغادر, يحنو عليه علم بلاده, علم له عيون خضراء..
“فادي” لم يكن جبانا, ولا خائنا, تطوع في الجيش, قدم أوراقه لمطار حماة, لم يكن مطلوبا لخدمة إلزامية ولا احتياطيا.. آثر الوطن على روحه, ظنت أمه أنه المسافر غير العائد, تتوسد الهواجس في عتمة ليلها, هل خطف فادي؟.. هل استشهد كما رفاق له؟..
“فادي” أطل على شاشة التلفاز يقف وحيدا مكبلا أمام مجنزرة تحمل راية سوداء..”شادي” لم يقل لأمه كلمة وداع.. دهسته مجنزراتهم.. وغرست أشلاؤه في تراب وطنه.. هي حكاية نكتبها كما “ميرابو”، و”غسان”، و”فادي”….”
***
“وحكاية لنا بدأت منذ عقود بعيدة، قرى تقاوم الاندثار بفعل البطش الصهيوني الغاشم, وطنك يا وردة هو وطني, أرضي وترابي, أنا لم أرها ولم أعشها, ولكني تربيت على الولاء لها وحبها وفدائها..
لو نظرت لجيبي ستجدين مفاتيحي معلقة في قبة الصخرة وعلى الوجه الآخر خريطة فلسطين, وبالتجاور رقعة أخرى تسكنها ملامح “ناصر” منذ عقود بعيدة وأنا أحملها في يدي وفي قلبي, ولي في منزلي الذي لم أسكنه بعد خريطة كبيرة لقرى فلسطين القديمة قبل نكبتها ومحاولة تغييب تاريخها وحضارتها من زمن كنعان..
كم أشفق عليك يا وردة لي هناك, لأنك عشت وشهدت شروق شمسها وغروبها, واليوم أحبها أكثر لأني اكتشفت أننا كنا معا, وكبرنا معا على تراب هذه الأرض.. أنت معي في منفاي, أتدثر بنسمات قدسية تأتيني من هناك، أنا الفلسطيني العاشق لترابها..”
“مدرستي “القاهرة الابتدائية” “غزة”، ومنها إلى الثانوية “الشهيد مصطفى حافظ” كان لي رفيق طفولة من أرض الكنانة, يجاورني في مقعد الدراسة, نكتب معا, نلون معا, نرسم خطوطنا, مرات أبدأ بها, ومرات ينتهي هو حيث لون واحد ومداد واحد..
دقت الحرب بابنا, جاء صيف “67” رحل عمر إلى بلاده، وأنا لم يتعب قلبي طول الانتظار والوقوف على باب مدرستي “القاهرة الابتدائية” قد تأتي به عربة أعرفها جيدا وندخل معا مدرستنا كما كنا في كل صبح, لم أمل الانتظار ومسحة حزن مع الوقت سكنت ملامح وجهي, أرنو لمقعد خاو يجاورني, أرنو للفراغ لا أحد..
يوم رزقت أمي بصبي, عائدة أنا بصحبة أبي على طريق مدرستي, يلتقط راحة يدي, يمسد عليها في حنو شفيف, يسألني لأن أختار اسما لأخي, هتف قلبي “عمر” أبي لم يكسر فرحتي, ذهب وسجل اسم “عمر” ليصير يتردد في الدار, أسمع صدى لحروف اسمه ولا أجده في ساحة مدرستي، حتى يومي هذا لا يكف عن سؤال يمر بخاطري, أين صرت يا عمر؟.. غاب عمر, وغاب عني وجه أضاء أيام طفولتي.. علمني أبي كيف ترسم الخرائط, دوما ما يوقف العربة ونحن على طريق سفر طويل, يأخذني من يدي, يشير لي إلى الأمكنة وتاريخها, وطرقاتها الالتفافية وكيف الوصول إليها, يؤكد لي ونحن نجوب طرقات وطننا على كل مساحات الجغرافيا من “أسدود” إلى “يافا” من “الجليل” إلى “تل الربيع”, يشير لي لكل مظاهر زائفة يؤكدون بها وجودهم من خلال جسور وأبراج وكيانات وأسماء, يقول لي:
“تأكدي يا ابنتي أن هذا الكيان إلى زوال ولن يدوم..”
وحين تطل علينا “غزة” وعلى مشارفها في كل مرة لا ينسى أن يذكرني بمعركة “الفالوجا” وتلة كان يقيم عليها “جمال عبد الناصر” في معركة الجهاد.. كنت أدقق النظر في التلة التي بقيت على حالها, وقد انداح لونها لرماد من دخان البارود, استحالت لسواد قاتم وحفر باكية, وكأنها تذكرني بأيام نكبتنا وبرجال ضحوا وقاوموا لأجل هذه الأرض، وخريطة ساكنة على جدار بيت لم تسكنه بعد, يوم تذهب إلى هناك تذكر أن لي مكان عليها, وأني أحفظ خطوطها من دورا حيث الخليل ومن الخليل حيث غزة وكثبانها الرملية الشقراء التي تتوسد صدر البحر وأنا العاشقة المتشظية ما بين جبل وبحر. هي حكاية لنا بدأت من عقود بعيدة..”
“كل الأماكن وكل الخريطة لك.. هي خريطة حبيسة لبرواز وزجاج, لم تعلق بعد على جدار بيت هناك.. تقتات على الانتظار للحظة آتية كما القرى التي تتوسدها, تنتظر قيامها كما العنقاء من تحت الركام والأنقاض, تنفض عنها أسماء عبرية لم تكن أبدا تريدها.. كل الأماكن لك يا سيدة الحضور والبهاء.. سنزرعها من جديد, زيتونا وعنبا وتينا, وستعود الطوابين تسكنها نار الدفء وحنان الأمهات
سيدة الدفء.. أنا “عمر” أعود من جديد، أعود بحب الطفولة وشغب البراءة.. لخطوط رسمناها معا ولم تكتمل رحلة الألوان فيها من قوس قزح.. لا تبحثي في الفراغ.. أنا هنا بجوارك.. أنا هنا حيث تكونين أنا هناك..”
“كل الأماكن لي، كل خطوط العرض والطول التي تلامس حدود وطني لي. زيتونة زرعها الجدود حباتها لي. بياض الأزمنة لي، ودفء ظلها لي. أما أنا فلست لي، أنا من سكنها الفراغ.. أنا لا شىء.. أنا وهم.. أنا سراب..”
***
قوس قزح مر بمدينتي, يمسح عن جبينها دخان البارود, ينبسط للكون, يصل شامنا, يلقي عليها أناشيد الانتصار, يمسح عن وجهها أسطورة حزنها الأبدي, يزيح دمعات الملح التي كادت أن تزيح الأبيض عن ياسمينه.. ما سر قوس قزح هذا؟!. يتجه حيث قلوب أنهكتها دروب الحزن والمشوار الطويل وحكايات دامية غارقة بدمع الحكاية..قوس قزح تاج كوني ينثر محبة اللون من روح الحياة ووهج الانتصار, يمر من فوق الكنيسة المريمية بدمشق القديمة.. ينثر حروفا من ألوان قد تزيح بعض من ألم وتعود بهجة الحياة لنور الحياة
***
“لمياء السراج” أنشودة غزاوية, جابت كل المدن وحطت على كل مطارات الكون, أبت إلا أن تعود وتحط قدماها على تراب وطنها الغالي, غيبتها حافلة تلو حافلة, تركن لمقعد وحيد, تلصق وجهها بزجاج النافذة, تستطيب لها كل ملامح الجغرافيا لتشق أخدودا على ملامح وجهها, تمر من خلف الجدار, أمام الجدار, تصل حيث أسلاك من شوك, تدمي جلد الأكف والأقدام..
تلتقط أنفاسها على مقعد وحيد, وصوت الغريب ينهر كل موجودات الكون بأن اجلسوا هنا, ساعة وساعات, حتى قارب قرص الشمس على الأفول, فتحت البوابات, غابت أشواك الجدار, تلقي بجسدها على تراب مدينة شهدت أحلامها وفجر أيامها, تصل لبيتها, تعانق بكفها زهرات الأقحوان, داليات العنب, حشائش غارقة بجذورها في تراب لا يزال يحفظ مطارح أقدامها منذ عقود بعيدة “لمياء” لا تعرف من أين تسقط مسارب دموعها, لا تعرف كيف توقف سيلها, حتى مناديلها صارت غارقة في دمعها “لمياء” تبحث عن طريق يقودها للبرية، وفي يدها وردة, كما “سلمى ديبو” و”وردة” على قبر “ماجد” غايتها مقبرة يرقد فيها أخ لها ودع الحياة دون أن تلحق بموكبه, الطرقات صارت حفرا عميقة, طائرات لا تكف تلقي بحقدها وراجمات صواريخها, الطريق إلى البرية صار فجوات عميقة لا يستطيع أحد أن يعبر عليها, صارت البرية بعيدة, والوطن بعيد إلا من زهرة أقحوان وقوس قزح
“لمياء” لم تستطع الوصول لقبر أخيها, لتنثر عليه مرثية حزنها وفقدها, وأنا أمي توسدت تراب المقبرة دون أن أعرف طريقي إليها, دون أن أعرف إلى أي اتجاه أمضي, دون أن أعبر الجدار, وأسلاك الشوك, فكانت مرثيتي الوحيدة والأخيرة أن أمي تسكنني, رحلت وشطرت روحي, غاب عني نصفي المشطور حيث هي هناك, أعيش بما تبقى لي من وقت, أعاند الوقت على سفود الوقت..
عادت “لمياء”،وفي حقيبتها خبز من بلادي, عادت وفي حقيبتها حلوى لا يعرف مذاقها سوانا, عادت “لمياء” تحمل حبات الفلفل الحمراء المطحونة, لها مذاقات لا تشبهها أي مذاقات.. عادت “لمياء” ووطن أخذ مجراه على جلدها، صار وشما، صار حياة..
***
“مريم الدرابيع” تلاحقني في خيوط الحرير لتغزل لي ثوبا من كنعان..تلاحقني بصور من جبال وأحراش تحفظ ملامحي.. تلاحقني بجبال وقد استنامت على وجه الغيم وامتشقت فضاء الكون.. تلاحقني بحروف من اسمي وقد كتبتها على صفحات من لون الأبيض, تنثرها في ساحات القدس, تناديني:
“الأقصى يشتاق لك،عودي يا وردة الحكاية، عودي يا عنفوان التحدي..”
“مريم” تهديني من نور صباح وطننا ألف ألف صباح.. ومن نور قمرنا ألف ألف مساء..
“مريم الدرابيع” كيف لها أن ترسم وتغزل من خيوط الحرير على ثوب من مكحلة الليل.. وليل لنا من زمن كنعان..هل أكتب إليها لترسم لي طائر الفينيق وقد اعتلت رأسه خوذة حربية, تعلن عن الصمود وروح المقاومة.. هل أكتب إليها لترسم لي وجوها لأمهات الشهداء وهن يرفعن راية الشهادة.. وحكايات من ملحمة البطولة لجيش مسح غبار الزمان عن أمته من ملحمة الانتصار هل يتسع ثوب تغزله من خيوط الحرير كل حكايات البطولة؟
***
“ما بين الرحيل والرحيل.. والرحيل والمنفى.. صرنا معلقين في خطاف أبدي من ألم سكننا ونعيشه على مدار الوقت، ووقت أضاعنا في المنافي والفيافي البعيدةعن نبتتنا ودارنا.. سيدتي.. الوقت كله لك، والأرض التي اغتصبت هناك وشرد من فيها من بشر وتغييب للتاريخ ستعود.. أقسم أنها عائدة.. ربما لن نعيش تلك اللحظات ولكنها ستعود.. عودي يا وردة للقادم إلينا هنا. نرسم معا ملامح أمهاتنا وجداتنا؛ حتى لا تضيع منا ولا نتوه عن تفاصيل وقسمات وجوههم.. عودي يا وردة قد تعيدين لي بعض من ملامحي القديمة..”
“تكتب لي عن الماضي البعيد.. ترسم لوحة كادت تفقد ألوانها وتذوي خطوطها وأنا التي غادرت بوابات الغياب وسكنت الفراغ. من يعيدني للوحة ولون وبهجة الأيام؟!. يمضي بي الوقت ونور قلبي يذوي.. كم تشبهني يا صاحبي، وأم لي كانت هي الحلم, أطلب صورها من هناك, تصلني وقد اعتلى الغبش ملامحها, كيف للغبش أن يعرف طريقه لقسمات وجه هو وجهي أنا… وإلى إشراقة روح هي روحي أنا.. تعزف على وتر من وجع رحيل أمي وقد شطر روحي وبت أعيش بروح مشطورة, أراها هناك من بوابات الغياب, تجمع أخواتي وتقول لي:
“تحدثي يا وردة إليهن من قصة أحببتها منك ولا أحد يستطيع أن يرويها سواك..”
كنت أنا لا أحد سواي، وكان رحيلها لا يشبهه أي رحيل.. معذرة يا صاحبي.. حروف أكتبها تتبعثر ما بين يدي, لا أعرف كيف ألملمها؛ ففي حضرة الغياب أمضي إلى تيه ممتد، وأنت نكأت جرحا غائرا في قلبي”
“على بوابات الغياب أقف منذ عشرات السنين, أنتظر ما يكتبه القدر لي، وأخبرتني به أمي ذات حلم.. رأيتك يا وردة تأتين من تحت ركام الوقت وقسوة السنين والمنافي.. أتيت لتنفضي عني غبار الوقت تطلين مشرقة يافعة.. من فيض نور وحنان كان قد غاب مع أمي وحبيبة لم تأت.. التقيتك وسكنتني الدهشة, وحط على قلبي السهوم, التقيتك يا وردة فأعدت لي صباحاتي البعيدة, وحناني المفقود, وأهلي الذين ذهبوا, وحبيبة لم أرها, حبيبة غادرت قبل أن ألتقيها..”
