مدن بطعم البارود..ح10!

رواية

بشرى أبو شرار

“مأرب”، والطريق إلى “صنعاء”..”صعدة” تتعرض لأشرس المعارك وأعنفها.. “وليد الخميسي” يصرخ في فضاء كون هارب:
“نسوك طفلتي واستداروا ليثأروا لعائشة أو ليموتوا على جثة فاطمة.. يموت اليمن كي يحيا ويعيش كما عاش منذ أن خلق الله الأرض.. ليفنى كل الطغاة والغزاة والمتجبرين”
يسافر الصوت يحمل مرثية عزاء:
“قوموا يا أطفال اليمن.. موسم المدارس قد بدأ.. وجباه لكم خلقت لتزينها النجوم.. لا لأرقام الموت لتتوسد جباهكم.”
***

ماسر الوقت في ساعة الوقت, حين ترجع بعقاربها إلى الوراء, تلملم ما تبقى لنا من حروف الحكاية, نلقي بها في فضاء الكون, تورق براعم وتصير حياة؟..
ما سر ساعة الوقت لحظة تتوقف ولا تمر, تقف أمام مراتع طفولتنا, على بوابات شهدت فرحًا لم يغيِّبه الوقت, تقف عن مساحات شهدت وقع أقدامنا عليها.. وأنت يا صديقي الذي هناك لا تزال تذكر سيدة الوقت التي أغرقتها دمعات من ملح الأرض حيث هي هناك..
***
عاصفة الجنوب في “درعا” حوَّلها الجيش إلى رماد، ومنها سيحقق انتصاراته من “إدلب” حتى “الزبداني”.. قريبًا سنضيء مصابيح المدن حتى وإن صارت بطعم البارود..
من بوابات غد ضائع نلملم ما تبقى من خيوط الحكاية, نغزل مفردات جديدة, عذابات ستظل أيقونة شجن في حكايات باكية..
في ممرات خضراء, تحف جوانبها داليات العنب, وأشجار من كرز تقطر حباتها دمًا من روح الوجع.. تجلس امرأة بثوبها الأسود يشق سواده شالها الأبيض الذي استنام على لون الليل, قد يزيح منه بعضا من ألم, تحتسي مرارة باقية في فنجان قهوة وحيد, تهمس والدة الشهيد “محمود عيسى” من روح معذبة:
“أحمد الله أن استشهدت يابُني ولم تر بعينك ما حدث في “عين عرب”.. كان سفرك طويل لـ “عين عرب”, قتل على الطرقات, سفك دماء, ولم يتسلل لقلبك الخوف ولم تتراجع, لم تكف عن الذهاب لمركز التجنيد في كل مرة تنتهي من يوم جامعي, تسأل عن اسمك, يصيبك نزق, تسأل: “لم لا تأخذوني على التجنيد؟!.. أين ذهبت حروف اسمي؟!”.. وجاء اسمك يا بني, جئتني بالخبر, رأيت ملامح حزن وقد ارتسمت على وجهي, ضممتني إلى حضنك, وطالعت وجهي معاتبا:
“آه يا أمي, ابنك هنا بجوارك وأبناء أخريات ذهبوا ولم يعودوا.. دعواتك لي”..
“فراقك يعذبني يا بني.. ذهبت لـ “عين عرب”.. أسمع صوتك يهاتفني “أمي إذا لم يهجموا على المطار أنا عائد.. وإذا هجموا أنا أول شهيد, لن يمروا إلا على جثتي.. لا تنتظري جثتي, أنا لا جثة لي.. إذا متُّ على الحاجز لا تتعذبوا بي..”
“آه يا بني.. كلما مررت بالأمكنة أذكرك.. أحدِّث نفسي قد يصلك صوتي.. أقول هنا كنا.. هنا تحدثنا.. هنا شربنا قهوتنا.. صوتك لايزال يسكن أذني وروحي”..
“أمانة يا أمي ممكن أكون جثة عندك ولا يمكن أن يسحقوني أو يجروني على الطرقات, إما أقتلهم أو يقتلوني.. إن رحلت لن يشعر جسدي بكل عذاباتهم حتى وإن قطَّعوني أشلاءً وألقوا بي لجوارح البرية تنهش لحمي… لن أشعر بأي عذاب”..
هكذا كتبت مرثيتك يا بني.. هكذا سأعيش من بعدك.. فنجان قهوة وحيد.. ثوب أسود وشال أبيض يضمد جرحي النازف على فراقك الأبدي..
***
على الطريق طالعتنا وجوه من روح الوطن، جميعهم رحلوا وأذابهم ترابه.. الجميع دفع من ثمن كرامته وأرضه.. يرددون:
“بدون أرض لا عرض..”
“إدلب” ومع بداية الأحداث، ومنها إلى “كفر شلايا” ما بين مناوشات خفيفة صار الانسحاب من “المسطومة”، “جبل الأربعين”، “ادلب”،”أريحا”، يساعد والده في عمله, يعمل في مهنة التصوير, يحث خطاه لتجهيز بيته, طلبه الجيش جندي احتياطيا, ترك كل مهامه والتحق بالجيش, كتب على الفيسبوك يدعو رفاقه للسلاح.. يدعوهم إلى الصمود، الشهادة.. “كله يهون عن أن نرى الأعداء يرقصون في ساحات كنا أسيادها”
كثر من يستدعون “علي” للعودة, وهو يصر ويرفض العودة وترك ساحة القتال “علي” ابن وحيد لسبعة أخوات، من فرقة الاستطلاع اصطدم بهجوم, كان له الفضل في صده, بعدها تفاجأ بدبابة فيها عناصر من المهاجمين, ألقى كل قنابله في أجسادهم، بوصول حاملي الرايات السود كبرت أعدادهم, تلقوا الضربة والضربات منهم, من نصف الليل حتى دخول الفجر, أنقذ كل رفاقه وصار هو الشهيد. كم شرفت بك يا بني..
***

د “أحمد حسن” طُلب احتياطيا للمرة الثانية.. أمي لا يحزن قلبك.. حزنك هو حزن الكون في عينيّ..
من “جسر الشغور” يعالج أطفال “إدلب” يحدثني عن إصابات كثيرة.. لن يستطيع أن يعود إنسانا عاديا بعدما رأى ما حدث في “جسر الشغور”.. لا قلب لي يحتمل أن يرى الجنود مصابين وأتأخر عنهم, الجسر أخذه المسلحون, الجسر صار محاصرا.. فقط في بلدي يهرب الجبناء وفي الحرب تقوى سواعد رجالنا الشرفاء..”
أصيب عدة مرات, فجروا المستشفى, استشهد أفضل الشباب, أرسل لي أنه مصاب في كتفه وكان لا يزال على قيد الحياة إلى أن غاب صوته وغابت أخباره.. التحق برفاقه.. أحلم به وهو لا يزال يتوسد فراشه في حجرة نومه.. نور ونور.. أجمع المباخر،وأنثرها في حجرة نومه وفي القبور..
***
أخذت مكاني في مجلسنا, كل الوجوه غريبة, أرنو لآخر خيوط المغيب قد أتبين منها ملامح أعرفها وتعرفني, همست لها لأسمع من حروف اسمها قالت:
“نبيلة علي” سورية، لاذقانية، ومن على يمينك صديقنا من حلب
ركنت إلى الدهشة, لُذت بصمتي المجدول بالوجع, أنا هنا على ضفاف الخليج تركت كل محطات الأخبار ووضعت ضمادات لنزيف الحكايات.. أجدني هنا وقد حوطتني سورية.. لاذقية.. حلب..
طالعتني ابتسامتها كإشراقة صبح خجول, تبحث بين أوراقها, تقبض على كتاب وقد افترش غلافه الأبيض وروح الأخضر, دفعت به لقبضة يدي, طالعته, فظهرت لي كلمات تحمل عنوانه “الحلم الأسود” مازلت أمور بين براثن الدهشة, عادت تطالعني بإشراقة وجهها رغم حلم يطارد أحلامها بسواده, هل للأحلام أن تتشح بالأسود وأنا عهدي بالحلم أنه غارق في روح الأبيض..هل خانني اللون وهربت مني اللوحة؟!.
