في مواجهة التحديات


كاظم الموسوي
لا يمكن ان تنهض امة من دون مواجهة التحديات التي تعترض طرقها وتعرقل تقدمها، ومقاومتها دون كلل أو تردد. وامام شعوبنا وامتنا العربية الكثير من التحديات والمواجهات. واستمرار وجودها يقوم في الانتصار على التحديات والوقوف دائما بعزم وصبر وعز وروح شباب متطلع نحو الامام دون تراجع مهما صعبت الظروف وتعقدت المشاكل وتكثفت الازمات.
من ابرز التحديات التي يخطط اعداء الامة والمتربصون لها ويسعون الى تكريسها بالتركيز على تفتيت الهوية العروبية الجامعة والموحدة للامال والاعمال وبناء الحاضر والمستقبل. هويتنا الحضارية العربية الاسلامية جمعتنا ولمّت شملنا وشدّت حزمتنا في البقاء والتصدي لعاديات ومخططات الاعداء. اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافية عوامل ودليل اجتماعنا والحفاظ عليها خير سبيل للتحدي وايسر الطرق لافشال مشاريع اعدائنا او من يلبس ثوبهم من داخلنا. ولان العدو ومتخادميه يبذلون جهدهم وحملاتهم وملياراتهم من الدولارات والريالات والدراهم والدنانير لتخريب اللغة العربية، عبر كل امكاناتهم ووسائلهم المرئية والمسموعة والمقروءة وغيرها ولنشر لهجات والسن مفرقة ومبتعدة عن تطلعات كل امة وشعب في ثقافته وفعاليته ودوره في البناء الانساني والمشاركة الحضارية، لذا يكون الحفاظ عليها واتقانها وممارستها متطلبا اساسيا ومحفزا رئيسا لقوتنا وشجاعتنا وصمودنا، وسلاحا رادعا لما يقوم به اعداؤنا ليل نهار على تهشيم هذا السلاح وتهميشه واضعافه وعزله وانهاكه. وفي التصدي لهذا التحدي بكل تفرعاته ومساحاته واستهدافاته يكمن خيار الامة وارادتها وصمودها تاريخيا وراهنا وبالتاكيد مستقبلا، وهو امر لا يمكن التهوين منه او التهويل به، بل في مواجهته بروح كفاح واصرار على الانتصار فيه.
والتحدي الاخر يتجلى بضرورة المواكبة للثورات العلمية والتقنية في مختلف صعدها ومشاربها والتعلم منها والانشداد الى تطوراتها وتجلياتها والتسابق معها وفيها لخدمة التقدم والتجدد والتحديث بلغتنا وثقافتنا وعزيمتنا وخياراتنا. ما حصل في هذه المجالات من تطورات سريعة وتقدم مبهر حمل ما ينفع ويسهم في الاهداف المنشودة والمطلوبة، وقد يستخدم في الضد منها او يساعد في التقويض لها، ولذا يكون الانتباه الواعي والجد الحريص في الفعل والقدرة عليه مهم ورئيس في الصراع الدائر والنزاع القائم بيننا وبين اهداف الاعداء المحاربين لنهضتنا وحقنا في التقدم والتطور والتجدد. ان استيعاب التطورات والتمكن منها في الاستخدام الموضوعي يقدم للامة مفاتيح النجاح والتقدم، وهو مطلوب ومحمود الان، ودائما.
يكمن التحدي الاخر في فهمنا لطبيعة التعامل والاشتراك مع القوى الدولية المحتضنة لنظام الراسمالية وتطور التقنية والعلوم والعاملة على الاستعمار والهيمنة والاستغلال لثرواتنا وخيراتنا واعادة او توظيف رسم خرائط وطننا وحماية الاستبداد والفساد في بلداننا ودعم افلات المجرمين والمرتكبين من العقاب العادل والحكم المنصف والعبرة لهم ولغيرهم ممن لم يزل يراهن على العدو والتبعية اكثر من الاعتماد على الاخ والصديق الصدوق. اذ ان في هذه العلاقات تكمن قدراتنا على الثراء والتحديث والتجدد وتراكم الخبرات وتوفير الفرص والتنافس البناء مع الاخر الاجنبي والتكافؤ في صناعة التاريخ و العبور الى المستقبل، والعمل على وقف تمنعه أو حجزه لنا من الاستفادة أو استخدام التطورات التقنية والعلوم باي شكل من الأشكال.