“هل تشابهت أساطير عرفناها وجمعناها في حجرات القلب ولم تغادر؟.. أم أنني من ذلك الزمان البعيد؟ أحسبني من زمن آرام وكنعان, كلما اقتربت أخذني البعاد حيث آخر مدارات الأرض.. هل رحل الربيع عني وصرت أعانق أيامي الخريفية, ألملم ما تساقط من أوراق, أحفظها في كف يدي, أمسح عن وجهها دمعات بقيت على جفافها, هل أنا العابرة لهذا الزمن, أبعثر حروفي, ألملمها لتولد الكلمات, كلمات تنداح للغموض مرات, ومرات أنت من يجيد كتابتها, فتصير شمسا أبدية في أفق حياتي, تكتب من روح أسطورة قديمة, تضبط إيقاع ترنيمة حياة صارت لنا, أما أنا فأكادني وقد هربت مني كل مفردات الأبجدية, وأنت الماهر في العزف على أوتار الحالة.. هل هي إشكالية العمر؟.. أم هي حالة مأزومة لم تفارقنا في رحلة حياتنا؟..
الأوراق وقد تبعثرت من حولي, أكتب من كل مواقيت الحياة على أوراق قد تحفظ ما تبقىلي من الوقت, حكايات لن نمل نكتبها ونجمع أوراقها، نعود ونكمل ما تبقى لنا، وأنت “عمر” العائد بعد غياب..”
***
من ساعة الوقت ينهض صبحي من دقائق تطالعني فيها كلماتك, ويرحل عني يومي من دقائق أطير لك كلماتي..هي مواقيت تعرفني وأعرفها, ما بين الفصول أنثر حروفي, أنحاز مرة لفصل خريفي وأنحاز مرات لشتاء لم يغادر قلبي, اليوم تقابلت والشتاء وحبات المطر, وكلماتك التي أستقبل بها بدايات يوم هو لي، تحرضني على الكتابة، وأنا كثيرا ما أعاند قلبي وأركن أوراقي حيث أعيش خواءً أبديًّا
ماذا أقول لك؟.. وما حيلتي في كلمات ترقب مداد قلمي ليكتب عن غدر الوقت، عذاب الرحيل، عن أمهات غبن وهن الأشد حضورا، أنت تعيدني لخيط النور, تدعونني للوقت الذي غاب وللأرض التي هناك, تدعوني لأعيد خطوطا من ملامح أمي.. تدعونني لأن آتي وأنا من ضاع مني الطريق وضيعني إلا من حروف كلمات هي أيقونتي الأبدية..
***
عادت “دارين عاقل” فيما تبقى من الوقت.. كم يخاف قلبي ليروي لها، وكم يخاف قلبها لأن يروي لي… قرية “دارين” العنازة بانياس, يعتلي جدار كل بيت ملامح لشهيد, يسكنها إصرار لأن تحث خطاها حيث البرية, تقرأ الأسماء.. تنثر ورودها, تجدد عهدها بأن لم ولن تنسى..
في البرية يرقد “ميرابو عاقل” يقابله “اسكندر عاقل” “عمار علي زيدان”، و”دارين” لا تخلف موعدها ولا تنسى أن تجدد عهدها..تغافل الوقت, تركن إلى جدار في سور البرية, تمر بحروف اسم “عمار عليزيدان” وسيرة حياته من يوم مولده, أمه “نخلة” ومكان استشهاده “دمشق” رقيب احتياط..
هي تداعيات الذاكرة البعيدة, تهمس “دارين” لـ “وردة” يوم جمعتهما مقبرة ضمت أسماءً وأسماء:
“هو عمار ابن خالتي “نخلة” من يوم مولده وهو يقاسم أمه مواقيتها, في طفولته كانت تحمله على ظهرها في موسم جمع الزيتون, كبر الصبي والتحق بمدرسة العنازة الابتدائية, في الصيف يساعد أمه في أعمال يدوية في قرية يسكنها الدفء والحب والنور، كان حلمه أن يلتحق بالجيش, دقت الحرب أبوابنا, التحق باللجان الشعبية, صار معه بندقية, اشتد الحزن وأيام الوجع يوم فقد رفيقه “ساهر” صارت الأيام تزف إلينا الشهداء والجرحى، وتحمل إلينا أخبار المخطوفين.. في شرفة بيتنا تحلقنا حول مدفئة تحمل حطبا يشتد لهيبه.. قال “عمار”:
⦁ غدا سأغادر, طلبت في الاحتياط, لا تخبروا أمي..
رحل “عمار” وترك وصيته:
“لا تحزني يا أمي.. لن أنساكِ.. لا تسقطي دمعاتك الغالية في قلبي وروحي.. الوطن غالي”
***
“دارين” من هذا الصبح العفي الطازج ببشائر الانتصار، تكتب لوردة، من روح الفرح ومن طول أمل الانتظار
“فتح طريق “أثريا – خناصر” حيث حلب المحاصرة من سنوات, ما أسعدني في هذا الصبح يا وردة، “فاتح” سيعود إلى حلب وسيضم “كوكب” حفيدته إلى صدره وفي يده حلوى كان يتمنى أن تعرف مذاقاتها الغائبة من يوم مولدها, ولكنه الحصار من أصحاب الرايات السوداء..حلب تفك حصارها، وسيعود مطارها ينقل العائدين إلى حضن الوطن.. سيعود كل غريب إلى داره.. فاتح عائد من جديد”
صفحة “ميرابو” لم تغتلها عتمة الليل، ملامحه وقد افترشت صفحته، وكلمات أطرزها في أكمام الليل, قد تصل إليه حيث هو هناك.”ميرابو عاقل” أنت هنا.. أنت هناك.. أنت في كل الأزمنة البيضاء, كما صفحات حياتك, كم جميل أن تعاند الوقت وتبقى صفحتك يا ميرابو البطل, كم جميل أن تطل علينا من روح البطولة والخلود.. كم جميل أن تسكن أوراق كتبتها, تحفظ خطاك على طريق بلدتك الدافئة “العنازة” “بانياس” وطير يحلق من كل صبح يفرد جناحيه سورية وأنت العاشق لترابها…”
**** ****
مضى عام …. ويمضي الوقت …. وساعة الوت لا تنسى من سكنوا عقاربها ….. ساعة الوقت تحبس دمعها من على بوابات الغياب …. من روح الانتظار …. من على ساعة الوقت يرحل الأحبة , وتبقى ملامح وجوههم نقشا على جدار القلب والذاكرة … من على ساعة الوقت نلملم دمعات الحكاية ننثرها برعما يورق في قلوبنا …. لا يطاله الجفاف ولن تسقط أوراقها من حياتنا ….ونصر قادم هو الهدية الأجمل ولأرواح من غابوا ألف ألف سلام …..
**** ****
“دارين” تقرأ كلمات الليل، وقد استنامت على أكمامه, تسقط دمعة, تعانق حروف الحكاية، وحكاية لا تشبهها حكايات غابت ولن تعود…
***
تعود كلمات عاشقة للحياة والوطن, تعزف على ترنيمة الوقت, وعلى قيثارة هي لـ “وردة” لم تتقطع خيوطها المشدودة على خبايا حكايات تأتيها من قلب الغيب المتواري هناك خلف حدود المدى..
“الوقت لك والدفء لك، حتى وإن غافلنا الزمن ومر بنا نحو خطوط النهاية, فهو حاضر فينا لا يغيب بكل شخوصه وحلوه وعذاباته، بأهلنا الذين مازالوا أحياءً في ذواتنا،بمدننا التي تلونت برماد الأيام..
الوقت لك،وأنت القادرة على القبض على لحظة لن تغادر، وكلمة هي النور والدفء, اللحظة الجميلة هي الحنان, الحروف الوليدة من منابت الروح هي الروح, الأبد, العشق, النور, الصلاة والجنة, واللحظة القادمة..
عودي يا وردة نأخذ الزمن معنا, عودي لوقت نريده كما نريده, امسكي القلم ولا تتوقفي لأن تكتبي عن حروف الدفء, إنني أنت وأنت أنا, نحن أبناء وقت واحد ولحظة واحدة, فرقتنا قبل أن نتعارف, جمعتنا رغم أننا لم نلتق, ولكن.. أقسم لك أنك هنا في كف يدي, أفرح بشغبك الذي يملأ وقتي ويحط على مساحات الزمن الهاربة مني..”
“حين تصلني كلماتك تدق ساعة الوقت, تأخذني إلى قلب الحكاية, أنا التي قرأت كثيرا وأبحرت كثيرا, تحيرني حروف تكتبها لي, أقف عند كل كلمة, يحط على قلبي السهوم, امرأة حاضرة غائبة، تعرفها ولم تلتقها.. حائرة أنا يا صاحبي, متشظية ما بين حالي وحالك, والذي يدهشني أنك تكتب عني وكأنك تعرفني أكثر ما أعرف نفسي, أنا التي تكتب إليك على أوراق تتناثر من حولي, أحسب وقتي من حروف أنثرها حيث أنت هناك.. تقول أن الوقت لي؛ كيف وأنا والوقت هارب مني؟!.. أنا هنا وأنت هناك.. قد أكون هناك أكثر من هنا..أنا التي أمضيت عمري جسدا بلا روح, وروح غادرتني من عقود بعيدة حيث بلاد لي هناك لا تغيب عنها الشمس.. لا تأخذك الدهشة من حروف أكتبها, فقد أكون لست أنا, بل هي التي لا أعرفها هناك..”
“سيدتي.. سيدة الحضور والبهاء، ما لم نعرفه أننا لم نعرف من نحن إلا من خلال الآخر, نحن تعودنا أنفسنا, تتوه تفاصيلنا منا, لا ندرك ما صرنا إليه إلا حين يشير ذلك الآخر المحب أو الرائي.. أنت صديقتي, نتشابه في التفاصيل والجروح التي جمعتنا, ونكتشفها كل يوم من جروح المنافي والبعد, ألواننا واحدة, قريتنا واحدة حتى وإن اختلفت الأسماء.. أنت هنا, تطالعني إشراقة بسمتك, يصلني همسك عن حكايات وطن لك هنا لا يزال يتوسد ظلاله أب وأم, حارة ومدرسة وحديقة.. أنا من رافقك هذا الزمان, معا نجرى, عبر طرقات مدننا الغافية على كتف بحرنا هناك.. أراك لم تتغيري, ولم تتبدلي، ولا أنا.. أنا كما عرفتِني من هناك من خلف حدود الغياب”..
“أنت من تعيدني إلى ذاتي التي أجاهد لأن أرمم ما يتكسر منها من آخر كل نهار, أجاهد لأن أبقى أنا ولا أحد غيري.. أظل الابنة المحبة لأبيها, والتي كانت تقتفي خطواته دون أن يدرك مدى تعلقها به, أحفظ تفاصيل يومه, ثوابته, تاريخا يكتبه من بيت هو لنا, رحل ولم يعرف أنه ترك ذاته تكمل مسيرته في كياني هذا، أنا التي صارت هي بعد رحيلها, حين يصل صوتي صديقتي تقول لي هو صوتها.. أنت هي, يوم كانت تغيب عن الدار كان يسكنني اليتم حتى تطل عليّ من جديد, فيزهر ربيع ممتد في قلبي.. أبي من روح حكايات البطولة, أبي المثقل بالهم, لم يكن همي أنا ولا هم أخواتي, بل كان الوطن..
أمي الممتلئة بأفكارها وتمردها وكسر قيودها, مشاكستها, مشاغبتها, أورثتني كل هذا دون أن تدري..صرت أنا هو وهي والوطن.. وأنت حيث أنت هناك..”
***
أنا هنا أعاند وقتي العنيد، أقتفي أثر المحطات الإخبارية, ويوم سكنت لواحدة منها, ونوم يأبي لأن يزورني إلا على أصوات مذيعيها حيث ينقلون على مدار الوقت أخبار الوطن، نسائمه، ترنيمته من روح شجن لم يغادر روحي.. صدر الأمر بأن تصمت محطتي التي تعلق قلبي وعقلي بها, عن ماذا أبحث في ساعة الوقت هذه من ليلها وصباحاتها؟.هل نامت عين الحقيقة برحيل محطتي, أم أنها ستجاهد مثلي كما أجاهد أيامي على بقائي أمام مرآتي كي لا يصيبها الغبش؟ هل تعود محطتي الغائبة بعد أن أخرجوها من الأرض والفضاء؟.. هل تعود مدننا الضائعة بعد أن عاثوا بملامحها ولونوها برماد حقدهم وإجرامهم؟ أين مني وطن أنا معشوقته الأبدية.. أين مني محطة كنت أتوسد على ترنيمتها مرثية وطني الضائعة؟!!
***

سيدتي ….. كيف تأتين إليّ من عمقي ومن حروفي التي لا تنشد إلا حياة , أغزل بها معطف لأوجاعي وأوهامي وما أعيشه في نفسي ولم يتحقق أبدا …. أعيش قهري واغترابي وحزني …. وحيدا وحيدا على شاطىء ليس لي …. على مركب بلا شراع وإن وجد تغيب عنه الريح فلا يسير …. وان سار على ماء قد أصابه الجمود لا يتوجه إلا إليّ ولا يغادر …. لا أملك إلا الحلم …. وحلم لا يغادرني وأوهاما تخايلني وآمالا لا تتحقق …..حتى التقيتك برعما من نور نبت في حجرات قلبي وتعرش كالدالية على شغافه , نسج أوراق ندية على جفاف الوقت وقيظ الجرح وشفق ظلام يسكنني … فكيف لك أن تهديني نفسي وتعيدي إليّ صبري وتفتحين كوة في جدار وقتي باتجاه أفق لم يكن موجودا , أنت من أعدت اليّ وهجي الذي انطفأ وأشيائي التي رحلت وأهلي الذين غادروا على موعد لن يأتي … أنت من خلقت محطة للانتظار المتجدد على رصيف من نور , تهندسينه بدفء حرفك ونورك الذي أشاع فوضى دافئة لمعت به بروق الماضي وتألق ما كسد من حولي وانمحى في مواجهة عاصفة دفئك وبهجتك التي نثرتيها على الوقت , تعيدين لي النظرة الحنونة الى ما كان وما مضى من رؤى تتكشف على نصل الأرض والأهل والحارات وطلل البيوت التي عشناها سويا رغم اننا لم نلتق إلا الآن وهنا …. أنت من أعاد هندسة الوقت كي يجمعنا في الماضي البعيد ما بين الفصل وظل شجرة وعلى تراب من حنان وطن غائب فينا … وطني البعيد الملقى تحت سنابك أعداء الحياة من بني صهيون الذين اغتصبونا وما زالوا ….. هو ليس وطنك أنت كما تعلمي ولكنه وطني الذي حلمت يوما أنه سيعود ولو طال الوقت , تمنيت أن يرى ذلك ابنائي والآن أقول أحفادي ….