“نبيلة علي” لا تملك إلا إشراقة من ابتسامة أخذتني بصحبتها عبر الردهات ومنها إلى الساحات.. نطالع ساعة الوقت في عجالة, ألتفت من حولي فلا أجدها, رنوت لبهو الفندق من بعد, هي نبيلة تحمل حاجيات ثقل حملها.. اتجهت صوبها.. عاجلتني قبل أن يولد السؤال:
هدايا لأحبتي في سورية… اقترب موعد العيد.. هي باقة فرح قد تسعد قلوب من غابوا وطال غيابهم..
في المساء هبت نسمات تدغدغ وجداننا.. نرنو للخليج وقد طوت موجاته حكاياته الغافية, مقاعد خاوية وقد تناثرت على ضفافه, في القصبة طالعتنا لافتة لمقهى “بيت ستي” كنت و”نادية”، ورفاق لنا وقد تحلقنا حول المائدة في بيت ستي.. ما أدهشني أنني لم أجد أي ملامح لبيت جدتي الذي هناك.. أين البيت، وعبق النراجيل.. أين مدننا الغافية خلف حدود المدى؟
***
يوم جمعني بك ركن قصي على غير موعد، ضاعت حروفي، غابت عني أبجديتي وأنا التي أجمعها وأطرز بها نجمات ليلي الهاربة.. رنوت إليك وكأني أسمع وجيب قلبك.. صار كل ما حولي جمادا.. حرت في قلبي الشارد، أجاهد لأن أجمع ترنيمة عشق أغرد بها حين أعود لصمتي وغربتي البعيدة وكأني أرسل إليك كل ما أحببته في دنياي:
هي أماكن أحببتها.. شامنا الحبيبة.
وأنا سأحب أماكنك..
من روح الأبيض أهديك نبض قلبي..
صباحك من فضة الحنان..
ومساؤك من نور قلبك وبهجة روحك لغد هو الأجمل.. هذه الملامح لي.. حيث ظلال لا تغادر مطارح الوطن..
أنت أيتها الجميلة، المذهلة في ربط كل الأحوال بالوطن.. لديك إصرار على قناعات وطنية هي ثوابت لا تحيدين عنها.دفء حروفك سيدتي يسكن حجرات قلبي..
زهرات من بلادي ترحل صوب الشمس, تتوسد تراب الوطن عند كل مغيب، ومحبة بعمر هذا الكون.
سيدتي.. زهرات الشوق ترحل حيث تشاء.. الوطن بعض منا أو نحن بعض منه.. سيدتي الحنون، سيدة كل الأماكن الملونة بالحنين وألم الفراق ودفء البعد الذي نحمله بين جوانح قلوبنا, شغفنا بأناس هم منا وأماكن هي لنا.. نعيش دفء الوهم أحيانا حتى نصدق أحلامنا, أنت وأنا جزء من حلم لا يتحقق إلا بانهزام الظلم كي تعود أماكن كانت على الخريطة ولكنها لم تسقطها الذاكرة ولم تمحى من أوراق التاريخ.. هي أماكن ولدنا فيها وربما سنموت فيها. سيدتي.. حين تلاقينا شعرت أني أعرفك منذ ألف عام، رغم أنك من أرض بعيدة عن أرضي من حدود الجغرافيا، لكنك تشبهين المرأة البهية في قريتي التي تركتها منذ عقود ومازلت أحملها.. ملامح وجهك ونور روحك، وهذا ما أسكن اليقين في قلبي وروحي أن أرضنا واحدة ودمنا الذي يجري فينا واحد.. الأمكنة تدين لنا رغم أننا نشتاقها ونتخيلها ونحاول أن نبقى ديمومتها..
***
سيدة الاغتراب والغربة وبياض الماضي البعيد.. سيدة البحث عن الهاربين وأمكنة غيَّبها المدى، وأماكن سرقها الآخر.. ونحن بكل دهشة نداري عجزنا وقلق السؤال.. وتاريخ ماثل يحكي كيف عجزنا، إن كان ماضيا أو حاضرا.. تذهب الأماكن بعيدا, قد تلفظنا, تلعننا لأننا أصبحنا غير قادرين على ري شوقها وعطشها.. أمكنة نأت وتوارت خلف المدى تصلني لعناتها لعجزنا وخيانتنا وهواننا على أنفسنا وعليها، وأنت يا سيدة الحلم والتاريخ.. سنظل هنا حاملي صليب عودتنا وقهر غربتنا وعذاب افتراقنا.. حتى نترك المنافي وحتى وإن كان هناك في السماء.. حين يأتي الوقت وتتركين قطار البعد والاغتراب والمنفى.. حين يأتي الوقت سيتوقف النزف وجرح الغياب، سنعود معا إلى حلم لم ولن يغادرنا.. حلم لن تغيِّبه ذاكرتنا؛ لأنه حلم الحياة والنور والدفء…
***
في بيتي هناك حيث يطل البحر من قلب زرقته تغيب كل خطوط الاتصال.. تأتيني مع مغيب الشمس وأفولها.. هل لي أن أرنو للصبح من شباك حجرتي وأنثر ورده من روح الأبيض حيث أنت هناك؟..
لي صبح هنا بطعم نورك ودفء روحك.. لي صبح يحن إليك يا سيدة الحكاية..
نصوم عن وجع الحكاية.. نقتفي آثار ظلال كانت لنا هناك، نقتفي آخر ما تبقى من الوقت، نلحق بآخر خيوط المغيب, قد نقبض على ما تبقى لنا ونعيد بهجة الوقت إلى الوقت.. تعرفني من زمن الغياب, كيف كنا والى أين صرنا, التقينا وغابت عنا الأبجدية, نلتحف الصمت قد يدلنا على أول حروف الكلمات وأنت من نثرت كلماتك من روح القصيدة..
“لأنك أنا، فإنني أصدق صمتك” التقينا من روح الأسطورة وأنا التي سكنها يقين أن زمن الأساطير قد ولَّى.. أنثر حروفي في فضاء من أثير..أحاكي الصمت من كل مساحات الفراغ, أجدني أنا هنا وأنت هناك نقتات على الوقت والوقت يلاحقنا..
سيدتي لم يعد الوقت إلا لنا وإن كان قد غفى عنا، ونحن على حافة الوقت تلاقينا.. أنت هنا من لحم ودم.. أتبع ظلك في كل المدن الغائبة.. يعيدني إليك صوت فيروز، وحكايات لأطفال صاروا بلا آباء، وأمهات ثكلى صارت وجهتهن البرية حيث أبناء كتبوا حكاية أوطانهم. أنا وأنت تلاقينا منذ ألف عام.. ولم ندرك إلا حين أذن الوقت لنا.. لن أكف في البحث عنك بين دروب الوقت.. أعود والخيبة تلاحقني, أعود القهقرى، وأفتش في مواقيتي مرة ومرات؛ علَّني أجد البشارة أو دليلا يقودني إليك. بشارة تأتيني.. أعرفك.. التقيتك في برزخ الأرواح.. قد نكون خرجنا من البرزخ واللا مكشوف.. أجدني وقد التقيت نورا ودفئا ووجها باسما كوجه أوزوريس في ملكوتها في بحر أنشودة الخلود..
تبحث عن دروب الوقت، مرة ومرات، وأنت من قلت “أقتات الوقت في انتظار أنثى ربما لا تأتي” دمعة الوردة التي كبرت مع عمرك وأرواح لا مسرب لها إلا أن تلتقي حول نور الصدفة.. وأنا يا سيدي كما نثرت حروفا هي لك “على السطح وجوه كثيرة تؤنسني ولكني هنا أجلس وحيدا.” على حافة الانتظار لا أحد.. وهل لوردة أغرقها دمع الحكاية مذاقات من نور البهجة؟!.. أنا هنا أشرب قهوتي بعد أن يغادرها دفؤها ويتسرب دخانها.. أشرب قهوتي وهي تنداح لبرودة خجولة.. هل يعود الدفء لفنجان قهوتي بعد أن سكنه صقيع الأرض؟.. هل أنا المغادرة غير المقيمة؟.. هل مازالت هناك محطات وصول بعد أن غادرت محطاتي؟.. أرنو لأفق غارب فتطل أنت.. تنثر حروفك من حولي.. أحاول لملمتها ولا أعرف من يعرفني دون أن يراني.. وحين صرت من دم ولحم.. أطل الغيب من روح الغياب.. وأطلت الأسطورة وكأن قدرنا أن نصير حكايات لن تغيب شمسها.. حكاية خالدة من روح أنشودة زمن هو لنا..
