بئس العبيد أنتم..

ميساء مقدم

 

على سبيل “إعادة الأمل”، قُتِلت أمل جوعاً، وألماً. ارتقت ابنة السبع سنوات، كما كُثرٌ من أبناء عمرها، على أيدي برابرة هذا الزمان.

ليس بالضرورة أن يكون المجرم بالهيئة التي خبرناها في أفلام الكرتون أو أفلام السينما، ليس مجبراً على أن يكون ملثّماً، وقد لا ترى سلاحه على خاصرته. مجرمو العصر، يظهرون بهيئة مختلفة: غطرة وعِقال (شماغ)، رقصة تراثية بالسيف، “جولات تواضع” تصويرية على عامة الشعب، تبرّعات استعراضية، وألقابٌ كالأمير، والملك، وخادم الحرمين.

أمّا المتفرّجون هنا، فكثر أيضاً. مُصفِّقون ومُطبِّلون، أصحاب مصالح، شعوب ورؤساء، ذباب الكتروني. وأسوأهم نوعاً، صنف “صحافيي البلاط”، هؤلاء الذين تراهم في جلسات “قهوة” مُرّة مع طويل العمر، او مندوبه السامي، يحاولون عبرها تبيض صورته، تجدهم حاضرون في ساحات التغريد وعلى الشاشات دفاعاً عن كل ما يمسّ أولياء النعمة.

وهناك في اليمن، طفلة شاء القدر، والسياسة، ولعبة المصالح، أن يرى العالم “المتحضّر” صورة عظامها الناتئة، ضعفاً، وقِلّة حيلة، بعد سنوات على تجاهل المجاعة الأكبر في بلاد العرب. أكثر من ثلاث سنوات ونيف، وقِلة قليلة تستنجد ضمير العالم، ومنظمات حقوق الانسان. سنوات والعالم “المتحضّر” يدسّ رأسه في التراب، كَرمى للنفط والمال الخليجي.

أعوام وأطفال اليمن يُقتلون على مرأى الشاشات والصحافيين والأمم المتحدة، والناس نيام. أعوام، وأطفال اليمن، يُمزَّقون أشلاء في باصات مدارسهم، وتحت ركام منازلهم.
أعوام وأطفال اليمن متروكون بلا دواء، فريسةً للكوليرا والدفتيريا. أعوام، وأطفال اليمن، ينطفئ أنينهم ببطء، عطشاً، بل جوعاً.

هل كانت أمل أكثر حظاً من أبناء جيلها الذين قضوا في المجاعة؟ هل الموت جوعاً أشد أيلاًماً أم الموت قتلا بصواريخ الحقد؟ هل شفعت لها صورتها التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية (بعد صحوة ضمير فجائية إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي)؟

الفارق بينها وبين زملائها أنها قُتلت بتعاطف شعبي أوسع، من ذلك الذي ناله سائر أطفال اليمن، فهل هوّن عليها ذلك لحظات النزاع الأخيرة؟

في الصورة الشهيرة التي انتشرت للطفلة أمل حسين، تبدو غارقة في عالم آخر، تدير وجهها عن المصور الصحفي الذي يلتقط لها آخر صورها. لا تلفظ أي كلمة، نظراتها بعيدة، الاستسلام بادٍ على وجهها المرهق، لا عتاب ولا شكوى، وحدها عظامها الناتئة تقول: بئس العبيد أنتم.

2018-11-03