سيدتي …. كيف استطعت أن تنسجي من حروفي وجعك ورؤيتك ودفئك الذي يغمرني الآن بسكينتك …..
من رحيل الوقت أنسج قدومي …. وأفتح أبوابا أغلقت بدروبي ….
*****
“ناصر قنديل” ينثر كلماته, تسافر بعيدا, تقتفي أثر الطيور المهاجرة لبلاد الدفء والحنين, تجوب بلاد المنافي, تمر بالأوطان الغائبة لتحط على قلب وردة… قال الصباح:
“في الشام يتكاثر الياسمين, وفي الزقاق يعلو صراخ أولاد يبشرون بالحياة, في السماء تتزين الشمس بمواكب النجوم، وغيم يحمل في قلبه المطر الآتي إلينا.. أما هؤلاء وحدهم يندثرون, لا غد لهم, يمضون كسرب ذباب جلبته ريح عاتية وأخذته الرمال حيث الصحراء, حيث لا ياسمين, حيث لا يعكرون صفو الصباح وقهوة الصباح على حراس الصباح والسلاح في حضرة الشهداء..
في حضرة الشهداء نكتب تاريخ الأمم، وتنتصر الحضارة على التجارة, تنتصر الأخلاق على النفاق, ينتصر الدم على السيف, والعزم على الحزم، ويفهم الفرق كل الفرق البلهاء…”
***
“دارين عاقل” ترسم على الحجر.. على تراب الوطن.. تجمع حروف كلمات تحمل دمعات من روح حكايات البطولة.. تنثر شارات وقد لوَّنتها بكلمات “كويرس” عيونها خضر..
طوبى للقابضين على جمر عشق الوطن.. طوبى لك “سليمان” أحد قديسي “كويرس” نصركم أمطرنا بالنور..سوف نذرف الدموع فرحا بالنصر، وشهادة من استشهدوا في سبيل فك الحصار..
عهدا لن ننسى شهداء “الكندي” و”منغ”, و”أبو الظهور”, “الطبقة”, “الفرقة 17”, “اللواء 93”, “مطار تفتناز”..
وشهيد بحجم الوطن يطل علينا “د. هادي خيال” ترك الجامعة ليلتحق بالجيش, تخلى عن تفاصيل الحياة مودعا عائلته وطفله “حسن” من مواليد قرية “حضر” محافظة القنيطرة, من المتميزين في كلية التربية جامعة دمشق, من الماجستير وصولا لدرجة الدكتوراه, قبل موعد مناقشة رسالته كان الأسبق إليه موعد استشهاده, ورسالة التحدي وبذل كل غال لأجل الوطن..
تعود “دارين”، تعيد تفاصيل ما جرى, تتجه إلى الله بقلبها, حيث ابن عمها “ماهر عاقل” أصابته رصاصة في “اللاذقية”.. هل لعائلة “عاقل” موعد مع التضحية والفداء؟.. هو إرث تتناقله الأجيال.. من ملحمة البطولة تكتب تاريخ رجال كتبوا مجدهم وانتصار وطنهم..
***
“ووقت لا يغادر.. نسعد به لأننا فيه.. وإنسان لا يكل يقبض على تلابيب التفاصيل كي يحيا ويقاوم على أنقاض الخراب الذي يسطره له القدر, وأعداء أمتنا يتربصون بنا..رغم الصراع والعزلة وقسوة الحياة وسطوة الماضي وظلم الحنين الذي قد يدفعنا إلى الانزواء”
“ووقت راحل عني وأنا رفيقة له, أتبعه حيث لا أحد يجيد الوصول إلى وقتي الذي هو لي, رغم الصراع, رغم العزلة, سطوة الماضي, ظلم الحنين, وحال يصير إلى عزلة وانزواء, حتى عزلتي لا تقتحمها إلا انتصارات هي لنا, فك الحصار عن مطار “كويرس” كان بداية لشروق شمس من جديد, هل كل ما يحدث يفك عني الحصار؟.. يطلق سراحي من عزلة هي اختياري وملاذي وأعود لقلوب تشبهني, أعود أستطيب ترنيمة الوقت وتداعيات الماضي البعيد, يوم كنت بصحبة أمي في قلب “القاهرة” مر موكب “ناصر” حملتني حيث الفضاء, تشير لي قائلة: “أنظري ناصر يمر من أمامنا..”
لا أعي ما سر فرحتها, ولا أعي حروف اسم تنطق به, ولكني الآن أستعيد المشهد وأعود من جديد وسؤال ينقر جدار القلب: “هل يعود ناصر من جديد؟!..” أم أن المشهد بصحبة أمي رحل برحيلها..
*** ****
“سيدة الانتظارات.. ونحن من كتب علينا الانتظار لأنه جزءمن قيمنا, هل أصابنا القهر كأمة, هل صرنا مربوطين بألف طوق وقيد, ننتظر المخلص الذي لا يأتي.. نحن من قتل ناصر, وهو لن يعود, لأن هناك من يريد ألا يعود, ناصر يا سيدتي كان أملا وطوقا, أصبح مقتولا فينا وفي رقبتنا سكين قاتليه, لن نحزن.. للقدس طرقات تنتظرنا.. وكل الأرض التي تهودت ونأت, فيها أنفاسنا ودفؤنا, ودم من كانوا هناك.
عودي يا وردة كي نستعيد بعضا منا.. نتذكر الذين رحلوا, ونعيد رسم خرائط قرانا التي اندثرت وغابت.. عودي لنعتلي الجبال, نبحث عن زعتر وزيت, ميرامية, حبات الرمان, نتوه بين الدروب, هاتِ يدك, كم أحتاج أن أعيش لحظة أمل ميلادها فلسطين, التي كثيرا ما أزورها في ذاكرتي المعطوبة.. كم أحتاج لأن أستفيق كي أقف في ميدان “التحرير” أنتظر موكب “ناصر” ليمر من جديد.. قد تحتلني إفاقة يوم تعودي يا وردة هي لي هناك..”
“هل أخذتني الغفوة؟.. هل يستطيب لي الغياب؟.. كم أحتاج لمحطة وصول ألتقط عليها أنفاسي من طول رحلة لمشوار طويل, تدعوني لمحطات الغياب وقد تلوَّنت بغيمات الشوق, تدعوني لأن نعتلي جبال القدس ونمضي عبر طرقاتها, آخذك لأول باب يشرع لنا, باب “العامود” وذكرياتي معه أنني ما زلت على وقفتي منذ ذلك الزمن البعيد وقد تسمرت قدماي على عتبته الرخامية الناعمة, بابه الخشبي الأخضر, يدي في يد أبي, لحظة وقفت بباب العامود نظر إليّ يستعلم سببا لوقوفي, أشرت لبائع السمسمية الواقف خلف صينيته المستديرة, قلت له على استحياء: “أريد قطعة من هنا..”.. طالعني بابتسامة لم تغب حتى وقتي هذا, مددت يدي لتستقر قطعة سمسمية مقدسية من يد أبي.. من باب العامود لا زلت أقف هناك, أنظر للعابرين ودرجات رخامية يعبرون عليها: وجه أبي, بائع السمسمية, أنا هناك يا سيدي لم أغادر..
أوراق الميرامية تستنيم على صخور بلادي, كان الأحب إليّ أن أقطفها وأمرر راحتي على أوراقها المخملية, أشتم رائحة مريم العذراء.. نعم هي الميرامية، ووطن لا أزال بين دروبه.. أنا هنا أخذتني الغفوة وطاب لي الغياب, صرت من زمن ناصر وكل من سار على دربه, زمن ناصر لا يزال برعمة في قلبي كما قلبك النابض بحب وعشق هذا الوطن.. وطن ممتد خارج حدود الجغرافيا والتاريخ.. لا يدركه إلا قلة قد يشبهوننا في حياة هي لنا.
***
“عبير غسان قتال” من عبق ساحل مندى برطوبة بحره, من الساحل السوري, تعلن أنها لا تزال باقية في “دمشق” منذ مولدها، وأن دمشق هي عشقها الأبدي، وتوأم عشقها لمدينة فلسطينية اسمها “يافا”.. تسكنها وتسكن روحها.
“إليكِ يا وردة.. أحبك جدا..وزادت محبتي للهفتك على سوريتنا حيث شامنا الحبيبة.. الروح والعشق معا..”
“عبير غسان قتال” ترهف السمع لتغريدة عشق من شهيد, تعيدها ترنيمة شدوه لصوت “ميرابو عاقل” عنازة بانياس.. صوت العصافير الهاربة من كف عشتار…
هي الذكريات الهاربة من كفها لتصل إلينا..
“دارين عاقل” تكتب بالطباشير, بحطب الطوابين, على الحجر, على الجدار, على طريق الأسفلت:
“قالوا الوطن.. قلت الروح.. قالوا جيشنا.. قلت شرف منا وشوق بنا.. منذ الأزل نرسم معالم نصرك يا وطني”
هي “دارين” زهرة الفرح, تنبت في ليالي الحزن لتزهر في قلوبنا..
***** ****
” دارين ” تطلبني من ” اللاذقية ” بانياس ” …. أسمع صوتها وقد تلون بالفرح …. سورية عيونها خضر …” دارين هي مني , من وطننا الذي تجذرنا في ترابه …. شآم شآم … هناك من يذكرني دون أن يرى ملامح وجهي , وهناك من غيبني في دوامة النسيان وأنا الحاضرة بروحي وجسدي …. دارين تردد الأسماء …. وأنا اعيد ترتيب حروفها من أبجدية حكايات هي لنا وأردد معها على ذات الصوت …. وعلى ذات الشدو ….. ” نبل ” ” الزهراء ” ماير ” ” ريتان ” من ريف حلب الشمالي ….. انتصار يتلوه انتصار …. وجيش صامد يفك الحصار ويستقبله أهل نبل والزهراء بنثر الورود والرياحين لأبطال دحروا أصحاب الرايات السوداء …..
نوافذ بيتك يا ” دارين ” تجنح نحو الفراشات …. وحمامة تبيض على فوهة البندقية في قلب ” العنازة ” ” بانياس ” هي اللاذقية نبع التحدي من روح الصمود …. تعود ” دارين ” تحمل سلتها تنثر الأرز في فضاء سورية , تزغرد لقدوم شهيد غدر به صاروخ حقدهم الأسود …. تشرع نوافذ الدار …. رحل ” مضر عاقل ” أستاذ في الرياضيات , مهندس ضابط , ثلاث سنوات لم يتعب قلبه ولم تخذله قدماه في التنقل بين الجبهات , وعين له لم تسكنها ملامح لأطفاله الذين صاروا خلف بوابات الغياب , ترتقي ” دارين ” درجات بيتها , تقف على سطح الدار , تستنيم يدها على سور واطىء , ترهف السمع لصوت ” الحنونة ” تشدوا لأرواح الشهداء من روح مرثية وطن , صوتها يحوط كل ” داريا ” و ” المعظمية ” يفرح قلب ” دارين” ينهض من حزنه , ينفض عنه تراب الأزمنة من ألف ألف عام , تتمتم بدمعات لملمت ملح الأرض , من نور قلبها تتلو أدعيتها قد تصل حيث مقبرة الشهداء هناك حيث ” التلعة ” ” ميرابو عاقل “حيث ” مضر عاقل ” ورفاق دربهم وقد توسدوا تراب الوطن حول البئر من ماء الفراشة , تضم دارين أطفاله ” ماجد وعلي ” تمسح دمعاتهم البريئة والتي تلونت من روح سورية الصمود …. هل ستكون سنديانة أخيرة …. وسماء لنا كلها ” دمشق ” ….
*** ***
“غيث الأكسح”.. يكتب لوردة من على تخوم ريف اللاذقية:
“بيتنا ليس كبيرا ولا صغيرا.. أمام بيتنا ساحة ورود متنوعة تستنيم على حائط سكنته ياسمينة دمشقية, يحيط ببيتنا شجر الزيتون, مشمش, أسكا دِنيا, شجرة أرز لبنانية كما التي تزرع في لبنان, كبرت الشجرة يا وردةوامتشقت فضاء قريتي في ريف الجبل. ما يعذبني طول غيابي عن بيتي وأم تصارع الغياب الممزوج بالقلق خوفا عليّ..أمي وحروف اسمها “نادية” تورق في كل مساء برعما في قلبي أخاف أن يمسه الجفاف, وخطيبتي “غفران” تبثني روح الصمود بين رفاقي هنا, تعدني أنها على الوعد والعهد في انتظار لآخر حدود الكون.. أنا الآن وقد التحقت بالجيش, أهلي فخورون بي, لأني أدافع أنا ورفاقي عن أرض سورية الغالية, أنتظر أجازتي بفارغ الصبر, كي ألتقي بأهلي وغفران خطيبتي, أقربائي, أصدقاء طفولتي..
وردة لك أن تهنئينني؛ أنا صرت الملازم “غيث”، ضابط بالجيش العربي السوري..
***
من غفوة الوقت ترسل لي أنك هناك حيث وادي الملوك.. معبد الكرنك.. هي “الأقصر” لا غيرها.. كنت أتلمس حواف النهر, أقبض على طين يسكنه, أزيح حشائش هائشة تحفظ أنشودة الحنين, آخذ مجلسي وحيدة أمام برها الغربي, أنا العاشقة لغروب شمس وأنت العاشق لشروقها, وكأننا نسلم أوقاتنا لسر مواقيت الحكاية, هو سر يسكن “توت عنخ آمون” في بره الغربي, ونقوش كتب عليها:
“أنا الذي أطرد لصوص المقبرة وألقي بهم في جهنم هذه الصحراء.. إني حامي توت عنخ آمون, سوف يطوي الموت بجناحيه كل من يقلق الملك..”
نحن هنا لا نزال في كر وفر لطرد لصوص الوطن, ومحاولات عنيدة لنلقي بهم في جهنم صحاري لا حدود لها.. سارقو الحضارات مستهم لعنة الأرض.. سوار أبي الهول, قلائد من حبات الخرز.. تحطيم مومياء توت عنخ آمون, نزع قناعه الذهبي, هو العبث الأزلي بأقدارنا ونور حضاراتنا, سرقة ونهب وتغييب وإحلال قوم وتهجير قوم..