ولكنك خالفت الظن واليقين وأتيت.. أتيت محملة بشوق كان قد ضاع، ودفء كان قد تسرب، وبنور احتلت مساحاته العتمة.. عادت إليّ روح كانت قد ولت في تلافيف الزمن.. لم نعد وحدنا، ولم تعد الحكاية لغيرنا.. دعي فنجانك يستعيد دفئا غائبا. ونشرب قهوتنا وهي على دفئها حتى وإن من على بعد.. لتعود لنا مذاقاتنا الغائبة.. تعالي نستعيد حكايات لن يطالها الجفاف.. من دمعة النور التي جاءت على كفيك يوم التقيتك صدفة.. كان لقاء غربة.. لا تعتادي الغياب, أنتظرك ولا أحب الأفول على محطات الغياب.. هل ستأتي وأنت سيدة الحضور والبهاء؟..
من دمعة الوردة، من روح الغياب وأنا التي توشحت بشاله.. ما بين هنا وهناك أعيش حالات التشظي, مشتعلة حروفي وذواتي التي تسكنني, وكأنني لست أنا بل آخرون هناك صاروا ظلالا تسكنني.. روح أمي ارتقت أعالي السموات وحين تحط على عالمي الأرض تسكن روحي فأصير هي المثقلة بأوجاع فقدها وحزنها الأبدي.. روح أبي الذي عاش وحيدا محاطا بوحشة الغربة ونأي المنافي.. روح أخي الذي نثر برعمة محبته منذ كنت أطير جدائلي في وجه الريح.. من روح الغياب أكتب إليك, وأنت صوت يصلني من خلف المدى.. قد يحملني الغياب حيث أنت.. أنا لست هنا.. أنا حيث أنت هناك.. وحيث من يشبهني وروح تلاقي روحي المنهكة الهائمة على دروب الوقت من قلب دمعة الوردة, من قلب أنهار من دمعات غربة لا خيار لنا فيها, هل أكون أنا ذات الجسد الذي أتلفه صدأ حالات لا تغادر؟!. هل أكون أنا التي تعاند الوقت, تركن لشرفة وحيدة, ترنو للعابرين وهم يحثون الخطى لوحدة صرت أنا فيها
سيدتي التي هناك، حيث أنت أكون؛ فمن روح الغياب نشكل حضورنا، وما حيلتنا وقد التقينا في زمن ماكر ومخادع.. ما أن يجمعنا حتى يفرقنا.. دمعات الملح صارت باهتة واهية أمام قسوة حاضرنا وواقع نعيش فيه.. ما حيلتنا في أننا خلقنا من وجع وحنين، نتنفس اللهفة لأرض وأحبة أخذهم الغياب. صرنا ملامح من دمع وذكريات.. ومدن المنافي التي ضاقت بنا وضقنا بها تشعل في قلوبنا جذوة لا تنطفئ. كيف لنا أن نعوض فداحة ما ضاع منا.. سيدتي الحنون.. تلاقينا. لا تبتعدي، ونحن من تجمعهم أوجاعهم نعيش غربتنا؛ فيقترب اللقاء..
***
“فاتح نعال” أرسلت له ترنيمة من شجن تحمل بشائر نصر قادم. “فاتح” صار في ” قونية” يتابع مسلسل الهجرة والتشرد لأصحاب مدن غابت وغلفها دخان البارود والرماد.. هوان.. ضيق يعجز عن وصفه.. يستصرخ المكان والتاريخ وقلوب أضناها الوقت الذي صدأت عقاربه, وقت لم يعد يمر بهم, صاروا من المنسيين..
“فاتح” يستشرف البشارة وطريقا مفقودا وعصا لموسى مفقودة, فلا بحر ينشق لها, ولا من ولا سلوى من السماء, لم يبق لديه إلا انتظار الفرج بعد طول دعاء.. يسترق السمع.. يلهث وراء صدى يحمل ما تبقى من صوت “د. نزار بني المرجة” لا يتوقف لأن يستنهض الجراح:
“ثقوا بسورية العظيمة.. ثقوا بأبنائها، بتاريخها، بشهدائها، بفولاذها الذي هو أنتم”..
وتسقط من عين “فاتح” دمعة تغرق ما تبقى من وجع الحكايات الباكية..
***
“ضياء التلاحمة” وقد شقت مسامات جلده أنهار من دمه, يرسم منها قدسه، قريته, شامه.. تحدب عليه أمه تهمس في أذنه بكلمات مضمخة بدمعات تجرح بياض العين.. “الوطن غالي يمه..”
من على مثلث “خرسا” “جنوب دوار” فلسطين، استهدفته رصاصات حقدهم.. هم وأصحاب الرايات السوداء على ذات الغدر والجرم.. ورصاص من روح غدرهم صار وشما على جسد “ضياء”, يضيء نور المدن الغائبة, يفتح كل الطرقات لمدن محاصرة، من قسمات وجهه المضرجة بالدماء بكت كل الحكايات.. صارت مجرى نهر يزيح ما تبقى من حقدهم، ولا نملك إلا ذاكرة وكلمات:
“وداعا ضياء، في موكب الخالدين الذي يضمك وبقية الرفاق”..
رحل “ضياء” ولم يتبق منه إلا كلمات تؤرق مناماتهم..
“على خطاكم سائرون.. إلى القدس سائرون.. نحن في أراضينا وهم مشتتون.. عائدون إليك يا وطن.. إلى حيفا، يافا، عكا، صفد.. عائدون… عائدون.”
ضياء العائد لحضن حكاية لا تكف تذرف الدمع لمدن قد يمسح عنها بعض من ألم..
***
يوم تحلقنا في مجلسنا, نتبادل الرؤى والحكايات, كل يحمل باقات وروده من وطن كان.. “هدية” القادمة من “كندا” لم تظهر لنا “كندا” في أي صورة أو ملمح.. “هدية” أخذتنا حيث “بغداد” لم نغادر بغداد إلا حين حزمنا حقائبنا كل إلى طريق.. لم تكف عن حمل جهاز الحاسوب صغير الحجم, تلكزني, أنتبه لها, تريني على شاشته صفحة النهر, زهرات النهر وإنسان النهر..
“هدية” تقتات على الانتظار, على صور مازالت تضج بالحياة تسكن صفحات ألبومها.. صرت أقتفي حروف الأسماء, أحاول أن ألصقها على جدار ذاكرتي..
“هدية” لم يكن من الصعب أن أحتفظ بحروف اسمها, كان لي جارة في بلدتي التي غيبها المدى, أمضيت طفولتي وأنا أرقب خطاها على طرقات شارعنا الطويل، اسمها “هدية” كم يفرح قلبي حين أجد أسماء أحبها تقابلها شخوص على ذات الأسماء تسكن روح الذاكرة..
“بهيجة” اسم دخل قلبي, وأعاد لي صورة بهيجة ابنة عمتي “فاطمة” في جبل الناموس “دورا”..بهيجة الرقيقة الودودة المحبة لأمها, والتي تقاسم عمتي في ملامحها, حيث عين بلون زيتون بلادنا, وبشرة نضرة وضاءة، ونبرات صوت تصل حد الهمس.. بهيجة هناك. بهيجة هنا… يوم دخلت مجلسنا طالعتها: ملامح وجهها حبلى بحزن دفين, حزنها مسَّ قلبي, طالعت عيناها فكانتا حبلى بدمعات وليدة, ودمعات قد تكون ذرفتها على الطريق إلينا.
