الشيخ علي سلمان والحكم المؤبد… رسائل السعودية

إسراء عامر الفاس
 

“أُحاكم لأنّ من في يده القرار السياسي أصدر أوامره بسجني”، لعل هذه الكلمات التي دوّنها الشيخ علي سلمان في مرافعة كتبها من زنزانته في سجن الرفاع، تلخص فصول حكايا المحكمات السياسية في البحرين، آخرها ما عُرف بقضية التخابر مع قطر، لتلغي محكمة الاستئناف البحرينية حكم البراءة فيغدو حكماً بالسجن المؤبد يطال زعيم المعارضة البحرينية وقياديين آخريين.

في محاكمة سياسية أراد النظام البحريني منها المزايدة في سياسته لشيطنة صورة المعارضة في الداخل، وتثبيت أوراق اعتماده في المحور السعودي –  الاماراتي  من خلال استهداف قطر، ولدت قضية “التخابر” مع قطر. اتُهمت المعارضة بالتخابر لصالح دولة خليجية، عضو في مجلس التعاون الخليجي، وكانت من بين الدول التي شاركت ضمن ما يعرف بقوات درع الجزيرة لقمع التظاهرات  المطلبية التي خرجت في البحرين عام ٢٠١١. إنها دولة قطر، التي كان أحد مسؤوليها العسكريين (العقيد الركن عبدالله الهاجري) قد أعلن في آذار/ مارس ٢٠١١ أن هدف بلاده من التدخل العسكري في البحرين هو ” المساهمة على حفظ الأمن و النظام” في البلد الخليجي الجار.

“التخابر” كان مصطلحاً بنت عليه السلطة البحرينية روايتها لتزج أسماء ثلاثة من قياديي جمعية الوفاق الوطنية
“التخابر” كان مصطلحاً بنت عليه السلطة البحرينية روايتها لتزج أسماء ثلاثة من قياديي جمعية الوفاق الوطنية، أكبر الجمعيات السياسية في الداخل البحريني. على رأسهم كان الشيخ علي سلمان أمين عام الجمعية، والقيادي الشيخ حسن سلطان والقيادي علي الأسود. ولهؤلاء كما لقطر كانت رواية أخرى. فندتها الوفاق أكثر من مرة، وذكّرت بحيثياتها في بيانها الأخير الصادر يوم أمس، مشيرة إلى أن ” القضية المزعومة تتعلق بمبادرة أمريكية خليجية تمت في العام 2011 وكان أطرافها وزير خارجية السعودية السابق سعود الفيصل ورئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني ومساعد وزير الخارجية الامريكية السابق جيفري فيلتمان، وكان ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة يمثل النظام الحاكم وسماحة الشيخ علي سلمان يمثل المعارضة والحالة الشعبية، وقد اسدل الستار على تلك المبادرة منذ ’ذار/ مارس 2011، وقام نظام البحرين بتحويلها لقضية تخابر بعد الخلاف بين الدول الخليجية الثلاث ومن بينها البحرين ودولة قطر وذلك في منتصف عام 2017.”

السجن المؤبد كان الحكم الذي صدر عن محكمة الاستئناف البحرينية، لتلغي بذلك مفاعيل حكم البراءة الصادر عن القضاء البحريني نفسه في أيار/ مايو الماضي. من الناحية القانونية أتى قرار القضاء البحريني صادماً. لا أدلة جديدة أُبرزت ليستند عليها القضاء في حكم الإدانة، وفق تصريح فريق الدفاع لموقعنا.
سياسياً، تغليظ الحكم في قضية الشيخ علي سلمان لم يبدو صادماً للمعارضة، المقتنعة بأن المحاكمات تستهدف قيادييها بسبب آرائهم السياسية. هذا ما ذكره أمين عام الوفاق نفسه في مرافعته في محاكمة أخرى بمزاعم “قلب النظام، والتحريض على الكراهية”.. كتب الشيخ سلمان: “إنّني أرى أنّ محاكمتي سياسية بحتة… هي إجراء انتقامي من أقوالي ومواقفي والمطالب السياسية التي أرفعها”.

في حديثها لموقع “العهد” الالكتروني، تكرر زوجة الشيخ علي سلمان السيدة علياء راضي تساؤلات فريق الدفاع:” الحكم الأولي في قضية الشيخ كان البراءة، فكيف يُغلّظ ليصل إلى الحكم القاسي رغم أن النيابة العام لم تأتِ بأي أدلة جديدة عن ما جاءت به في محكمة أول درجة، ورغم تشكيك المحكمة في صحة إسناد التهم!”

تقول السيدة علياء راضي الحكم إن الحكم لم يطل زوجها بقدر ما طال وطنها، لتراه “حكماً بالمؤبد لاستمرار أزمة هذا الوطن، ومزيد من تعميق الشرخ والتراجع على كافة الأصعدة، الذي لا يمكنه ثني الشعب عم المضي في درب الحق”.