أطلق آهتي في وجه الريح من وجع يسكن قلبي وروحي ولا يغادر.. قد أذهب بعيدا حيث هناك ويحط قلبي على أوراق الياسمين الدمشقي, قد نستطيع أن نلملم ما تبقى من ذواتنا ونضمد جراحا غائرة هناك حيث يسكن الأبيض بياض الأزمنة..
***
“صفوح المصلح” رحل برصاصات عبثية من قذائف غدرهم وحقدهم, له بيت يطل على ناصيتين من شوارع حلب, برحيله أوصدت نوافذ بيته, غابت أنواره في دهاليز العتمة.. “ليلى” تمر في كل نهار ترنو لنور عائد, لفتحات شبابيك أوصدت على حزنها, لا يزال أمل عودته برعمة تتجدد في روحها وقلبها, يأخذها الغياب بعيدا, تتشح بسواد ليل مسافر, تعود في كل صبح تمر بشوارع حلب, تلون رمادها بأناشيد الحب وشوق الانتظار.. تكتب اسم صفوح “صفوح العائد إليك يا حلب” “ليلى المغربية” تكتب عن حكايات غارقة بدمع الحكاية:
“رحلت عائلة “صفوح” عن حلب” كم فرح قلبي يا وردة حين سمعت خبر رحيلهم, كانت أمنية لصفوح أن يخرج أهله من تحت القصف ويعيدهم حين تنتهي الحرب على حلب, كان كل يوم يشحذ همته ليخرجهم ويعود وحيدا في عين العاصفة, كتب لي أنه لا يستطيع أن يعيش في أي مكان على الأرض إلا على تراب وأرض حلب..
اليوم رحل أهل صفوح وبقي هو يحتضنه تراب حلب.. أنت يا وردة أغلى هدية تركها لي صفوح الغالي.. من نور قلبه المحب الوفي سيضاء قبر صفوح حتى وإن أطفأت حلب أنوارها برحيل أهله عنها, سيضاء قبر صفوح ليعيد لحلب بهاءها ووهجها ونور حكايتها..
ما أجملني بك يا وردة.. أنتِ في حياتي.. بك أستعيد يوميات من حياة صفوح الغائب العائد بحلب لتنير روح وقلب سورية من جديد..
***
وقفت تقابلني بوابة السوق القديم, التفت لابنتي:
“أي هدية هي الأجمل لـ “مريم الدرابيع”؟.. قلادة من روح الماس تذكرني بقلبها الماسي.. أم سوار وقد نقشت عليه أسماء مدننا التي هناك؟.”
أخذتني الحيرة وحط على قلبي السهوم, أشارت لي ابنتي:
“ولم لا ترسل كل منا هدية, قلب ماسي وسوار تسكنه مدننا الغائبة, وأنت تلبسين ثوب كنعان الهدية منها, يشي بحكايات البطولة وملحمة الصمود, هكذا تقترب المسافات البعيدة يا أمي..”
في ذات اللحظة دق هاتفي، وإذ بصوت مريم يعبر المسافات ليستقر في أذني ويحط على قلبي ووجداني..
***
عائد أنا من “الأقصر” يا سيدتي.. عدت من الغياب في ذكريات السنين البعيدة, كم يدهشني عباقرة غرقوا في الوعي ونحن في وقتنا هذا نحاول أن نعيه اليوم, رغم آلاف السنين ما بيننا وبينهم.. دلالات ما بين بر غربي وشرقي, وما بين حياة وموت, مع كل محاولات التغييب إلا أن الآخر لم يستطع أن يخفي التاريخ “الأقصر” تاريخنا القديم والحديث, ما أحوجنا أن نتأمل ونعي ونعرف.. أنتِ تفتحين كل طاقات الحلم والأمل والتأمل فينا وفي حالنا وأحوالنا.. أنتِ سنديانة الأمل والنور، والتي جاءتني على طرف صدفة جميلة..
***
“من على طرف صدفة صغيرة لا أعرف من أين أتتني ولا أعرف يوم ميلاد لها لأكتبها على مواقيت بهجة الوقت.. من على طرف صدفة جميلة نرتق ما تمزق وما أحالته الأيام إلى رماد..
نحاول أن ننتشل بقايا من لون, نعيد للحكاية بهجتها, نعيد للروح بهاءها, من على طرف صدفة جميلة قد تتسع لي مساحة من وقت قد يكون لي.. كدتني كتبت عن قامات السنديان.. كدتني قد كتبت عن مدن بطعم البارود.. فأجدني كما تكتبني من حروف الكلمات سنديانة الألق والنور.. بهاء الأماكن التي غابت والآتية والراهنة…”
“تأخذني الحيرة, يحط على قلبي السهوم, كيف تراني من محطات الغياب ومن خلف حدود المدى؟!.. كيف ترى من طوت أوراقها وبعثرت حروفها إلا من حكايات البطولة وملحمة الصمود, جمعت كل ضمادات الجروح النازفة, أكتب عن قامات السنديان, عن مدن بطعم البارود, غبت وصرت حروفا نازفة بالوجع وروح العذاب, أجاهد لأفرد أجنحتى المتقصفة على مدن وتلال, أصير عصفورة لا تشبهها عصافير قريتنا البعيدة, عصفورة أسترق آهات تملأ فضاء الكون, أقف على شرفة الصبية وهي تلملم حلمها الغائب, تصلني مرثيتها لأخيها الشهيد:
“هنا من سريره الأبدي, يكتب لنا أسماءنا.. يعطي لنا معانيهاالحقيقية, ومن ضياء الشمس يصنع المجد لنا ويغزل الحب لنا كإله فاض عن قلبه سحر الوجود..”
أحمل في قلب عصفورة فيضا من نهر آلام تحفر للأنهار مجرى من روح العذاب.. أحلق في “سهل نينوى” أجده خاويا, تهدمت أحجار بيوته وبعثرت أحجار الكنائس, أشباح تمضي بين شوارع وأزقة مدن هجر أهلها إلا من عجوز التصقت بالحجر, تتحسس موطئ قدم لها, تبحث عن نقطة ماء, عن أهل وجيران ضيعهم إرهاب عبثي حط على تراب بلادنا, تبكي من جوف الليل أحبة لها, تجوب طرقات خواء, أسمع صوتها الموءود ينادي:
“أعيدوا لي صليبي.. أعيدوا لي أحبتي وأهلي..”
وأنا هنا يا سيدي أرحل وأعود من جديد, أحط على تلال بلادي التي غابت وصارت كما عجوز نينوى تصرخ:
“أعيدوا لي من هجرتموهم واستبحتم دماءهم.. أعيدوهم لي من مخيمات اللجوء.. أعيدوا وردة وشمس”
ومن هناك حيث سقطت “أشرقت” يدهسها بدم بارد زعيم مافيا المستوطنين.. “أشرقت” وبرعم حياة لم يغادر قلبها, تطعن بسكينها غير آبه بسنينها.. صبية لم تغادر الحلم تلبي استغاثة فلسطينها..
أنا التي هنا من زمن الغياب.. وأنت من يراني من خلف حدود المدى سنديانة لا تزال على وقفتها, تتجذر مع طلوع كل نهار جديد في أعماق الأرض, وترتقي جبين الفضاء تلامس خيوط الشمس..
هل رحل عني الوقت وصرت في زمن ليس لي.. صرت هما..أسكن قلوبا أنهكها الوجع.. هنا أودع ليلي على حروف تلونها لي بكل ألوان الوفاء.. تكتب لي أنني ورد البهجة.. عطر الزنابق.. أنا وقد صرت ملكة النور وبهاء الأماكن.. لي صبح يأتيني طازجا بهيا كما ساعة الوقت لا تتوه عن مواقيتها..
“سيدتي أنت من عطر الوقت ودفء الأهل… من رائحة ليموننا, برتقالنا, بطعم زيتوننا الأنقى والأطهر, بلون بياراتنا وكروم عنبنا.. عبق نعيشه في ذاكرتنا ولن يغيب.. سيدة النور والدفء, بهجة الحارات المنسية أنت, ضوء الشمس في خريف القرى البعيدة.. أنتِ سيدة الوقت, كنت الباحث عنك قبل أن أكون وقبل أن ألتقيك..
***
رحل “حسن عمرو” رفيقي في رحلة الغياب.. يكتب لي “وائلأبو عرقوب”:
” لقد ووري “حسن” الثرى في عصر هذا اليوم..”
كدتها عاصفة تقتلع أنفاسي من بين الضلوع, رفيقي في مدن الغياب, ومدن تلونت برماد البارود, يكتب عن مرثية الشهداء, يشير إلى القتلة بقلب جسور, يرسل لي رسوم الكاريكاتير من زمن حنظلة, أنقلها لتصل العالم..
رحل “حسن”، ولم يمهلني لأكتب إليه كلمة وداع..
رحل “حسن”، ولم يمهله الوقت لنزف إليه أنا و”دارين عاقل”, “أشواق عباس”, “عبير قتال” زمن الانتصارات المجيدة…
يرسل “وائل” صورة تحمل ملامح وجهه, نور عينيه لا يزال يسكن ظلال صورته.. “حسن” لم يرحل, ترك لي روحا تسكن عينا لا تنام عن الحقيقة, باق على الوعد.. وطن.. شرف.. إخلاص..
آخر ما أرسله لي بطاقة هوية لأنشرها على فضائيات الشام:
الاسم: عدنان جمال عثمان
العمر: خمس وعشرون عاما
المهنة: جندي في الجيش العربي السوري
مدينة: عفرين بريف حلب
منذ أكثر من خمس سنوات “عدنان”تجده في معظم جبهات القتال, أصيب ثلاث مرات ونجا من الموت عدة مرات, آخر مرة رأى فيها أمه منذ ثلاث سنوات, يوم التقينا به في إحدى جبهات بلدة “مهين” في ريف “حمص”, حملنا وصية واحدة, أن نلتقط له صورة وننشرها على فضائية الشام, علَّ أمه تراه ويبرد شوقها.. “حسن عمرو” والشام تحمل الأمانة لتوصلها إلى أمه.. وكل أم على تراب سورية تشتاق لابن عائد من على جبهة القتال..
****** ******
طال غياب ” غيث ” …. أكتب اليه رسائلي , أنثرها في وجه الشمس , على التلال , فوق الجبال , في وديان خضر … أسأل عل ” غيث ” يرد ولو بحروف قليلة ….يتوارى ” غيث ” خلف بوابات الغياب … بعد أن اخذ رتبة ” ضابط ” من يدلني عليه ؟!…. هل صار إلى تراب ؟…. من يخبره بحكاية ” سلمى ” و ” ربيعة ” وعودتهما لحضن الوطن …. من يخبره بأن اللاذقية عاد الأخضر يلون حكاياتها …. من يخبره بأنني سأظل أطير رسائلي للشمس , قد تصل اليه كلمات ويكتب لي من روح الغياب
**** ****
هل هو قدر راسخ في أقدامنا , يمضي بنا حيث يريد !…. هل اطلاق سراحنا حيث أحلام ننشدها من روح شدو العصافير صارت سجنا يعلو جداره ولا يمكننا ادراكه …. ما بال قلب ” دارين عاقل ” لا يتوقف نبض حزنه , تودع شهيد اثر شهيد , وجميعهم عاهدوا الوطن وحروف الأسماء ذاتها , ها هو البطل الملازم أول ” أحمد ابراهيم عاقل ” الميلاد ” حمص ” الاستشهاد والاستبسال على تراب ” حلب ” الصمود حيث ” باشكوي ” تخرج من الكلية الحربية اختصاص مدفعية ميدان دورة ” 69″ لم يكمل ربيعه العشرين , تدق ساعة الوقت تعلن عن الرحيل من ” حلب ” يلف جثمانه بعلم سورية التي ستظل عيونها خضر , أخذ طريقه حيث مسقط رأس عائلته في ” القرداحة ” ” دارين ” لم يتسرب لكف يدها الوهن والهزيمة , تقبض على زهورها تنثرها على قبور شهداء عائلة ” عاقل ” ” ” ميرابو ” في هذه الليلة يلتئم جرحه النازف , يتوسد تراب سورية ورفاق له لن تغيبهم شمسها … ” دارين ” على وقفتها , ترهف السمع لطائر الحنون يصلها صوتها من ” المعظمية ” ” داريا” يحوط أرواحهم ويشدو من شدوهم … وزغاريد العرس الحزين لفراق أحبة لن يغادروا حجرات القلب , تكتب على الشجر , على تراب الأرض , على الجدران ” الوطن غال ”
لك يا دارين أيقونة صبر ستكون مرثيتك التي تحملينها في قلبك وتنثري براعم صبرها على طرقات اللاذقية … قرداحة …. بانياس ….
**** ****
وليد الخميسي …. صار يستقبل أيامه ملونة برماد رصاصهم, انداح زجاج بيته الى تراب , وسكنت عيون أطفاله ظلال موت لا تكف تحاول النيل منهم على مدار الوقت …. يلوذ لأوراقه , يلملمها وقد بعثرتها الريح , يكتب عليها , على الجدران , على أوراق الشجر ….
” أشتاق لي …. أشتاق للدروب التي لازلت أمر بها من روح اصراري وعزيمتي وبكل ما ملكته من حلم أيامي , أشتاق للبرائة والفرحة التي سلبها جحود من حولي , أشتاق لأصدقائي الذين ضاعوا في مسارب الحياة , أشتاق للود الذي اقترب لأن يتسرب مني من نزق النقاشات العقيمة , أشتاق لموطني الذي ضاق بأحلامي , موطن ما تعففت يوما عن عشقه وولائي له , أشتاق للحياة التي تكالبت عليها كل أسباب الموت …. أشتاق ليمن لن أتوه عنه ….