لـ “بهيجة” ملامح تحمل كل مجار لدم لا يتوقف نبعه.. دمع يروي عطش الحكاية.. تقبض على حقيبتها التي نسجتها من خيوط الشوق وروح وطن غيَّبه المدى.. هنا ظهرت لي بهيجة وفي ذاكرتي بهيجة، تجمعهما حروف الأسماء، وتفرقهما كل مساحات الوجع.. وقف الجميع مرحبا بالقادمة إليهم، وغادرت المجلس بصحبتهم, وأنا ضج في عقلي سؤال:
“حزن مقيم تمضي به بهيجة، من أين أتى لها كل هذا الحزن؟!”
توسدت نجمات الليل؛ قد تدلني عن ما ضج في قلبي من سؤال.. أستقبل نهارا جديدا تطل من قلبه “بهيجة” مقعدها يجاور مقعدي..
“أنا من “حلب” وأقيم هنا على ضفاف الخليج…”
ما سر حلب في قلبي؟!.. تلاحقني بوجعها..حلبوبهيجة التي تتوشح بعذابات مدن غابت, تحاول استنهاضها من جديد.. تخرج إلى الشرفة ما بين الوقت والوقت وفي يدها هاتفها أسمع حروفا مما تبقى من كلمات “اسمع يا إمي.. يا حبي.. يا عمري..”
تسقط دمعات من ملح تحرق جلد وجهها.. وجدتني مندفعة نحوها حيث شرفة الفندق, تتوسط محيط العتمة ولا يظهر منها سوى لفافاتها المشتعلة, تلوذ بدخانها, تسافر معه في فضاء ممتد, قد يلقيها على حافة وطن لم يغادر روحها..
بهيجة تقتات على وجع الانتظار, تسكن اللهفة قلبها من سماع رنين هاتف, تصلها رنة صوت تقول “هنا حلب…” تقتات على حروف كلمات, تنسج منها وشاحا يقيها من صقيع غربة ممتدة.. عدت إلى منفاي، وعاد رنين هاتفها يصلني من روح الغياب.. منفى يعانق منفى؛ لتتجدد روح مدن وأوطان حتى وإن غابت لها كل الحضور..
***
“د.نزار بني المرجة”..
“لا وقت لقهوة الصباح.. لا وقت لقهوة الحبيبة.. لا وقت لقهوة الأصدقاء.. أيها الموت مهما تماديت في قتل روحي لن أتجرع مر قهوتك..”
وصديقي الذي هناك، حيث الياسمين الدمشقي لا يغيب شذاه “صبري حجير”
“كيف لي وأنا لست بفنان أن أجيد رسم المدينة وأطرز ثوبها وأسرح شعرها وأمزج الألوان؟!.. كيف لي أن أرسم البحر وأنثر الزهر وأزرع الورد وأقطف الرمان؟!.. كيف لي رسم الولد حين يرفع العلم على الجدران..
“ناصر قنديل” ينثر حروفه ويلونها بوجع الحكاية، من قلب أحلامه.. وعيد حمل نزيف أمتنا، ومن يتساءل عن حكمة رضى إسماعيل بتقديم قربانه لرؤيا والده إبراهيم عليهما السلام قبل أن يفتديه الله بكبش عظيم.. ولأن ينتبهوا أن رؤيا الوالد هي إما حلم الأمة أو أمر الله بالتضحية لشأن عظيم.. ها هو إسماعيل من دون كبش يفتديه يقدم روحه رخيصة على مذبح الوطن..
هاهي سورية تقدم أرواح بنيها على مذبح الأمة.. هي رؤية الآباء بأن تكون لنا أمة تشعر بالعزة والكرامة ولا يستبيحها الغزاة ولا الطغاة الهاربون من بطون التاريخ الجاهلي, تحية لكل شهيد هو إسماعيل هذا الزمان، ولكل أب انتظر كبشا يفدي به روح ولده حتى بكاه شهيدا.”
***
من قلب ليل مهاجر عصفت الريح في قلبي, أبرق الكون لرسائل يطيرها لي, أحث الخطى بين الدروب, أتبع بريق البرق لحظة يشق قلب العتمة, أرهف السمع لصوت رعد قادم, أقتفي أثر المطر, قد تصحو وردة غارقة في تصحر وجفاف, حبات المطر تنقر زجاج نافذتي, أرنو إليها وكأنني في عناق أبدي, حبات المطر تزف إليّ البشارة لأن يأتيني عرس كوني يحمل لي الريح ومطرا آتيا من هناك حيث مدينتي الغافية على تلالها الشقراء،حيث مدينتي التي تتوسد كتف البحر, خرجت إلى شرفتي أستقبل زخاته, قد تزيح عن قلبي صدأ من وجع الحكاية, قد تروي أرضا سكنها من سقطوا واقفين.. “ميرابو” وزهرات زرعتها أمه من حول قبره، يأنس إليها حين يصير وحيدا ما بين تراب وطن وزهرات الأقحوان..
“أشواق عباس” ولون من لوحة تحمل قسمات وجه أخيها “بشار” حبات المطر تزيح ما علق عليها من تراب, تغسل دمعة لا تغادر بياض العين وقد سكنها ملح الأرض.. أنا هنا وعرس كوني يلاحقني.. أنا هنا أكتب من أيامي الخريفية.. أنا هنا أقبض على ورقة صفصاف قد يصلها دفء من كف يدي بعد أن انداحت لصفرة في يوم مغيب..
***
قال العاشق الطفل يوما:
“لم أخش يوما أن يأتي صبح بالكنيسة الميريمية، وأكون وحدي دون أن نكون معا أيتها البتول.. لم أخش مساءً ما إلا أن يسألني الرصيف والحجر من أين أتيت بكل هذا الحزن أيها العاشق الطفل؟!.. الآن أنا أقتفي خطواتك على حجارة الشارع الطويل باتجاه حديقة “القشلة” أنفض عني ثوب الوجع والانتظار حيث سنلتقي عند الباب الشرقي حفاة إلا من شهوة الركض أمام عيون المارة لنصل حيث التقينا أول مرة قبل ثلاث ألف عام.. سلام عليك يا مريمي يوم ولدت من جديد، ويوم وضعت شمس الشام كلها بين يدي لتشع عشقا على مشارق الأرض ومغاربها.. هو بعض من وفاء لدمشقنا التي أرضعتنا عشق الوطن وكانت هي حبل مشيمتنا في العودة إلى حضن أمنا الغالية “فلسطين”
هكذا كتب “عمر جمعة” مرثيته في حب شامه الذي يمتد من النهر حتى البحر من مجاري الدمع والدماء..
***
“دارين عاقل” تزف لنا البشارة، بأن لاحت بيارق النصر، وعلت زغاريد السلاح.. اغضب يا جيشي.. ضحكتك من همس الرصاص.. غضبك بركان..
“دارين الجميلة” مع كل صبح تطالعني حروف اسمك. يسكن قلبي يقين أننا نسبق الخطى على خطوات نصرنا، ونصر هو القادم إلينا لوطن هو لنا.. محبتك في قلبي لن تغيب شمسها كما شمس سورية حبيبتي..”
“وأنت أيتها المرأة القوية الرائعة المقاومة، الوجه الآخر لوطن ينزف دما, تشبهين حبة الحنطة في عطائها ووجه الحضارة في رسائلها.. إنها أنت يا سيدة الحكاية”
من إدلب, كفريا, الفوعا, الزبداني.. وحصار على كل محيط الجغرافيا صار الأكثر تعقيدا، من مضايا وتوسيع رقعة المعارك.. أصحاب الرايات السود يصرخون, يستنجدون.
“فايز انعيم” مع إشراقة كل نهار جديد يعيد إلينا وهج الحكاية ونورا من أمل.. يؤكد لنا عن تقدم في الزبداني واتساع الجبهات.. الساحات على صفيح ساخن, الجولان تشتعل.. درعا, السويداء, دير الزور, تدمر, حمص, ريف حماة, اللاذقية, حلب, الحسكة، وبدء استرداد جسر الشغور.. وعودة الأمل لكل من رحلوا عن كل مدنهم بالعودة من جديد..
