التطبيع: حاجة سعودية ـ صهيونية في الوقت المناسب
حمزة الخنسا
تشتدّ الأزمة التي يتخبّط فيها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، منذ الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، وبالتزامن، تتسارع خطوات التطبيع العلنية وتدور عجلتها بين دول خليجية والعدو الإسرائيلي ـ بالطبع، ليست أزمة ابن سلمان الرابط الوحيد بين “عرب الاعتدال” و”إسرائيل” ـ فالمرحلة التي تمرّ بها المنطقة حالياً، مُصنَّفة مسبقاً لتكون “زمن التمهيد للتسوية الكبرى” من بوابة “صفقة القرن”. لكن الظرف الطارئ الناتج عن جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي، ربما يدفع السعودية ومَن يدور في فلكها من دول خليجية، إلى إرسال إشارات متسارعة لمن يهمّهم أمر “إسرائيل” في المنطقة.
أولى الإشارات السعودية المباشرة على هذا الخطّ، ظهرت الخميس، من القصر الملكي في الرياض. كان ولي العهد السعودي مجتمعاً مع وفد من رموز المسيحية الإنجيلية الأميركية، في خطوة وصفها أحد أعضاء الوفد بأنها “تاريخية”. الأكيد أن ابن سلمان لم يستقبل الوفد بوصفه يضم قادة دينيين مسيحيين، ليعكس التسامح الديني لدى المملكة. المؤكد أن ولي العهد المثير للمتاعب، أراد بعث إشارة عن مدّى استعداده للمضي قدماً في جهود التلاقي مع “إسرائيل”.
العلاقة بين الزيارة و”إسرائيل” لا يمكن إخفاؤها. في نظرة سريعة على أعضاء الوفد الذي ترأسه الخبير في مجال الاتصال “جويل روزنبرغ”، وضم السناتورة الأميركية السابقة ميشيل باكمان، ورؤساء منظمات أميركية إنجيلية. بعضهم يقدّم المشورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في قضايا دينية. وبعضهم الآخر على علاقة وثيقة بـ”إسرائيل”، مثل “مايك إيفانز”، مؤسس جماعة “فريق الصلاة في القدس”، الذي يصف نفسه على موقعه الإلكتروني بأنه “زعيم صهيوني أميركي مسيحي ورع”.
أعضاء الوفد الذين قالوا في بيانهم الذي نقلته “رويترز” إنهم “سُعدوا بالصدق” الذي اكتنف المحادثة التي استمرت ساعتين مع ابن سلمان في القصر الملكي في الرياض، كانوا قد عرّجوا على حليف “ملك الظل” السعودي، ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد. “التنسيق” الدقيق بين “المحمدين” في ملفات عديدة تهمّ المنطقة، يجعل من السهل استنتاج دورهما في ما يُحضّر لفلسطين والمنطقة تحت عنوان التسوية. وهذا محمد دحلان، رجُل ابن زايد القوي، ينتظر ساعة الصفر لينطلق بمهمته في فلسطين، ما بعد التسوية.
لا يمكن فكّ زيارة نتنياهو إلى مسقط، عن مسار المساعي الأميركي ـ الغربية ـ الخليجية لإعادة “عملية السلام” إلى واجهة الأحداث

وعليه، لا يُمكن فصل الأحداث المتسلسلة، والتي ساهمت قضية خاشقجي في تسريع وتيرة بعض حلقاتها، بعضها عن بعض. ففيما أتى “لقاء الساعتين” في القصر الملكي في الرياض، وسط تنامي الضغط الدولي على ولي العهد السعودي ربطاً بقضية الصحافي السعودي القتيل، لا يمكن فكّ زيارة نتنياهو إلى مسقط، عن مسار المساعي الأميركي ـ الغربية ـ الخليجية لإعادة “عملية السلام” إلى واجهة الأحداث بالشكل الذي يضمن نجاح “تسويتها”.
الشكل هذا لا تعوّل عليه تل أبيب كثيراً. هي ترى أن انفتاحها على الدول الخليجية، والتي “دار الزمان” وجعلها هي المؤثّرة والمقرّر في عند أهل العرب، أولوية ملحّة، إذ إن الوصول إلى مرحلة التطبيع العلني مع هذه المشيخات والممالك، سيعني حُكماً الوصول إلى “سلام عادل” وفقا المعيار الإسرائيلي.
انسجاماً مع الرؤية تلك، تعتبر “إسرائيل” أن عملية السلام المجمّدة حالياً، لا تشكل حجر عثرة بالنسبة لها في طريقها الذي تسلكه للتطبيع مع دول خليجية، بقيادة السعودية. وفي هذا السياق، تقول “فايننشال تايمز” إن “تل أبيب تعتقد أن جيلاً أصغر من قادة دول الخليج، لا يتشارك الأفكار ذاتها مع القادة الأكبر سناً، في مسألة الخوف من إقامة علاقات إسرائيلية ـ خليجية، وهم يتحدثون مع الإسرائيليين عبر قنوات كثيرة غير رسمية حتى الآن”.
تشكل إيران نقطة التقاء المصالح السعودية ـ الإسرائيلية. يريد نتنياهو تطويق إيران من خلال إحاطتها بدول خليجية “مُطبّعة”، مع ما يستجره التطبيع من علاقات استخباراتية وعسكرية وأمنية بين الخليجيين والصهاينة على تخوم الخصم اللدود المشترك. ويريد ولي العهد السعودي مدّ اليدّ سريعاً إلى تل أبيب، أولاً لتحقيق الهدف المشترك بينهما في مواجهة إيران، وثانياً لمحاولة القفز فوق الأزمة التي خلقها قتل خاشقجي داخل القنصلية في إسطنبول. ما جرى في إسطنبول اعتبره نتنياهو “أمراً مروعاً”، لكنه لا يستدعي هزّ استقرار السعودية. وفي رسالة دعم واضحة لابن سلمان، قال نتنياهو من بلغاريا إن “استقرار السعودية مهم بالنسبة للمنطقة والعالم”. ولم ينسَ “لازمة النشيد” القائلة إن “إيران هي المشكلة الأكبر التي تواجه المنطقة”
‎2018-‎11-‎03