*** ****
تلملم ” ليلى “ما تبعثر منها من يوم رحيل ” صفوح ” تجاهد لأن تقيم طولها , ترفض تداعيات واقع قد يهلكها وتفقد ما تبقى من يومها وغدها , تسأل الحجر , تسأل الطرقات التي مر بها ” صفوح ” تسأل نافذة كان يطل منها على قلب ” حلب ” التي أحبها عشقا وهياما , تتحسس الجدران , تسأل الروابي , مطالع الجبال ” من قال أنه رحل؟! …. هو لا زال هنا , يحمل آهاتنا وجروح لنا لم تذبل بعد …. من قال أنه رحل ؟!….أتبين وجهه من بين الجموع يأتي اليّ على ذات البسمة المضمخة بروح التفاؤل …. بابتسامته ينسينا طريق الآلام , يطفىء نيران العشق والحرب ….. بابتسامته لا يبرد الشاي في كوبه , ولا ينتهي حديثه , حروف كلماته لا زلت أقرأها , لا تنتهي صفحاتها ولا تغيب سطورها … حديثنا يتردد في فضاء كوني طازجا بهيا …. نور لا يغيب ….. من قال انه رحل ؟!…. وهل ترحل عين الحقيقة !!! … عين الحقيقة لا تنام ….وقمر مدينتنا يهديني ” وردة ”
وخيط من حرير ينسل من شجرة التوت في بلادنا هناك …. أطرز منه حروفي على دفتر الليل …. وبيت هو لنا نعرفه من عبق رائحة الميرامية …..

من صبح يطل عليّ حيث أنا هنا … أرنو لوجه بحر يقابلني كل نهار , ألتفت صوب شروق الشمس , أرنو لأفق آت من قلب مدينتي هناك …. تدق شاشة الحاسوب , أضغط على مكابسه هي ” ” مريم الدرابيع ” هي ” دورا ” الحلم الآتي من خلف بوابات الغياب … ” مريم ” تذكرني بعرس مدينتي وهي تغتسل لتتشح بالأبيض … عناق أوراق اللوز , أبيض يعانق وردة وهي على حافة الوقت والانتظار , تهدأ روحها حين يدثرها الأبيض ببهائه ….وكأن كل الراحلين الراقدين تحت التراب يسكنون فضاء مدينتي , يصيروا ريحا باردة , يصيرون مطرا ثم يتعانقون ليهبطوا على ترابه , تتلقفهم أشجار اللوز , أوراق التين , زهرات الياسمين , يصيروا في عناق حتى يغيب الثلج ويترك دمعات من روح الحكاية … جاء الثلج …. جاؤوا … يرحل الثلج يصيروا حبات من مطر تذوب في تراب …. تراب
**** ****
يطير ” خالد نمورة ” حرف كلماته :
” سنبلة أنت يا وردة…. مثقلة بروح الإصرار …. تلملمين ظلال الزيتون المعتق بضوء حروفك , تمدين جسرا من ضفاف عنبنا …. بينك وبين خاصرة الوطن تغرسين الصفحات أناشيد عودة وزغاريد انتصار …. استجديت الكلمات علها تأتي …عنوة ناديتها … استعرت الحبر من شقائق النعمان والأقلام من عوسج بيسان …. نتقاسم ” الخبز المر ” على ضفاف الملح في الخيام , زيتونة معتقة أنت يضيء زيتها من قدسنا إلى نيل الناصر جمال ليسطع بكلماته فوق روابي شآمنا….
تكتب “عبير غسان قتال”:
“ولأنك امتداد الدنيا يا شامنا, سيمر العشاق بك.. ومن مطر محبتنا يولد عشاق جدد..”
“عبير” مولدها “دمشق” تمر بحاراتها وبيوتها, تنثر عطرها على أفيائها وجدران بيوتها.. تعلنها أنها تخبئ أسرارها بقلب أحجار شامها.. “عبير” من زهرة عباد الشمس، وشمس بلادنا التي تقبل زهرات يمتشقن الفضاء تحية لها….
وما بين عبير وخالد محبة بحجم المسافات الفاصلة ….
**** ****
أنا هنا في قلب صبح المدينة , الشمس تخلع عنها شال البرد, خيوطها تتسرب الى قلبي , تبثني دففئها وأنا اجدل منها دمعات الغريبة , أتشظى ومنفاي وغربة تلقي بثقلها على قلب لي يرفض الهزيمة … أنا هنا أسمع صوت ملائكي يصلني على شدوه ” احكيلي عن بلدي ” ماذا نقص عن بلادنا …. زيتونها , ترابها , طواحينها … هل نحن من يحتاج أن يقص علينا ؟…. أما أن حكاية القص هي من نبعنا ونحن من يملك روافد الحكاية … هو صبح يطل يغازل وحدتي , يهدهد روحي من ألم  يمتد , يطوق الكون بوجعه …. أنا هنا لا زلت أقتفي مغزل الحكاية , هو في كف يدك حيث أنت هناك … وخيوطه في كف يدي حيث أنا هنا أرقب من مساحة شاشة صغيرة أتون معارك على تراب شآمنا ,  أستمد قوتي من كل انتصار حتى وان كان من ” سلمى ” أو ” ربيعة ” أو ” الشيخ مسكين ” كم هو ثقيل هذا الارث الذي حملناه من الجدود الى الجدود , حب لتراب أوطاننا لم نتعلمه  من أبجدية الحروف , بل هو من يوم ميلادنا , يصاحبنا , يكبر معنا في ربيع أعمارنا , حب لا يشيخ ولا تطاله منظومة الوقت , ولا تمحيه دورة الزمان , هو عشق يتماهى بنبض القلب , عشق لا يعرف مجراه الا كل من يشبهنا في كوننا هذا , وثلج لم يتوقف ندفه …. لا يتوقف تعب يداهمني , ينتشلني من نومي , أتحسس رأسي , أستسلم وجسدي لشيىء ما لا أعرفه , ألجيأ لصمتي , أفكر ان رحلت ماذا سأترك ورائي … لا شيىء …. لا أعرف لماذا لا أرتبط بعالم أرضي , وكأني روح تاهت عن مداراتها وحطت في مكان غير المكان ووجوه غير الوجوه , يهن صوتي , تغيب رنته في قاع قيثارتي , من يحدثني يسألني ما بك ؟!… وأنا أصر أن لاشيىء …. مابال صوتك ؟!… أجيب ” لتوي أفقت من نومي ” أكتفي بأن ألوذ لذاتي ولا أحد … لا أعرف ما سر ” مريم الدرابيع ” دوما ما تأتيني من نأي المسافات البعيدة , تأتيني طيف من روح ظلال لا زالت لي هناك , ترسم لي مدينتي , تعيدها الى روحي وقلبي وقد توشحت بروح الأخضر …. تكتب لي ” من مدينة القمر …. ” أريحا ” مدينة القمر يا وردة في التلمود عن اليهود ساكنها ملعون …. ” تتقاطر على هاتفي مشاهد من مدينة القمر , ماء النهر وقد تجمعت عذوبة مياهه من أعالي الجبال , من القدس , الخليل , دورا , نابلس تصير شلالا هادرا يصلني وشيشه , يسقط في قلب مدينة القمر …. ” مريم ” تطل على قلبي , أميرة الحكاية وأيقونة وطن , هداياها أحجار ماسية تسكن قلبي وروحي
**** ****
“سكن الليل شارع بيتنا, غاب البحر في لجة العتمة, وأنا هنا على بقايا نور شاحب أدق على الحروف فتولد كلمات هي لي.. كلمات تعلن عن رحيل الوقت, ويعلن عن مولده من كلمات مرسلة هي الهدية الأجمل منك… حتى ينتهي على مساحة الوقت ليوم آفل.. كلمات أكتبها هاربة مني وأنت يا سيدي الماهر في الدق على حروف الكلمات إلى سيدة النور وبهجة الحارات, ضوء الشمس في خريف القرى البعيدة… أهرب إلى النعاس.. إلى ملاك النوم, قد يسلمني لسلام غد قادم وكلمات أعود أطرزها على شالي الأبيض تحلق في فضاء لا أعرف مداه..”
***** *****
“أنا يا سيدتي أقتفي خيط النور القادم من زمني ومن وقت كان لنا, من أمكنة فقدناها, ويزداد التعلق بها أكثر حين يسكنني يقين أنك مثلي ومن زمني, من ألمي, من جرحي ومن غربتي.. وكل الذي لم أقله بعد.. لا أعرف أين أنا في هذا العالم الجديد الذي أهال التراب علينا وعلى الماضي وعلى قرانا وحلمنا وقضيتنا التي توارت خلف الإرهاب والنسيان والحروب.. أنت لستِ ككل النساء.. أنتِ قضية وأرض وتاريخ..”
***

كتب ناصر قنديل من قلب ليل مهاجر:
“الدمعة الحارة أحيانا قطرة ندى, والحزن ليس دائما نهاية…”
هل كانت تلك الدمعة الندى والدمعة الانتصار, دمعة الصمود وروح المقاومة التي خرجت بلورة وقد كتبت على بياض العين اسم “سمير القنطار”.. هو “سمير” الذي قبض على التاريخ والجغرافيا لتشكيل مسارات حياته.. ميلاد في “لبنان”، اعتقال في “فلسطين”، استشهاد في “دمشق”.. هي الشآم التي رسمها في شريان قلبه.. يردد بعلو الصوت على طرقات دق بقدمه عليها, بين دروبها ومن على قمم جبالها “ازرعوا رصاصا كما تزرعوا القمح..”.. إنَّه “سمير القنطار” قاطرة مقاومة, عابرة للمذاهب والحدود, عبر حدود الطوائف وأسوار المذاهب وحوائط الأديان, كسر خرائط المؤرخين وخرائط القبائل..
***
“فايز انعيم” لم يفقد عزيمته في حمل قنديل يزيح به عتمة تتسرب إلينا, يقتفي أثر الوجع, يرهف السمع لفحيح المؤامرة, يستشرف لحظات الانتصار من على محطات الانتظار, يشير إلينا بالكلمات, بالحروف حيث أعداء لنا, يكتب كيف يسقط القناع عن القناع..
يكتب لي:
“هي الشآم يا وردة التي هناك.. وردة أنت تنبعث كما خيوط الشمس من روح الغياب, هل أحدثك هذا المساء عن شهيدنا الغالي “سمير القنطار” الذي كان أول برعمة يوم كان القرار بفتح الجولان أرض مقاومة عربية, بقلب جسور تقدَّم “سمير”, حارب في فلسطين يحمل اسم “جمال” العروبة والوطن والانتماء, عاش الأسر عقوداً طويلةً, ويوم عاد للجولان المفتوح للمقاومين الذين وجهتهم فلسطين… تذكري يا وردة أنَّ “سمير” كانت إحدى محاولات اغتياله قبل استشهاده بأيام قرب “حضر”..”
***
لـ “سمير القنطار” كتاب لا يشبهه أي كتاب, تظهر على غلافه ملامحه العصية وكلمة من حروف تحمل عمق المعاني والدلالات “قصتي” يُطل علينا بتجربة اعتقاله, وزمن أسر قضم من سنوات عمره, لكنها سنوات لم تقضم من إرادته وصموده وعزيمته, كان يبحث في سنوات اعتقاله عن مسرب يصل به نحو الخارج حيث نافذة المقاومة التي شرعت نحوه من أرض لبنان.. رجل يعيش الحياة بنسق مقاوم ويعيش الرحيل بروح شهيد..ٍ
“أم جبر” وإطار صورة توسدها فراشها, تردد كلماته حين يلتقي بها “فلسطين كما رصاصة العدو التي استقرت في رئتي التي أتنفس بها.. فلسطين في قلبي..”، وزوجة تضم ذات الملامح إلى صدرها, تجرحهم تنهيدة من روح الغياب لفضاء مغادر يحمل روحك المتقدة بعشق تراب الوطن… تغرق “أم جبر” بدمعات الملح, تهمس بحنجرة مجروحة “كان رفيق ابني في زنزانته.. غزلان تموت عند أهلها.. ونسور لا يهمها أين تموت..”
***
“سمير قنطار فلسطين” أسطول في مواجهة القمع, اختزل فكرة المقاومة في دمه وعقله ووجدانه.. دوما ما يردد كلمات “جيفارا” الثائر أول من يموت وأول من يضحي وآخر من يأكل وينام..”
“كل قلوب الناس جنسيتي، فلتسقطوا عني جواز السفر”
كم كان متفانيا لأجل رفاق الدرب, يحمل في داخله عمقا كبيرا بفلسطينيته, وعى آلة العدوان داخل الوطن العربي وإعاقة وحدة البلاد العربية تحت الهيمنة والنفوذ الاستعماري..
“سمير القنطار” يوم اقتربت منه عين عدسة التصوير وفي حضنه ابنه الصغير “علي” كان يطوِّق العدسة بدمعة فراق أبدية.. وعين الطفل كأنها تكشف الغيب في رحيل أبيه وبراءة لا تزال تسكن نور عينيه لم تعطه عنوان البطولة من روح الأسطورة.. “سمير” يحط عليه السهوم, يلصق وجهه برأس طفله, يصلني همسه الموجوع: “الوطن غال يا بني.. الوطن غال..”
قنطار فلسطين.. يحزن وحيدا.. يبكي وحيدا حين يسقط أحد رفاقه واقفا، وعزيمة تشتد, تقوى لأن يفتح جبهة الجولان, وقدس هي البوصلة.. وبوصلة الأمة..
يكتب “سمير” وصاياه..
“أن اقتلعوا الرمح من القلب، واقبضوا على الرمح من نقطة الجولان, واجتثوه من لحم القلب.. وصيَّتي أن يكون الجولان هديتي على شاهد قبري وأن تقطفوا لي إكليل الورود والغار من جولان محرر.. وأن تعلموا أن لنا عدوا واحدا مهما تقنَّع, وأن من نقاتلهم اليوم يعملون لأجله.. تابعوا رحلتي ولا تتوقفوا إلا على خليج “العقبة” حيث تخوضون مياه البحر ولا يبقى شيء من بيت العنكبوت.. عدو يريد أن يقول لنا أن له حلفاء بين ظهرانينا وأنه صار يقاتلنا بهم ويقاتلوننا به.. ولا أنسى يوم فك أسري أن أعلنها لكم في كل وقت “أنني لم أعد من فلسطين إلا لكي أعود إلى فلسطين..”
***
“كارولين” لم تمت.. ألملم الصراخ في قلبي, لن أبكي كي أبث روح الصمود لكل أمهات الشهداء.. لن أخرج من بيتي حتى وإن فقدت جميع أبنائي.. سنصمد لأجلك يا “حِمص”.. لن أغادرك ولن أعلن الرحيل.. ويجرح صمت الحكاية صوتٌ آت من خلف بوابات العذاب:
“هبة” ابنتي سكنت البرية.. يحتضنها تراب الوطن, هي وحيدتي, صديقتي.. رفيقتي, دم ابنتي على الجدران, ربيتها بدمع العين, من جهدي وتعبي لأجل أن افرح بها, تكمل دراستها, تزف لزوجها, “هبة” كانت تحب شجرة عيد الميلاد.. شجرة السلام والأمان.. أموت أنا وابني المتبقي لي لن نترك “حمص” هي بلدنا, وسندافع عنها.. من يوم حرب “لبنان” كنت باللاذقية, واصرار يسكنني لأن أذهب الى هناك أدافع عن لبنان, واليوم بلدنا سورية كيف لا ندافع عنها ونفديها بأرواحنا..