اننا ابناء حضارة عظيمة وامة عربية تفخر بتاريخها ودورها في التاريخ العالمي والعلاقات الانسانية وتعزيز روح التعاون والتضامن والتاخي والعدل والانصاف وضد التعصب والغلو والتطرف والارهاب باي شكل او اسلوب او لون او طريقة. ولهذا عمل المستعمرون على تفتيت وطننا الكبير وتمزيق وحدة شعبنا العربي وصناعة الازمات والحروب والصراعات بيننا وبين من زرعوهم قاعدة استراتيجية للعدوان والحروب والاستيطان. كما ان الاعداء لم يالوا جهدا في تكريس الفتنة والفرقة والابتعاد عن التجمع والتوحد والانطلاق نحو استثمار الثروات والخيرات والطاقات التي تنعمت بلادنا بها لمصالح الشعوب والاوطان. ولهذا يتطلب الانتباه الاستباقي والبحث عن افضل السبل لتجاوز المحن والعمل على خدمة المصالح الوطنية والقومية وتحشيد المساعي الخيرة للنهوض والاشتراك الحضاري في شتى المجالات والمستويات.
لاشك ان صمود الامم ونهضتها تعتمدان اساسا على ادارة منابع قوتها وحشد طاقاتها وتخطيط جهودها في التعليم والتنمية الوطنية وتكريس الوحدة الوطنية والقومية وتعزيز فعالية التحرر ورفض الذل والهوان والتطبيع مع اي عدو غاصب او محتل بغيض والكفاح من اجل مشاركتها الفعالة في الحكم والتمثيل الحقيقي لها والدفاع عن الحقوق والخيارات والارادات الشعبية ومحاسبة الفساد والتقصير وفضح انتهاك حقوق الانسان وارتكاب الجرائم والعدوان، فضلا عن مكافحة التفاوت الطبقي والاجتماعي والفقر والحرمان، والدفع في استدامة التنمية والازدهار.
ويتطلب في التحدي ايضا التاكيد على ان الانتصارات التي تحققت لشعوبنا تظل مشاعل تنوير ودروس تحرر وبناء راهن جديد ومستقبل سعيد. وهي بالاساس استندت الى الوعي بالمخاطر والخسائر ودروس الهزائم والنكسات وادراك المخططات العدوانية واعداد ما استطاعت عليه قوى الخير والتغيير في الامة والانتباه الى المعوقات والصعوبات والعمل المتواصل من اجل التحرر والنهوض والتقدم والثبات.
تتحمل الثقافة العربية في هذه الظروف المركبة مسؤولية كبيرة في الكشف عن سبل المواجهة والتصدي وكذلك في إضاءة الفضاءات وتنوير أبناء الأمة بما يخدم المصالح القومية والوطنية وتمتين قوة الوعي والرشاد للدفاع عن الحقوق العربية والمساهمة في البناء والعمران من خلال الصعود بالمواقف والتوجهات التي تصب في عملية التغيير والتجديد والتطوير. ولكل أمة في مثل هذه التحديات رموز تعبر عنها وتبرز في المنعطفات الحاسمة وتفعل دورها في المتغيرات وتسهم في نقل المواجهة والمقاومة الى مراحلها المطلوبة والمنشودة.
صعوبة التحديات وتنوعها يجدد طاقات الأمة ويوحد الشعوب في خياراتها من أجل حاضرها ومستقبلها، كما تزيد الحاجة إلى التضامن الفعال والتكافل الاجتماعي والالتزام الوطني والانتماء القومي. ومن التجربة العملية ودروس التاريخ تقوي التحديات والايمان بالانتصارات الصلات والروابط وتبني الثقة والقدرات وتحمي الشعب والوطن وتعزز ثقافة المقاومة والنصر على الاعداء كطريق او منهج مجرب لتخطيط سبل النهوض والعمران والتقدم واحترام حقوق الانسان وكرامته وسعادته واعلاء قيمته كاثمن راسمال في هذه الدنيا.
‎2018-‎11-‎06