كيف تلقى الشيخ علي سلمان نفسه حكم السجن المؤبد؟ تجيب الزوجة: “كان كعادته هادئاً مطمئناً واثقاً وهو يستقبل الحكم الظالم في حقه.. والحكم لم يأتِ خلافاً لتوقعاته بأن يكون الحكم الصادر مغلظاً، وهو ما كان قد وضعنا في أجوائه موطناً نفسه لأسوأ الاحتمالات منذ بداية تحريك دعوى التخابر بما تضمنتها من اتهامات خطيرة”.

الأسود: القرار الصادر عن محكمة الاستئناف البحرينية “سياسي بامتياز ومرتبط بآخر المستجدات
البرلماني السابق علي الأسود، وأحد المتهمين بالقضية التي يُحاكم غيابياً على خلفيتها لم يبدُ مستغرباً من قرار القضاء البحريني. في تعليق لموقع “العهد” الالكتروني أكد الأسود أن القرار الصادر عن محكمة الاستئناف البحرينية “سياسي بامتياز ومرتبط بآخر المستجدات وجزء من الضغوط التي تمارسها السلطة ضد المعارضة محلياً، وتأتي في إطار الاستهداف الذي يطال دولة قطر إقليمياً”. وأضاف أن قرار القضاء المسيّس يفيد بأن السلطة ماضية في سياسة القطع الكامل مع المعارضة، وأن لا نية لها بإعادة الاتصال أو فتح صفحة جديدة.

الحكم السياسي يُفنّده المستشار القانوني لجمعية الوفاق البحرينية المحامي ابراهيم سرحان. فيربط بين حكم القضاء البحريني وبين زيارة الملك البحريني حمد بن عيسى الأخيرة إلى السعودية. يقول سرحان: “في المحطات المفصلية عوّدنا الملك أن يلجأ لأخذ القرار من الرياض،  هذا ما حصل يوم اقُتحم منزل آية الله الشيخ عيسى قاسم، وهذا ما تكرر اليوم. قرار بهذا الحجم لا يمكن للمنامة أن تتخذه بمفردها”. ويذهب القانوني البحريني للقول إن رسالة السعودية للداخل البحريني وصلت، فهي تريد للشعب البحريني أن يفهم بأنها لن تسمح بالحل، وأنها مقبلة على تصعيد أكبر.  وهي رسالة لا تحمل جديداً من مملكة قالت للبحرينيين منذ أيامهم الأولى في التظاهر أن لا حل إلا بعودتهم إلى المنازل. ذهب أصحاب المقولة إلى دورهم الأبدية، ولما يعد الشعب البحريني بعد.

هكذا تقرر المنامة الرسمية أن تكون بريد رسائل الرياض. فتغدو محاكمة الشيخ علي سلمان أكبر من بُعدها الداخلي البحريني. فصحيح أن السلطة البحرينية تنّفس في الحكم الجديد عن غِلٍّ رسمي تكنه للمعارضة التي أفشلت انتخابات العام ٢٠١٤، ولا تزال تُفشل مساعيها لاقناع الخارج بالمسرحية الانتخابية التي ستشهدها في ٢٢ من الشهر الجاري. إلا أن للأبعاد الخارجية حضوراً أقوى في ما ذهبت اليه قضية الشيخ سلمان، والقرار بالفعل أكبر من قصر الصافرية. فالسعودية في ورطة على خلفية قضية قتل جمال خاشقجي، وفي وقت يطأطئ ولي العهد السعودي الرأس أمام أنقرة، ويغازل قطر في إشادته باقتصادها  في كلمته أمام “منتدى مستقبل الاستثمار”، كان لا بد من ضربة لمن عملوا على تهشيم صورته في الغرب، وهي صورة أنفق عليها محمد بن سلمان الكثير لتظهره كملك شاب اصلاحي ومجدد تحتاجه المملكة كهلة باتت خارج الزمن.

كيف ترد السعودية الضربة لقطر؟ البحرين حاضرة للمهمة، ولا ضير من النفخ في قضية التخابر التي همدت بعد أن بُرئ متهموها كرسالة للجارة المعزولة. وكيف للسعودية أن تهرب من أزمة باتت تحرجها بفعل الضخ الاعلامي والابتزاز الغربي… الساحة البحرينية هي المتنفس طالما أن المستنقع اليمني يغرق محمد بن سلمان أكثر وأكثر. هكذا تفسر السياسة حكم الاستئناف البحرينية. لتعري تفسيرات السياسة القضاء البحريني وتبعيته لأتباع المملكة السعودية. تفتح السعودية الساحة البحرينية لتمرير رسائلها في وقت هي أحوج ما تكون فيه لتلقي رسائل الخارج وتفحص ما بين سطورها.

2018-11-05