“ريم سالم” غيَّبها دوي الانفجار.. تهذي أمها من لوعتها, تنادي على كل الاسماء.. “ريم” لم يظهر منها إلا حذاؤها الصغير ملقى على أطراف سجادة غارقة في الدماء، وريم غارقة في سبات عميق كطير جريح يصادق تراب البرية..
⦁ رحلت ريم.. حرموني منها..
أهالي “حمص” ينهضون كما العنقاء, يعمِّرون ما تهدم من مدينتهم, يرددون: “نحن نخسر ولكن الوطن لا ولن يخسر”.. دفنَّا شهداءنا, جرحانا في المشافي.. ونحن نعيد إعمار “حي الزهراء” الذي هو ملحمة صمودنا..
***
وحين قال الصبح: يعود “ناصر قنديل” يكمل طريقاً من كلمات مع كل قطرة دم, وكل دمعة حزن وصرخة يتيم ونحيب أرملة.. سيبقى الصباح لـ “حمص” وزهرائها مزهرا بالأمل, سيبقى لإشراقة الشمس فيها طعم الرجولة, القتل لن يجعل الباطل حقا, ولن يدفع الشمس للهروب حيث الغروب, مادامت الشمس في مشرقها ستبقى “حمص” شوكة في عيون أعدائها, تنسج من خيوط ألمها كنزة شتاء آت بلا دموع, صباح الخير يا “حمص” الأبية والعيون البهية, صباحك ليلهم ومن دمعك فيا ويلهم, ليركبوا أعلى ما في خيلهم, فالصبح قريب.. الصبح قريب..
***
تبعثرت أوراقي في لُجة العتمة, أشعل قنديلي, قد تدلني حروف كتبها من زمن بعيد, قد تنهض من ركام الوقت, كم أحتاج في لحظات كهذه إلى مرور بحكاية رحيل, “ماجد أبو شرار” توسدت حروف اسمه ألف جدار وجدار على أرضه التي هناك.. وفي أرض الشتات تقرأ اسمه على جدران المخيمات.. “حكاية رحيله من مدن غيَّبها رماد الأرض, في كل مرة أقرأها وكأنني بها للمرة الأولى, أي قلم هذا؟!.. أي حروف هي؟!… أيُّ ماجد هذا الذي يُرسل من وراء الغياب حيث “أحياءٌ عند ربهم” صوراً بهيةً لـ “يارا عباس” ولـ “ميرابو عاقل” ولـ “سمير القنطار”، ولكثرة من الأسماء هناك في حضرة الغياب؟!.. وأيُّ كلمات تركها “ماجد” لعين لي تمر على حروفها, فما تزال تعصف بي أساطيرها.
“عمري تسعة وثلاثون عاما, وأنا الآن في مدينة لها بحر منه الشمس تولد كل صباح.. تلك كان لها بحر فيه الشمس تنام, وهذه لها بحر منه الشمس تولد.. كان هناك لي بيت وأرض, وهنا لي بيت بلا أرض, هناك كان لي ماض, وكنت أملك ناصية يومي.. كنت أزرع أحلاما تشرق بهية في غدي, وأنا هنا بلا ماض.. يومي بطاقة سوداء تسلمني بعناد ونزق إلى غد أشد سوادا.. هنا أنا بلا جذور، بلا دعائم، بلا أصل.. أنا مجرد قرمة خشب ملقاة على قارعة طريق, تركلها كل حين قدم نزقة, تتحسسها يد معروقة هزيلة ثم تأكلها في النهاية نار ملعونة.
في الشرق أقمنا بيتا لنا.. كان كالبيت الذي كان لنا في المدينة التي كانت لنا.. جعلنا له حديقة، زرعناها وردا ورياحين, وتركنا بقعة داكنة لا تزال تنتظر عرقا داكنا يغرس فيها ليصبح مع الأيام شجرة جوافة.. هذا العرق لم يغرس حتى اليوم.. الراعية لا تزال ترعانا، و”عطاف” الرائعة الحلوة ماتت فجأة بعد أن غادرنا الغرب بعامين “أمال” لها ابن اسمه “سلام”.. “أحمد” كما كنت أريد أن يكون.. محام أرجو له كل توفيق ونجاح وسعادة.. وأنا هنا لا أزال أروي كل يوم حكاية الغرب.. وأغصان شجرة الجوافة لا تزال حطبا يتقصف في قلبي.. تلة الرمل الشقراء لا تزال تنهال على جسدي المحطم كل لحظة فتخنقني.. “عطاف” الميتة لم تزرع ما يؤكل.. وشمس مدينتي ما زالت نائمة في البحر..”
***
“العجوز القميء يتوكأ على عصاه ويتمتم كلمات بلا معنى، وحبات مسابحه سوداء كالحة.. أبعدوه عني.. إنه يغرس عصاه في عيني.. عصاه مشروخة الطرف تعشش القذارة في شقوقها.. الصفاء يسبح من قلبي إلى عيني، لا تدعونه يغتال هذا الصفاء … ”
هو ماجد.. رسم في يوم الشمس حدود البحيرة وملتقى النهر.. هو من الأم الأممية.. أبواب مدرسته حنطية, طلابها أشباله وزهراته.. وسلامنا الوطني لا يزال يهتفه.. أنا ماجد… يجاور “ماجد”، “محمود درويش” حيث جدارية تحمل ملامحهما، ومن حروفهما أجدل ملحمة هي أيقونة تسكن الروح ولا تغادر ”
نحن أيضا لنا سرنا عندما تقع الشمس عن شجر الحور: تخطفنا رغبة في البكاء على أحد مات من أجل لا شىء مات, وتجرفنا صبوة لزيارة بابل أو جامع في دمشق, وتذرفنا دمعة من هديل اليمامات في سيرة الوجع الخالدة ! لنا ما نقول عن الأرض للأجنبية حين تطرز منديلها ريشة ريشة من فضاء عصافيرنا العائدة “

***
نفس الحنين والغربة والوجع والوطن والإنسان.. “ماجد” هو أنت وأنا وكل الآمال القادمة والأحلام المسروقة.. هو لا يزال بيننا يردد ما نردده لأن الزمن العربي توقف على أعتاب فلسطين المسروقة, المحتلة من جهلنا وتقاعسنا نحن الأمة الخائبة التي لا تحاول النهوض, وكلما حاولت ترصدها الغرب وأمريكا ونحن نستسلم لهم طوعا.. الشهيد “ماجد” لا يزال حيا ويردد الأمل والشجن..
سيدتي الجميلة كوني ملكة أندلسية تزهو بألق مجدها.. أو تعيش في قصر عباسي منيف… كوني كما أنت يا سمينة النور وزهرة أمل حنون..
***
سيدتي.. سيدة كل الوقت.. أعلم من أنت.. أنت القضية, النضال, الإقصاء, نزوح ويهود, شهيد وبرتقال, زيتون وزعتر وميرامية.. لا تندهشي أنا نازح مثلك يا وردة, أعيش قضيتك لأني فيها منذ وعيت حالي, حتى أن ملامحي فلسطينية, لدي كوفية كثيرا ما أتدثر بها حين أريد إبراز هويتي..
***
تسألني ابنتي عبر الهاتف بنبرة صوت يسكنه الأسى:
⦁ لماذا قتلوه؟!..
أبحث لها عن إجابة.. تسألني ما معنى الاعتراض هنا في مقتل الشيخ “النمر” وأنا أزيح من عيني دمعة قد تُمسح من وجع الحكاية, هو ذاته الجلاد الذي تبيَّنه شيخنا “البوطي” وشيخنا “النمر”.. يقتلونهم عنوانا, علما, مهابة.. وقلب لهما بيته منبر وبيان وتنوير.. يا لحزن قلبي, كيف لي أن أقص للصغيرة عن ظلام يفترش كل مساحات الأبيض في أوطاننا؟.. “البوطي”، “النمر”… كان طريقهما من روح المحبة والسلام, يحملان رسالة حب وإيمان ورسوخ عقيدة في رحاب النور, فزرعوا في رحابهم بارودهم لتسفك دماؤهم ويسكت صوتهم…
“نمر النمر” سلامه وسيفه ورصاصته كلمة حق نطق بها؛ لأجل ذلك ارتقى شهيدا على يد أهل الظلم..
للبوطي قبر يجاور قبر صلاح الدين حيث المسجد الأموي في “دمشق” الياسمين.. وشيخنا “النمر” غيَّبوا قبره ومراسم دفنه ويوم وداعه.
***
غاب الوقت عن الوقت.. أفتح شاشة الحاسوب أبحث عن اسم “غيث الأكسح” تظهر لي ملامح وجهه في بزته العسكرية بين رفاقه في جبال “اللاذقية” أرنو لآخر مرة كتب على صفحته, أخذني التاريخ إلى ماض بعيد.. أكتب إليه.. لا أحد.. أبحث عن “فرقان” خطيبته في تخوم اللاذقية، لا أحد.. من منكم يعرف طريقا رحل إليه “غيث” كم يخاف قلبي أن يكون ارتقى حيث قافلة أسماء من نور حكاياتنا الباكية…
هنا “الخليل”.. هنا عشاق ترابك يا وطن.. هنا الخليل في عرسها من روح صمودها.. آباء الشهداء رؤوسهم تطال السماء.. وشارات النصر تسكن أيديهم.. وللخليل حكاية.. تلملم حبات دمعها من قلب الوجع، وأبناء لها وسدوا ثلاجات الموتى شهورا.. وعين الأم لا تنام.. أنى لها بجسد ابنها الذي تعصف به برودة ثلاجاتهم من عيون غدرهم وإجرامهم.. ينتصر الجسد المسجى على جرم الجلاد, جاء نهار يعلن عن عرسهم الأسطوري, جثامينهم يتلقفها تراب وطنهم ودفء من حبات ثراه تضم أجسادهم.. يوارون الثرى وخيوط الشمس تجدل أنشودتها لحفل وداعهم الأخير, نساء كنعان يحملن السلال ينثرن الورود والرياحين على جثامين تقبل جبين أرض أنبتت عظامهم.. غابت ثلاجات الموتي من فحيح غدرهم.. وحث الخطى حيث “مقبرة شهداء الخليل.. بيت أومر.. سعير.. وأهالي الشهداء يمضون ليلهم يرددون أهازيج الانتصار من روح صمودهم.. وشهداء سكنوا تراب وطن هانت الروح لأجله..
***
من زمن بعيد كنت أرافق أبي حيث شمال فلسطين.. تنقلنا حافلة على طرقات ممتدة, وهو لا يتوقف يلكزني ويشير لي على مدن وأسماء, ويعيد لي عبارة لا يحيد عنها:
“تأكدي يا بنيتي هو كيان إلى زوال ”
لحظة تقف بنا الحافلة, نترجل على الطريق في ساعة غروب, ونسمات باردة تلفح وجهي.. ألتفت إلى أبي وهو غارق في معطفه الصوفي, يشير لي قائلا : هنا “عرعرة ” ألتفت نحوها فتطالعني بيوت سكنت سفوح الجبال, تلامس جباه النجوم.. اليوم تقترب “عرعرة” وتعيد لي نورا يسكن ذاكرتي, كلمات أبي الذي لم يتوقف يشرح لي كيف نرسم خرائط مدننا، وكأنه يقرأ ما نحن فيه اليوم.. “عرعرة” وميلاد شهيدها الذي أصر أن يكتب رقم مائة وخمسين شهيدا بدمائه “نشأت ملحم” هناك وقفنا أنا وأبي وكأننا نقرأ اليوم والأمس والغد القادم ..”نشأت ملحم” صار له قبر تسكنه زهرات الأقحوان التي تستدير بدورة شمسه الأبدية في قلوبنا….
رجال من ” فلسطين ” ينقشوا التاريخ بدمائهم …” نشأت ملحم ” لم يترك سلاحه لآخر نفس من أنفاسه , اغتالته رصاصة قناص ….. اخلع نعليك فترابها من دمائنا

***
إلى “وردة” التي هناك.. وطن أنت.. امرأة كنعانية أنت من تاريخي القديم.. للتو رأيتك تتدثرين بعصرنا الذي فر من كنعانيته لتعيدي الينا مراسم النصر والشموخ القديم, العهد القديم, يوم كانوا يكتبون التاريخ ويصنعون المجد ويسطرون الوقت.. كنعانية أنت سيدتي.. أتيت لتعيدي لي ما كان.. أوراقي.. تاريخي.. جذوري.. هل تعيدين لي إنسانيتي التي اهترأت على بوابات “القدس” وفي حواري “عكا” التي ضاعت أكثر من مرة كم أخاف عليها لأن تتوه عن تاريخها وعن ماء يصلها عبر دهاليز البحر حين تستعصي أبوابها عن الفتح, ووقت يعصف بي من مذابح يهود وألاعيب خونة وقتلة وتجار دين باعونا أكثر من مرة.. تعالي كي تروي لي تاريخي من زمن حقولنا البعيدة التي ما زالت خضراء في قلبي, هناك الربيع يحث الخطى إلينا, هناك داليات عنبنا تحوط منزلنا الذي ضاع مني تحت سطوة ظلم إخوة أهالوا المعبد علينا بعد رحيل الآباء.. لم يشفعوا لهوسي برائحة أمي وطعم خيالات أبي وفضاءات أمكنة كنت لها وكانت لي..
***
ما الفرق بين إخوة أهالوا المعبد علينا برحيل الآباء, وكيان أوصد البوابات وأقام الجدار ولا أحمل في حقيبتي إلا ورقة صفراء, تصريح خروج دون تصريح دخول..