***
رحل “ميناس” ويأتينا من قلب الليل يطبع قبلة على وجوهنا ويمضي.. “ميناس” مضى مخطوفا, مذبوحا, وترك لنا بقايا من صوت يسكن آذان أبنائه.. الابن يخاف كلما رأى امرأة تتشح بشال أسود.. يتراجع بخطواته للوراء, يقبض على أطراف من ثوبي, يسكنه هاجس أن تلك المرأة من مجموعات قتلت أباه “ميناس”
رحل “ميناس” ووالدي العاشق لسورية كان لا يكف يردد “أنا سوري.. سأموت على أرض سورية”.. مات بسكتة قلبية, من خوف أطاح بقلبه الرقيق من قذيفة هاون سقطت على بيته.. والدي مات خائفا، وميناس مات مذبوحا..
“أشواق عباس” تتشح بالأسود, تتوسد تراب الأرض, تنشد لحظة لقاء بمن رقدوا في سلام.. تهمس من وجع قلبها:
“طوبى لمن يرقدون محاطين بالمحبة والسلام..”
“أشواق عباس” تقلب صفحات مما كتب “شمس التبريزي” عساها تجد مرثية حزنها الضائعة:
“سنرقص نحن الدراويش بطريقتنا من خلال الحب والأسى حتى لو لم يفهم أحد ما نفعله.. سنرقص في خضم القلائل أو في وسط الحرب, في جراحنا، وحزننا.. وحدنا معا”..
***
سيدتي.. أعرفك قبل أن أراك. وإن كنت لا أعلم أنك بمنفى جديد بعيد عن أرضك هناك.. أعرفك منذ أصبح للصبح طعم الفرح..وللوقت البهجة، وقد كنت نسيتها.. أنت اللحظة المباغتة، الجميلة التي ألتقي بها في صباحات كدتها لن تأتي.. لا تعتادي الغياب.. أنتظرك ولا أحب مواقيت الأفول…
بهجة الوقت والندى لمكان تتوسدينه في البعد, ولكنه يسكن قلبي لأنك من على شرفاته تطلين, يصلني نورك حيث أنا هنا في غربتي التي تسكنينها معي.. على الخليج شرفتي, وعلى المتوسط شرفتك.. صرت أنا وأنت والماء، في لحظات اتساع تجمعنا, تحضرين أمامي ومن حولك نوارس تحرسك, أحاول اللحاق بك أيتها البعيدة القريبة.. أنت هنا معي, أتحدث إليك ويأتيني صوتك هامسا, بلهجة لم يغيرها الزمان عنادا منك وحفاظا على هوية لا تملكين سواها, هوية تعاند الزمن كي تبقى وتظل ضد المحو..
وحزن هو لي.. علَّمني أني العاشق الهارب من طين الأرض التي تدور رغم أنها ساكنة.. ما بين رحيل الأزمنة وأنين الأمكنة صرت أنا الذي يكتب إليك حروفه النازفة، ووقت هو لي في لحظتي الأخيرة.. تتسرب مني سنوات عمري منذ عشت اغترابي وغربتي.. منذ توشحت بالرماد مدينتي..
هل يتذكر الوقت جحوده؟!.
هل يتذكر الوقت كيف ماتت ابتسامتي ومتى لفظتني شوارع المنافي البعيدة؟.
هل تأتيني لحظة أعود أدراجي وأهزم هذا الوقت وأصير أمسي؟..
هل يتركني الوقت لأسترد ما ضاع مني؟..
من هنا حيث تحضر كل مواقيتي الغائبة.. من هنا أراك امرأة وقد أصابها القهر من ألف عام.. هل لي أن أجدل من خيوط الشمس حكايتنا؟.. هل لي أن أفك قيود كواكبها وأطلقها في فضاء الكون, أعود أدراجي وأعيد ما تناثر مني من حروف الوجع…
“مما تبقى من الوقت يسكنني السهوم, تخايلني الدهشة وأنت تراني حيث أنت هناك ما بين بحر وبحر.. وبحر لا يشبه أي بحر.. أخذني الأزرق في أعماقه, أستسلم لموجاته الحانية, أبحث عن غاية ضائعة, طالعتني ورقة صفصاف وقد انداحت لصفرة باهتة, ورقة صفصاف وحيدة على صفحة البحر, أقبض عليها, أسكنتها في حنو راحة يدي, أعود بها, أجفف عنها ملح البحر, أدفسها بين حنايا أوراقي, ورقة وقد افترشت بياض صفحات لم تكتب بعد, ورقة صفصاف من بياض موجات مسافرة تصلني ومعها سر الحالة.. وأنت يا صاحبي تعرف حكايتي ونورس يسكن روحي, حين أراه من البعد يكبر الحلم في قلبي بأن نورس لم يعد وحيدا.. يتبعني في ترحالي, وفي خطاي.. تحدثني عن لهجتي وأنا التي كدتها ضاعت مني, ألملم حروفها لأسكنها حنجرتي, وكل من حولي لا يعلمون, أبحث عن قصيدة من كلمات, أذرف الدمع, قد تعيدني دمعات بطعم الملح حيث بيت لي كان هناك..
تسكنك الحالة, ومن على مقامات البوح تعلن عن هذا الحب الأبدي العاصف, هل هذا الحب لي؟!.. أم هو لمدينة نعشقها, صرنا نحن والمدينة في أنشودة عشق سكنت روح الأسطورة.”
“من على تخوم المسافات ترحل أرواحنا لتلتقي.. أتأملك فأجدني.. أفكر فيك فأراني.. أبحث عنك في مسارب الأمكنة المسافرة فينا, وفي الأوطان الهاربة المسروقة منا.. أجدك بنت قريتي التي كنت ألعب معها ما بين دروب جمعتنا.. أجدك أنت ولا سواك ترافقينني حتى تسللت سنوات العمر إلينا وعلمنا مأساتنا, نضجت عقولنا فكان لا خيار لنا إلا أن نحب وطناً تسرب من راحات أيدينا.. سنظل نحلم به حتى يعود أو نعود..
من مدن المنافي البعيدة نقتات على آلام لا تبارح أجسادنا المنهكة, ونحن من رحل عن دفء لا يعادله دفء الكون كله، وصباح هو لي يظل يبحث عن نورك.. من كوة ضيقة أتنفس باتساع الكون, يطل نورك, يحمل مهابة الدفء الذي لا أمل من طول انتظاره”
“من هنا يمر الصبح.. من هنا تشرق شمس لا تشبهها أي شمس.. هنا موعدي مع مولد كلماتك التي تعلن عن ميلاد صبح جديد”
***
صوت “علي خزام” يشق الفضاء في موعد سقوط المطر.. يزيح الغيمات يرنو لتراب وطن يضمه.. لبلادنا خرائط من لون الغياب, ولكننا لا نتوه عنها, لبلادنا شدو لا يغيب عن آذاننا…
“أنا “علي خزام” ابن “القرداحة” التاريخ…أنا علي يا أمي.. ما ترجلت عن ظهر حصاني.. ما هنتُ ولا وهنت… عدت لضيعتي لأرتاح قليلا وأغفو بين راحتيك.. اشتقت لضيعتي الحبيبة لدروب النبع, لسنابل القمح, لرائحة الطابون, لمساكن الورد, للطاحون, اشتقت لرائحة الخبز والتنور..
أنا علي يا أمي.. لا تبكي, لا تنوحي.. قولي لهم أنا أم الشهيد, هذا علي عريس الشام, أنا “علي خزام” فسامحيني إن فارقتك يا شام..
***
ومن وجع الحكاية يهمس قلبي، أناجي ليلا تنام في حضنه دمشق:
“آه يا دمشق.. إننا لم نخنك ولم نطعنك كما فعل كثيرون، وها نحن نستعد لنلملم أفراحنا لننثرها في ساحة الأمويين يوم انتصارك القريب..”
***
في بيت أمي صورتي.. ترنو إلى الفراغ حيث لا أحد، صار البيت لا أحد إلا من صورة معلقة على الجدار, يوم قابلتني عدسة التصوير كانت نظرتي ترنو حيث أمي, وصورة لي تتوسدها ملامح أمي.. في حبة العين.. في حبة القلب.. كيف لي أن أصل إلى ذلك الجدار البعيد؟!.. قد تدلني صورتي على حكايات ظلت على بهائها, هل صرنا نسكن الغيب؟!. نقطف زهرات البنفسج من حدائق تتوسد فقدنا, تراني بعين الحلم وكأنني أنا, تكتب عني, ترسمني على محيط الجغرافيا في مدن يسكنها الدفء والسلام, هل أكون أنا؟!.. أم أنها هي التي هناك سيدة البهاء والحضور.. هل نعود أدراجنا حيث مراتع طفولتنا لنجمع حروفنا, نكتب على الحائط الممتد أسماء عشقناها معا, عن مدن توسدنا ترابها, عن رائحة خبز جداتنا, عن عبق قهوة أمهاتنا, نكتب رسائل الحب… نكتب ذواتنا التي تلونت بالأبيض منذ عدنا حيث وطن هو لنا..