أكتب إليك سردا قد تستبشر به بدايات ليومك المشحون في غربتك البعيدة.. تؤكد لي عن هوية تسكنك هي “كنعان” ويوم امتطى “رمسيس” عجلته الحربية يتجه شرقا قال: “من هنا أمننا وأماننا يا شعبي العظيم”.. كنعان حضارة نتوارثها جيلا بعد جيل والملامح الفلسطينية تتشكل في حجرات القلب, كم من عابر سبيل دق بقدمه على أرضنا وتنفس هوانا ولم يكن كنعانيا.. أنت مقيم ولست عابر سبيل لأن ما يسكننا تجاه أوطاننا ومدننا لن ولن يغادر.
***
نعشق أماكن هي لنا.. نتنفس مساماتها, نموت عشقا في أرض حملت أقدامنا وشهدت لعبنا ولهونا.. بين داليات عنب زرعها أبي عشقت الكلمات وكتبت أول حروف القصيدة, أتسلق شجرة اليوسفي ألوذ بها من خيالات تعصف بي, أغيب بين أغصانها وآخذ مجلسي فيها, وأوراقي أضمها الى صدري وحبَّات اليوسفي أقشرها وأبعثر قشرها في فضاء مدينتي, نافذة جارتنا أتبينها من بين أغصان الشجر, أعجب لحالها وسؤال لم أسأله لها “لماذا تجمع قشر البرتقال واليوسفي في خيوط وتعلقها على شباك مطبخها؟.. كم من الأشياء أقوم بها في وقت واحد وكأن الزمن يلاحقني, أحفظ رسم بلاط دارنا, أعرف مطارح أشجارنا, ونافذة حجرتي وقد تشابكت عليها فروع وأوراق دالية العنب, ويمام لا يكف التسبيح في فضاء حديقتنا, وكلمات أمي تؤكد لنا أنه يذكر الله, أبي وسلة التين يملؤها ويوزع علينا ثماره.. رحل أبي.. رحلت أمي ورحلت برحيلهما مذاقات الأمكنة.. كنت أقطع المسافات وأقف على معابر العودة أنتظر فتح بوابات موصدة, في البرد, تحت وهج الشمس لقهوة من يد أمي..
ذهبت عني مذاقات القهوة.. لا يحزن قلبك على بيت كان وتهدَّم.. البيت رحل برحيل الأحبة يا سيدي, يموت المكان برحيل صاحبه, برحيل أبي هرمت أشجار اليوسفي وجفت حباتها وتساقطت أوراقها, لم تعد تفترش الساحات وممرات الدار, ضمرت وعجز قلبها عن تحمل رحيل من زرعها, داليات العنب أشاحت لنا بوجهها, تساقطت فروع الدالية عن شباك حجرتي وتهاوت على أرض تمور بعطشها لفراق من كان يرويها بروحه ودمه, يوم رحلت أمي صار أخي يسابق الزمن ليغيِّر معالم البيت, ينزع بلاط الدار الذي حفظت نقوشه وحفظ مطارح أقدامنا.. اليد العابثة تعبث في كل ما نحب, تعبث في المكان والإنسان وتغيِّب من كان.. بقي نحن. نحمل عبقا من ذاكرة الأمكنة التي هي لنا ومن وجوه أحببنا عمرنا من ملامحها وطلتها علينا..
أنا امرأة كنعان الأولى، من زمن آرام, من زمن لم يكتب بعد, كتبت شهب من وادي رم وتدثرت بأسماء نبطية وكان اسمي “شقيلة” وحرف الشين يلاحقني “بسيشية” من أسطورة يونانية هي أنا وشقيلة من مملكة الأنباط في زمن كنعان القديمة هن أنا.. جميعهن أنا.. هو زمن كنعاني وأنا بكل قوتي أتجذر فيه قد أعيده من جديد.. كم أعجب لحالك يا سيدي تحفظ وطني وأسماء مدنه دون أن تدق بقدمك على ترابه.. وحالي أنا ماذا تقول فيه؟!! أنا وقهري صنوان.. مع كل إطلالة صبح ألملم ذاتي المتعبة كما العنقاء من تحت الرماد أعيد ما تهدم من وجع الفراق لأكمل من جديد..
***
أفتح شاشة الحاسوب أبحث عن شريط تسكنه قريتنا البعيدة إنها “دورا” تطالعني جبالها، وديانها.. الأخضر فيها.. مآذنها, يتسرب إليّ دفؤها.. حضن ودفء وأمان… تسقط دمعة, ألملم ألمي من وحشة الفراق, من خطوات هي لي على شارعنا الجبلي أمضي به حتى واد سحيق.. تأخذني الطرقات, جدارية يطل منها وجه “ماجد” البلدة القديمة, كم من المرات وقفت بها أنتظر قدوم الحافلة لتقلني حيث “الخليل” ويدي تتشبث بيد “حكمت” كنا نقاتل الوقت حتى لا يتسحب إلينا الغروب ونفقد طريق الرجوع, أين “حكمت” الآن؟ هل لا تزال تذكرني ودفء راحة يدها لا يزال يسكن يدي..
“وائل أبو عرقوب” يقص عليّ حكايتي يوم قطع صندلي وأنا أتعربش على دالية العنب, وكيف هبَّ “سمير” ليصلحه لي.. “وائل” يحب “سمير” الذي رحل عنا غيلة وغدرا.. “وائل” ظل يحتفظ على جدران ذاكرته بصورة ملابسي الأثيرة لي, يقول لي:
⦁ أنت كما أنت يا وردة الحكاية.. أتذكرك دوما حين تطلين علينا بتنورة وقميص تفضلينه أبيض وذاك الصندل الذي لم تخلعينه من قدمك إلا يوم أصلحه لك “سمير”.
صندل دون كعب عال كما باقي الفتيات يميل للعسكرية وفي الشتاء حذاء برباط يميل شكله لأحذية أبي.. أرهف السمع في ليلتي هذه يصلني صوت مسافر.. الوطن يناديني صوت “مريم الدرابيع” تكتب حروف اسمي على أوراق بيضاء “الأقصى يناديكِ” ما حيلتي وشوق يعصف بي لعودة حيث هناك وأنى بها من عودة!.. “دورا” بلدة أبي.. غزة مرتع صباي وحب يتشظى ما بين جبل وبحر وأنا العاشقة لكليهما.. ولكني كنعانية جبلية هذا هو أنا
***
مدننا من أرواحنا.. نستمد منها دفئنا وحياتنا.. أشواقنا.. حقيقتنا.. مدننا هي أجسادنا, أحلامنا, ملاعبنا, أشجارنا, حميميتنا.. هي الجدود والديار والعائلة.. أنا وأنت يا وردة ارتبطنا بمدننا لأننا من بقايا جيل منتمي ومحب.. لن أغيب كثيرا لأنك ستجدينني إذا شئت, لأني أصبحت منك الأقرب وكأني “ماجد” أو أكثر مع فارق يتسع بحجم الوطن والمدن الغارقة برماد الوقت أنه مناضل وعظيم.. الشآم بلادي… فلسطين وطني, وخريطة كبيرة بكامل قراها التي اندثرت بفعل الغصب والعدوان من كيان مجرم تسكن جدار بيتي..
***
هل يستدعي شهداء سورية شهداء الجزائر؟!.. كلما طويت صفحات روايتي تأتيني عاصفة من برق, تنداح العتمة إلى نور.. يطل الشهيد “فارس” يُشير لي حيث ابنه “فيصل” كي نكتب حكايته معا.. “فيصل” يطوى أوقاته عاشقاً لبحر وأرض وسماء على تراب الجزائر.. لا يطاوعه قلبه لأن يقص لي عن عظام لأبيه تناثرت تقبل جبين الأرض, وأنه لن يكف يبحث عن تراب أبيه على ثرى الجزائر.. يكتب على أول طريق بيته لافتة “الجبناء لا يصنعون التاريخ” إنه الغرب الذي تحدث عنه “ماجد” أنه الغرب الذي ذبح واستباح الأرض, ويوم ينهض الرجال ليذودا عن وطنهم يعرفون أن تراب الوطن في انتظارهم ولا خيار لهم..
امرأة من مخيم “صبرا وشاتيلا” لا تملك في حياتها إلا إطار صورة تسكنها ملامح أبنائها الأربعة, عقود بعيدة وراحة يدها لم تتعب أن تمسح ذرات الغبار الناعمة إن مرت على برواز صورهم, راحة يدها تتوسد روح الحياة التي غابت عنهم وغيبتهم.. “فيصل” من مذابح الجزائر يتبين عظام أبيه في كل زاوية إلى مذبحة “صبرا وشاتيلا” وأمٌ جُنَّ جنونها, تبحث عن عظام أبنائها, تقسم أنها لو تعرف أين تكون؛ ستدفسها في قلبها.. عظام أبنائها ستهديها حياة!!
“ماجد” في رحلة بحثه عن عظام أخيه، خانته قواه, ماذا يقول لأمه الملتاعة, ألف ألف بطاقة زهر ستذبل في يده قبل أن يعثر على قبر أخيه, هل يحيل ربيع وتلال بلاده التي هي في عينيها أقحوان ونرجس إلى عوسج وسويد, والغيمات أسراب غربان كثيفة.. ويعود صوت تلك المرأة من مخيم “صبرا وشاتيلا” يذكِّره بصوت أمه:
⦁ قميص ابني.. عظامه أريدها لأضمها الى قلبي, أضعها على رأسي وردة.. وحذاؤه أضعه في برواز أسكنه حائطي وقلبي ونور عيني..
تشدو مرثيتها:
“امنحيني الصبر يا صبرا.. اجعلي الشمس تضيء من قلب حزنها”
⦁ هل تلملم جرح الحكاية في سطور وترسلها لي؟
⦁ كيف ألملم جرحي يا سيدتي، وأنا أراه في كل زاوية وأسمع صوته في وشيش بحرنا، وفي انبثاق فجرنا، وفي شدو عصافيرنا.. سيدتي لا تنسي الجزائر.. أسكنيها صفحاتك, وأنا سأسابق الوقت وأستقبلها حيث تكونين.. أتلقف أوراق مدن هي لنا, أزيح عنها رماد الحكاية, وألونها بربيع الوقت..
“أمال شهاب” صديقتي هناك.. مدينتها الأشد قربا إلى فلسطين.. “صارت فلسطين عنوان الغريب”.. أنتظرك يا وردة حيث الجزائر, كي تتيقني وتشاهدي الشهداء وهم أحياء يرزقون
***
حين تغزو قلبي رياح الفقد أبحث عن “وائل أبو عرقوب” أقلِّب الشاشات, أتبين حروف الأسماء, أستدعي وطنا لي من قلب “دورا” العصية, الصامدة.. أكتب إليه:
⦁ أين أنت يا وائل؟.. لم كل هذا الغياب؟!..
ينثر كلماته عساها تكون ضمادات لجروح غائرة..
“جذورك عميقة وعنيدة من الزمن البعيد يا وردة الحكاية.. أقرأ ما بك.. كم هم كثر من يريدون إقصاءك بعيدا في المهاجر والغياب.. منسية في ذكريات لا يحبون أن يفتحوا صفحاتها.. أنت هناك، وهنا أنت متجذرة, لا تكلي ولا تملي… هنا كثيرون يذكرونك: “مريم الدرابيع”، “خالد النمورة”، “حسن عمرو” إلى يوم رحيله كان يذكر اسمك يا وردة.. أنا “وائل”.. أنت يا وردة أشبهك بشآمنا وحرب كونية تواجهها, وكل قوى الشر التي تكالبت وتآمرت عليها, لكن شآمنا يبقى على صموده يثبت للقاصي والداني أن سوريا أقوى وعريقة بماضيها وحاضرها والمستقبل لها.. كم يعجبني إصرارك على كنعانيتك.. جبلية.. ابنة أبيك قبل كل شيء, وعين على “غزة”، وعين على “دورا” وذكريات قديمة لا تزال على طزاجتها وكل يمر من أمام جدارية يشرق منها وجه “ماجد”
***
“خالد النمورة” غيَّبته المسافات البعيدة، وهو الأقرب إلى “وائل” حيث ربيع هناك لا يغادر.. كم من المرات كان يهديني درة حرفه من فيض محبة يتجلى عنوان الوفاء.. يوم نزف يمننا.. كتب لي وكأني لتوي هناك, أرتقي جبالها لأرسم من نور العين روح حضارتها..
“تجوّلت بين حروفك يا وردة فأصاب مني اليمن نبضة الرحيل.. هي حروف كلماتك.. هي ياسمينة دمشقية تسكن لزيتونة في جبل الخليل..
ووجنات طفل على ترابك يا يمن ما عاد يعرف أسماء النجوم ولا تصله تراتيل القمر في أيام صيامه, فتنة تستشري في أوطاننا وتقطع أوصالنا.. كلماتك يا وردة تسربلت بثوب العروبة الخالي من ثقوب الغرب اللعين..

*****
“غاب الوقت عن الوقت.. ترسل لي تدعوني لأنثر كلمات من براعم صبح يأتينا على موعده وأنا التي تلتحف الغياب, منسية في مدن المنافي البعيدة, وأنت هناك تذكرني وأنا الغافية هنا, أوقظ صباحاتك من قلب غفوتي, أنا وإن غبت يا صاحبي لا أغيب, أنا على مواقيتي حتى وان عاندني الوقت وصرت الهاربة مني..
لا تندهش إن قلت لك أنك تعرفني أكثر ما أعرف نفسي, تعيد كتابتي وكأني ولدت البارحة, تعيد تشكيلي كما كتبني زماني هناك, كم أثرت حزني وشجني على نفسي, أنا لست ككل النساء.. أنا قضية..أنا أرض.. تاريخ ووطن.. أتوسد نشرات الأخبار وأقتات على مواعيد الانتصارات القادمة في أمل لا يبارح قلبي, صرت جنديا في جبهات بعيدة أراها بقلبي وروحي, أقتفي أحزان الفقد لجنود ضحوا لأجل أن نبقى, أقتفي وجع الحكاية من غدر قوى الشر والظلام لتقتل الأبيض فينا.. أنت من يعيد مقاتلة تجوب الجبهات إلى أنشودة عشق غابت مع غروب عمر آفل.. أنا هنا.. لا أزال على أرصفة الطرقات أرهف السمع لأنشودة من روح الفرح تصلني منك..
مسكينة أنا يا سيدي.. أنا هنا في مدينة خواء, وأنت هناك في لجة العتمة تبحث عن ذؤابة نور قد يأتيك من قلب مثل قلبي، وحياة لا تأتي إلا مرة واحدة.. نعم هي أتت ونحن على أرضها.. أتت ونحصد من أوجاعها.. أتت في فقد يلاحق فقدا.. أتت ونحن بين أناس لا يعرفوننا ويجهلون هويتنا.. ما يحيرني أنك عرفتني من بين الجموع وكتبت هويتي من حروف وطن وأسماء هي لنا..”
***
سنديانة الوقت أنت يا ” وردة ” وخبيرة بومض الوقت فينا لأنك جزء من الوقت الذي أصبح يستحي من نورك , يقبل عليه لبذل الدفء الغافي عن وجع الوقت القاتل , تصنعين وقتك من تاريخ أمكنة تدفنينها فيك وفي روحك النبيلة , الشفيفة , لتتحملي وجع الأيام والأماكن والمدن وقرى آفلة في مرايا التاريخ الذي يشوهه بني صهيون يمتطون الأرض تمطي الكلاب الناهشة في أوجاعنا وآهاتنا وأوطاننا , منذ وعيتك قبل ان أعرفك أو ألتقيك وأنت تعانين وجع الرحيل ومكابدة النشيج وبوح النفس المكلومة ودموع فراق على وقت وأماكن وبيوت وراحلين …. أشعر بك الآن , أنا وكل ما ضاع منك هو مني وكل ما راح هو لي وكل الناس هناك هم نحن وأنا , أنك لن تعرفي أنيمن بيتك الذي كنت فيه ذات وقت , وأنك أنت مني, من طين قريتي الغافية في المجهول , تجذرنا في ذات التراب , ذات الماء , وذات القتل والنفي والتشريد, وأن كان بدرجات متفاوتة ومختلفة جمعتنا الآن ومنذ شهور قليلة على حافة الوقت الذي تحبين لأنك ملكة الوقت والتاريخ ….
تبكي قيثارتي حيث أنا هنا وأنت هناك …. ألوذ بسحابة صبح قد تحملني اليك وأنت على موعد مع ساعة الوقت …. من شهور قريبة …. شهور بعيدة جدلت جسور الود , قلت لي ” ليس من حقك الغياب … ” وكأنك تراني وأنا مأخوذة في متاهات الوقت وتسارع الأحداث , أقاوم لأن أنهض من جديد , استطعت أن تعيدني الى مقعدي القانط وحيدا معي , لأوراقي التي اعتلتها صفرة الوقت , لمداد أقلامي , أنا هنا من ألف ألف عام , أكتب وأكتب عن وطني الذي أنا معشوقته الوحيدة والاخيرة …. كثر مثلي ولكنهم لا يشبهونني , أنا من وجه القمر , أنا من خيوط الشمس جدلت ضفائري….من شهور بعيدة …. قريبة , كنت غارقة في بحر من نزف شآمنا , شريان هو لنا ومنا …. غمست ريشتي في نزفه , كتبت بمداد أحمر ” مدن بطعم البارود ” وجع يسكنني ولا يبارح , صرت أنا وطلقات الرصاص , أزيز الطائرات , مواكب تشييع الشهداء , أنقل وأدون , مراسل حربي يجوب المدن والقرى , يدق بقدمه على مطارح أقدام لأبطال لم يبيعوا ولم يفرطوا ولن يساوموا على تراب الوطن , إلى أن التقيتك على مساحة شاشة بيضاء وأنا في ساحات قتال لا أبارحها , جدلت دمعتي من نور حروفك , صرت ” وردة ” وصرت أنت من حبات ندى الصبح تقابل وردة مع ميلاد فجر كوننا الآتي …. لي خلوة في ليل الغياب ولي غياب ما بين الظلال يشدني وما بينهما يصلني صوتك تنادي بأن آتي حيث أنت هناك …. حيث أعبر اليك من بوابات الربع الخالي حتى أطراف خليج لا تسكنه نوارس تعرفنا ونعرفها ولا تسكنها قواقع بحرية تحفظ أسرارنا والتي أسكنتها عيون صخور تحفظ حكاياتنا , تحفظ التاريخ في عيون تحتويه بعتمتها …. تنادي , تتقاطر في ذاكرتي صور لقاء لا يكتمل أعود بذاكرة خواء ….
ليلة الأمس سكن روحي ضيقا يبحث عن مسربا , أحوم بين الحجرات, أطفىء وأشعل الأنوار , أرتشف آخر ما تبقى من فنجان قهوتي التي احتلته برودة جاست في أنحاءه حتى القاع …. يحتلني الحزن , أبحث عن كوة نور تأخذني لصبح قادم …. تقودني قدماي حيث حجرتي وكتب ملقاة من حولي , ألتقط كتاب ” جوليان بارنز ” آخر كتاب كان الهدية من صديقي الذي احتل الأبيض رأسه كما قلبه , أقلب في صفحات وصلت اليها , أتأمل العنوان ” الاحساس بالنهاية ” لم يشغلني عنوان ولا صفحات وصلت اليها ولا أوراق , كل ما كان يشغلني حالة تحتلني وأنا اجاهد للخلاص منها , توسدت عتمة حجرتي ولذت بغطائي الصوفي , أنتظر شدو العصافير قد يصلني صوتها من شآمنا هناك وتنتشلني من حيث صرت … غبت في عباءة النوم ساعات , أتقلب في فراشي , أتحسس هاتفي , يصير نورا , يصلني منه صوت , أقرأ الرسائل , هتف قلبي ” هي مريم الدرابيع ” بروح منهكة فتحت شاشة هاتفي , ظهرت لي زهرات اللوز وقد سكنت باب بيتها حيث ” دورا ” تكتب لي ” صباحك لوز يا وردة ” زهرات اللوز تدعوك حيث تراب الوطن ” كدتني وقد نبتت لي أجنحة بعد تقصفها , ألملم ما تبقى من روحي المنهكة أحلق في فضاء الكون , أعبر المدن والقرى , جبال , تلال , حتى حط جسدي على زهرات لوز بباب ” مريم ” من يرى زهراتنا كما أراها في صباحات أيامي !! زهرات لوزنا تلملم الحكايات , تجدل خيوط الشمس من دمعات الغريبة , تصير ضوء كوني يعصف بي لعودة قريبة , حيث مدن هي لنا من تراب … تراب ….
**** ****
بالأمس كان الوقت لي …. كان لي موعدا  معه , ظهر لي عبر التلفاز شريط من الارشيف يحمل ذكرى لن تموت ولن تغيبها الذاكرة ” يوم وداع ناصر ” هي المرة الأولى التي رأيت فيها مشاهد تتقاطر من قلب التاريخ , مشاهد أعادت مجرى دمعات الوداع وكأني في الأمس القريب , هالني ما رأيت وسألت نفسي هل هو نبي المرحلة ؟!… ما سر قلوب تمضي نحو العاصمة وقد أدمتها لحظات فراق أبدية ؟!… هو نبي زمانه , والدمع هنا نهر …. ميلاده من قلب النيل وقد ظللت ملامحه دمعات من ملح الأرض , نبي لن يجود الزمان بمثله , تعود ذاكرتي طازجة بهية .. صبية  تجدل ضفائرها من ألوان البراءة , تقودني خطواتي لمدرستي ” المأمونية لاجئات ” من صبح نهار توشح بحزنه ألقت مدرستي ” ربيحة ” بعلبة طباشيرها ” تدحرجت قطعها متناثرة وألقت بجسدها على مقعدها تلف ذراعها على وجهها لتغيب في دمعاتها …. رفيقاتي جميعهن دفسن وجوههن في سواعدهن غارقات بدمعات لم تجف الى وقتنا هذا على مقاعد تركناها هناك ” مأمونية لاجئات ” عدت أدراجي لبيتنا من أعلى التل الرملي , والشمس تلفني بخيوطها في يوم لا أعرف له عنوان في أجندة تاريخنا … دخلت ممر بيتنا الطويل أنشد وجه أمي والتي كانت جالسه ويديها غارقتان في اناء الغسيل , تتقاطر دمعاتها على وجهها وكأن كل المساحات تفسح طريقا لنهر دموعها في اناء غسيلها , صوت المذياع بجوارها , كل الاصوات تبكي , أمي والمذياع , وربيحة ورفيقاتي , التويت أرتقي الطابق العلوي , كان أبي ورفاقه وقد حط عليهم السهوم , غبت بين ظلال حديقتنا لا أدري أي حزن أحمل في قلبي , حزن أمي أم قنوط ابي , أم مدرستي ربيحة التي تداعت أمامنا على مقعدها وغابت , أم زميلاتي اللواتي توشحن بحزنهن , أحوم في أنحاء بيتنا  … لا أحد … ارتقيت درجات البيت حيث السطح وداليات عنب تسلقت حتى آخر الجدار , أرنو لفضاء مدينتي , وبحر لا يصلني منه الا خطوط زرقاء تلمع تحت قرص الشمس , أبناء مدينتنا يحملون صندوقا ظننت أنه  “جمال  ” وقد سجي بداخله , يجوبون به شوارع المدينة يرددون وداعا  “جمال “…. وصهيوني يقف بسلاحه  يرقب المشهد يردد شامتا ” مات حبيبكم ” …. كيف أنسى ولن أنس
***** *****
اقترب الوقت من الوقت يعلن عن ميلاد مواقيت جديدة …أو غياب مواقيت لنا لعودة  قريبة , ألملم ما تبعثر على مكتبي هنا وهناك, أضمها في باقات هي ورود في قلبي …. أترك قلبي هنا وأسافر , أم أحمله معي وأمضي ؟!!… لا أعرف …غدا ستلتقي بي على صفحات من كلمات كتبتها , وبعد غد سيغيب الوقت عن الوقت سأكون في طريقي الى ” عمان ” … أقرب نقطة من فلسطين الغالية وما بينهما حوران الشآم…. وبعدها سأطوف بالجبال والوديان , وأزور بيتي الذي اشتقت لجدرانه الوحيدة ووجه “ماجد” على جدار الحياة هناك …. سيغيب الوقت عني …. وأصير سيدة اللاوقت …
**** ****
سيدتي …. طاب مقامك هناك واستطبت دفء المكان الذي يجاور أمكنة القلب … وأنفاس أمكنة حنونة تعلم أنك تتهجيها فتأتي مطواعة إلى ” عمان ” تقيم رباط التواصل مع أفئدة تهواها وتحلم بها …. قد تزورك الأمكنة ليلا أو ذات صباح أو في الحلم لتحكي لك ماذا تبقى وماذا حدث وماذا أصابها … وأنت الى أي وقت تستطيعين الصمود هناك في وقت لا يشبه الوقت ومكان ربما يشبه المكان ….

صباح اليك هناك وأنت على حافة الوطن تتهجي أنواره ودفئه وذكرياته …. سلام عليك وأنت هناك , تحاولين التنسم ببعض هواء قادم من ” دورا ” أو من أرض خلف السور … وأنا بعيونك أيضا أتطلع معك ومثلك إلى أغلى الأماكن وأغلى الأوطان وأهم الأحلام … معك أتنسم بأنفاس واحدة من رائحة تراب ولطين ونور ما زال يأتينا من أرض النبوات وأرض الاجداد …… معك وبعيونك أتطلع الى سراب الحلم إلى ابعد نقطة متخيلة على حافة البحر من أرضنا …. ربما نعود مرة إلى حينا وحبنا وأرضنا وان خذلنا الوقت والتاريخ والواقع الاليم ….
*** ****

اقترب الوقت من الوقت , تعلن ساعتها لإقترابي من بوابات الغياب , ألملم أشيائي , ألقي بها في قاع حقيبتي , أنظر اليها وكأنها ليست لي , صرت الغريبة عن كل موجوداتي , هل صارت الغربة نقشا على شراييني وجرحا غائرا في حجرات قلبي … روحي تتسرب مني , ووجع الفقد يحتلني , يتسرب الى جسدي في بطء شفيف وأنا وقد أسلمت نفسي لدقات ساعة الوقت , تطن في أذني تنشد أنشودة العائد الذي لم يعد , أبتلع دمعات أغرقني ملحها , هي ذاتها البلدة القديمة , هو ذاته الكشك الخشبي االذي يتدثر بكتب كتب , وأبي وكأني أراه هناك لا زال على وقفته ينتشل عناوين الأخبار من صحف مسافرة , بائع الحلوى على ذات الرصيف وطابور يصطف , ينتظر أن يتناول صحافه الذي تسكنه قطعة كنافة عربية , وجوه مكدودة , تقيم طولها لإنتظار مذاقات حلوى قد تأتي بالفرح , أجساد متعبة على حافة الانتظار , ندقق في ملامح بعضنا وكأننا نعرف بعضنا من قبل أن نرسم ساعة الوقت , هوية واحدة , تاريخ واحد وألم من بحر يضمنا , مشيت في السوق القديمة ولهجات تصل أذني من كل بلاد العرب , عراق , يمن , سورية , فلسطين , جميعهم يحث الخطى في البلدة القديمة التي تحرسها جبال سبع , جميعهم يتنسمون نسمات تأتي اليهم من بلادهم , نسمات لا تنكرهم , تطبع على جباههم قبلات من روح أوطانهم التي غادروا ترابها …. من البلدة القديمة أنشد الحلم المسافر …. أنشد لأن أبقى ولا أغادر….

عدت ومعي قهوة وزعتر وأوراق الميرامية …. عدت وأنا أتدثر بثوبي الفلسطيني …. وكلمات كتبتها من روح الوجع …. عدت لألتحف الغياب … تركت ورائي بحر اعتلاه ملح الأرض … مات البحر وخلفه وطن هو لي … مات البحر ولم يرحمو موته , يذبحون ملحه , يسرقون طينه , حتى يصير بحرنا خواء , تتسع فجوة سحيقة ما بيني وبين وطني هناك ….
عائدة أنا لحجرتي القصية …. صوت التلفاز لا زال يجول في حجرة نومي , وذراعي التي تشتاق لأن تتوسد يد أريكة ضمتني منذ زمن بعيد … كل ما حولي ينظرني وكأنها المرة الأولى منذ ألف عام …. اشتقت لأوراقي المشطورة , لمداد أقلامي المترنحة على مساحات صفحات هي ملاذها الأخير …. متعبة انا من روح أنهكتها عبثية الوجود ….
**** *****
تمت
2016

لقراءة كل حلقات رواية مدن بطعم البارود

مدن بطعم البارود..ح9!بشرى أبو شرار

‎2018-‎11-‎09