سيدتي أيتها الوردة:
“من وهج المسافات الفاصلة أحدق في اتقاد العينين.. ألملم فضتها وأنثرها باقات ضوء على اشتعالاتي المتعبة، وأستدين من بعض شقيقك وبعض ياسمينك لأرتق من عمري وأفتح مسارب دفء أغلق بها قيظ أيامي..صباح من إشراقة شمس بلادنا، وشمس لنا لن تغيب إشراقة ود تنادي..”
“كيف لي أن أحاذي حروفا هي من إشراقة الصبح وأنا الغافية على محطات الانتظار..”
“غاف أنا على جرح الانتظار والمسافات.. وأنت، أين أنت؟..”
“أنا هنا حيث هناك.. أرنو لبلدتي فتهديني جبالها الغارقة في ندفات غيم مسافر قد يحمل ما تبقى من حروف لم نكتبها بعد.. أنا هنا حيث أنت هناك..”
***
يوم التقيت وتلك الملامح التي توارت خلف نظارة طبية تشبه لحد كبير نظارة أبي، وشعر غزاه المشيب مبكرا, جلست أقابله من أمام النضد, فتح باب الحوار, كان أول عنوان لحكايته الباكية أن له مدينة غادرت جغرافيتها واسمها وساكنيها, مدينة لم يصلها دخان البارود ولا عرف أهلها مذاقاته ليستحيل لونها وشمسها وترابها إلى رماد, يجلس أمامي من دم ولحم, يهمس لي باسم مدينة كانت وغيَّبها المدى إلى شارع ضيق طويل من مخيم يضم ما تبقى من أشلاء الحكاية..
علَّمني أبي أن المخيمات تشبه بعضها وأن الأسماء لم تعد تهم, من مخيم اليرموك في سورية, إلى مخيم الشاطئ في غزة.. الوحدات في الأردن.. عين الحلوة في لبنان.. صبرا وشاتيلا.. الدهيشة والفوار في فلسطين.. رحل أبي بعد أن علَّمني ماذا تعني كلمة مخيم, وكيف أنتمي لأهله, وكيف أحمل لهم باقات الحب في قلبي, رحل أبي ولم ينتظر القادم إلينا, لم ير بأم عينيه كيف تشرد أهل المخيم للجوء جديد, وكيف تم تحريره من ساكنيه, هل كان قلبه سيحتمل ما آلت إليه نكبتنا حيث نكبات تتوالى علينا, هل كان قلبه سيحتمل أن نصير جميعنا في لجوء وشتات, كل من حمل أبجديته ينتظره لجوء وشتات.. عاد يهمس لي وكأن العالم كله يرهف السمع إلينا:
“أنا هنا أعمل على ضفة هذا الخليج, ألقيت بعيدا قسرا عن إرادتي خارج حدود المخيم, خرجت أمي شريدة وإخوتي إلى شتات جديد, لم يحتمل قلبها لجوءًا يلد لجوءًا أشد وأقسى, وهن جسدها, توقف قلبها, فاضت روحها بعد أن تركت آخر أمنية لها أن تدفن بالقرب من مخيم عاشت فيه طفولتها, وشهد حفل زفافها, وأنجبت فيه أبناءها, رحلت وتركت هاجسا وخوفا يكبر في قلوب إخوتي كيف لهم بالدخول للمخيم وأصحاب الرايات السوداء يعيشون على أنقاض حياة كانت بين جوانبه, لم يكن أمامهم من خيار إلا حملها إلى عربة نقل الموتى, قد يحالفهم الحظ ويوسدونها تراب المخيم, رفضوا دخولها وهم يلوحون بالسكاكين ومدفع الرشاش, توسلات إخوتي كبرت وعلا الصوت من دمع سال على الطرقات قالوا:
لا تعبروا بها على عربة نقل الموتى, اعبروا بها على عربة خشبية تجرونها
أذعن إخوتي لحالة صارت واقعا أسود, حملوا أمي حيث تراب يجاور المخيم, غابت مدينتها الحلم هناك وما كان حيلتها إلا أن تقبض على حلمها الأخير في لجوئها الأخير.. ساد صمت يجرح فضاء الحكاية..
رنوت إليه بحنو شفيف, طال الغبش زجاج نظارته, رفعها عن وجهه ليفسح للدمع مجرى قد يغسل بعضًا من ألم لن يغادر..
***
من حلب, كفر زينة.. غدا جسر الشغور.. إدلب.. حوَّامات ودعم ناري, جاء المد وقوة الإسناد, حيث وقف الجيش وجاهد لأجل صموده وعزته أما غرباء الوطن: قوقاز, شيشان, جميعهم في سهل الغاب يتربصون للجيش في ساحات الغدر, أصحاب الرايات السوداء يفرون من المناطق الجنوبية, من ريف درعا يصرخون, يستنجدون, لا أحد..
من الرقة إلى دير الزور إلى العراق, جميعهم يهربون وهم في حالة إرباك وفوضى وانهيار روح القتال, عائلاتهم لجأت لبلدة كفريا, الفوعا في إدلب ونبل والزهراء, فرار جماعي على كامل الجغرافيا السورية..
في “فلسطين” سقط الجدار عن الجدار.. هل ينهار كيان هذا الجدار؟.. هل صار للسكين ذات الحواف المسنونة معنى يزداد شمولية حين تتوغل في جسد من قتل وذبح وشرد.. هل صار للسكين معنى حين تبتر اليد التي تجتث جذور الحضارات من تدمر حتى آشور إلى كنعان..
تنثر “دارين عاقل” أنشودتها:
“لن نركع.. لن نساوم خلقنا وعلى أذرعنا البنادق.. خلقنا بلا مفاصل.. قادمون.. قادمون”
يتلقف “ناصر قنديل” أنشودتها، يردد ترنيمة عشقه الأبدية، ترنيمة تطل من قلب صبح طازج يحمل براعم الانتصار:
“يولد الفجر من خيط شفق وغسق وبينهما لمسة ضوء وندى وبراعم ياسمين, والموعد بين حلب ودمشق حيث تنتفض في القلوب نبتة برية تزهر دما اسمها “فلسطين”.. بورك جنوب العرب في لبنان، وجنوب العرب في فلسطين وجنوب جنوب في اليمن.. كل الجهات جنوب وكل الجهات فلسطين”
***
تكتب وردة من هذيان روحها:
“إلهام المزيني” تضج بأفكارها, تطلبها, ترسل إليها كل علامات الاستفهام والتعجب, إلهام صارت ترفل بخمارها الأسود, وملامح وجهها وقد توارت خلفه, لم يعد الأزرق يسكن عينيها, ولم تعد لها إطلالة كما شروق الشمس, تحكي لوردة عن صدمتها لأن تجد لها صور وقد أطلقت خصلات شعرها على كتفها, لم تقرأ ما تكتبه وردة, بل قرأت ما ظهر من هيئتها.. إلهام أغلقت صفحات قد تصل إليها حيث “وردة” كتبت على صفحتها أنها وجدتها بعد طول غياب، وستظل تبحث عنها من جديد”
هكذا أوصدت “إلهام” كل الطرقات التي تصلها بوردة..
***
سقطت من عيني دمعة، عدت إلى صورتي التي تجاور صورتها, غابت الملامح, توارت الأيام المنسية, عدت إلى ملامح زمن “أبيض.. أسود” وكيف أسندت رأسها على راحة يدها لتخطف منها عدسة التصوير زمنا لن يعود, زمن غلفه سواد من قتامة وقت يأخذنا إلى جب سحيق..
رحلت إلهام عني، وأوقات من روح البهجة قد أستعيدها من جديد في ملامح قد أجدها تشبه ملامح إلهام, قد أجد الأزرق يسكن عيوناً هناك لا تزال على حافة الانتظار..
***
“علياء النخالة” تشاركني حب الأثواب المطرزة..
أعشق الأثواب, يعجبني جمالها وتداخل الخيوط فيها, أقتني ما أستطع اقتناءه فلدي أكثر من خمسة عشر ثوبا فلسطينيا, مازلت أحتفظ بثوبي من يوم زفافي, سآخذه معي حين أعود إلى مدينتنا هناك..
علياء حبيبتي.. في خزانتي ثوبان: واحد منهما قديم على قماش حبر من الحرير الأسود, ثوب هو لي من أكثر من مائة عام, ثوبي يطاوي خيوطه ضيقة منمنمة, كلما اشتقت لمدينتي هناك أمر براحة يدي أنشد ملمسا قديما, أنشد وطنا عائدا، وثوب آخر هو آخر هدية من أمي, طرزته من خيوط تسربت ما بين أناملها, حمل أنفاسها ونور عينيها ودقات قلبها, حمل الفرحة لهدية الفرح التي ستهديها لي, رحلت أمي وبقي لي منها ثوب وخيوط, تشي بسر حكايتي معها, حكاية حب أبدي لا يفارق روحا شطرت من يوم رحيلها..
كل أثوابنا الفلسطينية جميلة يا وردة, ثوبي هذا الذي ترينه ألبسه وأنا على شواطئ “سان دياجو” “كالفورنيا” ثوبي هذا من شغلته هي أيدي فلسطينيات من مخيمات “لبنان”، من مخيم “عين الحلوة”..
سألتقط لثوبي اليطاوي صورة وأرسلها لك، وثوبا من يد أمي, ما أجمل ثوبك يا “علياء” تجذبني رسوماته وخيوطه التي تسربت من أعلى الكتف حتى الأكمام, وعلى الصدر وكأني أقرأ رسومات من زمن كنعان, تحكي حكاية مدن لنا لن يغيب نورها ولن تسقط شمسها..
غابت “إلهام” بخمارها الأسود،وعلياء أهدتني حياة بثوبها الذي طرزته نسوة من عمر حضارة كنعان.. توارت إلهام خلف المدى حيث غياب أبدي.. جاءتني علياء الهدية الأجمل حيث أثوابها وروحها المتقدة بالنور والجمال, وحيث أنا هنا لا أمل الجلوس على محطات الانتظار التي تهديني روحا من نور الحياة..
***
“سلمى ديبو” ولدت ولم تر “غسان”، ولم تر أرض البرتقال الحزين, تشطب ملامح وجهها, تغيبها من خلف المدى, ترسم ملامح غسان وهو ينفث دخانه, ينفث حروفه التي صارت نقشا على جدار الذاكرة..
“سلمى” تعيش في “اللاذقية” تقضي أيامها وعمر صباها تبحث عمَّا تبقى من حروف غسان وكلماته, تجاهد الحياة لأن تصلب عودها, تجمع ورقات نقدية, تحصي أرقامها, وتذهب بعيدا في حسابات الوصول حيث غاية تنشدها, هل تكفيها ورقات نقدية تجمعها لرحلة تأخذها الحافلة إلى “بيروت” حيث مقبرة الشهداء هناك, لا أحد يعلم أن “سلمى” غايتها مقبرة يضم ترابها “غسان”.. لا أحد يعلم أن باقة ورودها لا تحملها لحبيب غائب, ولن تهديها لصديق اقترب عيد ميلاده, ولا لصديقة تعافت من ألم أصابها, تدفس ورقاتها النقدية في جيبها وفي يدها الأخرى باقة ورد من لون حبات الكرز, ترنو ما بين اللحظة واللحظة لوردات تحملها, تخاف أن يطالها الذبول قبل وصولها, وتطمئن روحها أن لكل قبر ستوسده وردة, ترنو لأفق شارد, ترحل بابتسامتها صوب الشمس, يرافقها الأمل للوصول لمقبرة الشهداء, توسد ورداتها قبر “غسان” و”ماجد”..
وفرحة تجتاح قلبها لأنها ستخبر “وردة” التي هناك تلتحف الغياب حيث مدن المنافي البعيدة, وأنها ستطلبها على هاتفها وتهديها البشارة أنها وصلت حيث غسانوماجد، تلقيها حافلة على أول الطريق الممتد ما بين دمشق وبيروت, تهب عاصفة ترابية, تلملم خصلات شعرها, تضم ورداتها إلى صدرها, تحث خطاها وحيدة, وجهتها تراب يضم غسانوماجد..
في قلب “سلمى” حجرة واحدة مساحتها “رجال في الشمس”، وغاية “سلمى” طريق واحد تحث خطاها إليه من كل عام حيث “غسان”.
يرن هاتفي:
أنا سلمى.. ما أسعدني وأنا أسمع صوتك وردة حبيبتي..
لم تمهلني ردا.. تكمل سرها الملون بالفرح:
وردة.. أنا هنا أمام قبر “ماجد”.. لن تصدقي إن قلت لك أنه يجاور قبر “غسان” في يدي وردات من لون كرز سورية سأوسدها قبرهما.. هل تصدقين أن “غسان” دلني أين يرقد رفيقه, لم أتعب في البحث عنه, وجدتني أقف أمام قبر ماجد وفي يدي آخر وردة…
رنوت لموجات تلاحق بعضها, و”نورس” وحيد يبحث عن دفء أيامه الآفلة.. أنا و”سلمى”،”ماجد” و”غسان” في بيت قصيدة لم تكتب بعد..
غابت إلهام، وبرعمات وليدة تكبر في خاطري وروحي..علياءهناك، وسلمى هنا، وكل يكتب ما تبقى من قصيدة عشقه لوطن هو لنا
وأنت يا صاحبي هناك تنثر لي كلماتك حيث أنا هنا، تقول:
“إن لي صبح أشرق عليك قبل أن تلتقي بي.. صبح ما أصابه تعب… يحن إليّ ويبحث عني، وإن كل الوقت لي”
وأنا أبحث عن صباحات الأمس فلا أجدني, أبحث عن مواقيتي التي صارت على طزاجتها فأجدني في موعد مع الصبح حيث أنت هناك.. ترنو للضفة الأخرى من بحر يختزل نأي المسافات وكأننا نسابق الوقت من منا سيشهد إشراقة يوم هو لنا؟
هل غاب الوقت؟!. أم عادت عقارب ساعاتنا إلى الوراء؟ أم هي بدايات لرحلات بعيدة في أرض غريبة.. من هنا ومن خلف زجاج نافذتي سافرت موجات البحر, هدأ هدير الموج وبحر يرقب طيورا مهاجرة من صقيع الغرب تبحث عن دفء في مطارح لنا, ونحن لا نكل نحث الخطى بين الدروب نعيد ترميم ما تكسر في ذوات الآخرين, نجاهد لأن نبقي في حجرات القلب مساحة من نور تزيح عتمة أيامنا..
هل غاب الوقت؟!.. هل تعود عقارب ساعتنا للوراء وتوقف دورة الزمان وحالة صرنا إليها لا تطالها نوات قادمة, نقتات على الوقت في محطات الانتظار..
“سيدة المكان والزمان أنت.. سيدة الوقت حين لا نجده إلا متسربا من راحات كفينا باتجاه مغاير لكل رغباتنا وأحلامنا.. أين وقتنا الذي كان؟!.. أين زماننا الذي غاب وغيَّب الأحلام والناس والأحباب..زمن غائب، ورغم ألم الغياب حملناه في عقولنا ووجداننا،يرحل معنا حيث نكون، حيث مدن من صقيع وشوك وصخور.. نلوذ من صقيع لدفء نستعيده من حبة القلب وحبة العين، ونورس يقابل نافذتك.. تلاحقه موجات بحرك, يبحث عن دفء مغادر, هو مثلنا يبحث عن وطنه, ووطنه الدفء, يهاجر لأجل أن يجده هنا أو هناك, ونحن يا سيدتي كما نورس هناك, نهاجر ووطن في ذواتنا المنهكة, نبحث عنه, لا نجده, هل لك أن تمنحيني بعضا من وطن أبحث عنه فيك..
كوني دفئا.. كوني وطنا حتى وإن غبنا وأتعبتنا طول المسافات في البحث عن وطن نتفيأ دفئه..”
“قلت لي أنك سافرت إلى بلاد لا أعرفها, ركنت إلى الصمت وروح الفقد تتسلل إلى كياني الذاوي, ما حيلتي حيث أنا هنا وأنت هناك, حيث مدن لا تحمل شارات الوطن ولا روح زهراته, لا نهر, لا ينابيع, لا تلال, لا جبال, لا شئ..
جلست أرقب كل مساحات الوحدة والخواء, طالعتني أوراق كتبناها معا, مددت لها يدي, أسمع وجيب قلبي وأنا أقلب الصفحات, أقرأ حكايتنا ما بين التماهي في دروب الألم, وما بين الأمل في صباح يهديني حروفا من حكاية هي لنا, ما أدهشني أن حروفنا انداحت إلى أنشودة هي من روح الملحمة التي سكنت أساطير ذلك الزمان, لن يستطع أحد أن ينتشل كلماتك من بحر ما كتبناه, أعيد ترتيب المقاطع أؤكد لنفسي أن هذه كلمات كتبتها لك, ثم أعود مرة أخرى أؤكد أن هذه الكلمات هي ذاتها ما كتبتها لي..”
وأنا أقول لك يا سيدة الحكاية أننا حين نكتب بحبر القلب وبدم الحنين, تختلط أوراقنا وتتبدل في صندوق حروفنا والتي تمنحنا الدفء الواحد, ولأنها من عمق ما وحدنا حين اكتشفنا أنفسنا أننا في يوم جمعتنا حروفه وآماله, غربته, آلامه, جميعها واحدة, تتشابه الحالات, نتوه فيها, لا نعرف من منا الآخر, أما أنا.. يسكنني يقين أنني أعرفك.. أنت هنا, في عمق روحي, وقلب قلبي, ليس في المكان أو الزمان بل في كل حالات أصير إليها, إن وجدتني أشبهك وأنت مني, نحن المكان الواحد والزمان الواحد, أنت هنا, كل الوقت, بطول الأمكنة وبحجم المدن التي لنا هناك..
سيدتي، وان ابتعدت, وإن سافر بك الوقت, أنت لا تغادرين, همسك، كلماتك, سمتك, نظرتك الحنون, كفك الأبيض يحتوي نهاراتي التي لم تأت بعد..
***

“كوني دفئا.. كوني الوطن..”
هي كلماتك يا سيدي, أحار بها وتحيرني, يطل عليّ أبي الذي ترك مدينة التين وقطوف العنب, حيث مدن المنافي البعيدة, لم يكف يزرع داليات عنب قد تشبه ما كان له هناك.. ينشد دفئا غائبا في قطوف عنب حباته شامية، وأنا هنا كما أبي الذي أنهك الفقد روحه وقلبه, كيف لي أن أحمل دفء هذا الوطن وجسدي وقد احتله صقيع الكون وعتمة غروبه..
في أوقات يتسلل إلى جسدي الوطن, أقيم طولي, أدق بأقدامي على الأرض, أرنو للكون في نظرة عنفوان, أقبض على الوقت, على الذاكرة, على التاريخ، وأوقات أركن للفراغ.. أصير لا شىء.. يوم التقينا هل كان لي همسا مغايرا, ونبع حنان لم يطاله الجفاف.. هل مازال فيضا يسكن قلبي.. راحة يدي بيضاء حيث وطن يحتلني ولم ولن يغادر؟؟
أنت سيدة الوقت والزمن والحلم والأمل، وفروق ما بين البشر كما الأمكنة, هناك أماكن تلونها أطياف البهجة, برتقال وورد.. وأخرى من رماد وتصحر وجفاف. التقيتك قبل أن أراك, حيث وطن ساكن فيك ولم يبارح, تمضين بهالة النور, تصيرين شعاعا لا ينطفىء..
أبحث فيك عن ظلي ودفئي وأنا العارف أنه المحال, ما حيلتي وأنت المرأة الاستثنائية, فيك وجدت فيئا وظلا.. فيك أنت يا سيدة الحكاية وجدت الوطن.. كوني كما استشرفته من زمن الغياب, كوني همسه الشفيف الذي يهديني أنشودة الحلم الغائب, افتحي نوافذ النور لنوارس قادمة تحمل بين حنايا ريشها دفء أوطاننا التي هناك…
نحلم والنوارس ببياض الفجر، كوني كما يليق بك، وكما أردت ذاكرة وتاريخ. امنحيني بياض النور كي أصل لوطن كدته غاب ولن يعود.. امنحيني دفء السكينة كي أقيم طولي من جديد وأواجه أعداء الحياة الذين يتسللون إلى قلوبنا المتعطشة للدفء ويبثون صقيع غدرهم وجرمهم..
***
هو مساء يطل علينا من ترنيمة الغياب، وأنت تقول لي أنه من فيض نور ياسميننا الدمشقي، ووردات جوريات يحملن نبع الحنان وداليات عنب زرعها أبي لا تزال على عهدها في زمن الانتظار على محطات الغياب، ومحبة وشوق بحجم المسافات البعيدة..
من شرفتي البحرية أودع نهارا وأستقبل نهارا.. أحسب أيامي من حروف أكتبها, هي كل ما أقتات عليه في كل مواقيتي, تؤرقني الفكرة وتعذبني الحكاية, أبحث عن مسرب يأخذني للضفة الأخرى من النهر, قد أستعيد بعض ما تبقى من وقت قد يكون لي..
تعود وتعزف على أوتار الوجع, ساردا تبحر في حالة تشظٍ صرنا إليها، وأن صبحا يشتاق لنوري ولكل أمكنة أنا فيها, وإن نأت المسافات وضفتانا المتباعدتان بينهما بحر باتساع ألف ميل, لكن ما يجمعنا هو دفء واحد يتسرب إلينا, يجمعنا حيث كنا, وحيث تبرعمت أحلامنا, يجمعنا حيث هناك.. أنا وأنت، في مدينتنا التي سنلونها بأطياف من ألوان قزح.. نزيح ما تراكم عليها من رماد الحكاية الموجعة, ونعود نسكن الحلم الذي كان..
***
في الفراغ فككت حرفا من حروف الأبجدية واتكأت على الغياب, قد تتحرر الأشياء من تاريخها.. خذني إلى سنواتي الأولى، لولا السراب ما مشيت إلى تلال سبعة، وربيع أخذ من المكان، وأورثوني قمة البركان.. من غبار الظهيرة تحمل النعوش ملأى بأشياء الغياب, قتلى مجهولون لا نسيان يجمعهم ولا ذكرى تفرقهم, منسيون في عشب الشتاء على الطريق العام بين حكايتي البطولة والعذاب..
كانوا صغارا, يقطفون الثلج عن سرو المسيح, ويلعبون مع الملائكة الصغار, إنهم أبناء جيل واحد.. يلعبون مع الجنود على الحواجز لعبة الموت البريئة.. أحلام ضيقة على أبوابنا, صغار يلعبون ويصنعون حكاية للوردة الحمراء تحت الثلج.. خلف حكايتين طويلتين عن البطولة والعذاب, يهربون مع الملائكة الصغار إلى سماء صافية..
من اللاذقية حتى سهل الغاب، عطشان, اسكيك, تتناغم الجبهات في ريف حماة للوصول إلى تخوم إدلب، ومعركة معقدة، وللمعركة أبعاد كبيرة.. حرب تكسير إرادات لاستعادة إدلب من معقل أصحاب الرايات السوداء..
“دارين عاقل” وأنشودة نصرها.. تلوذ بزهرة ياسمين, تهتف من نور قلبها: “ما زالت لي ولك.. ياسمينة دمشقية هي شامنا”، وصديق لها هناك يعزف على أوتار من بيت القصيدة “بل هي نابلسية، هي دمشق الصغرى كما سماها “ابن بطوطة”..تنثر ورودها, وسل ياسمينها يتأرجح على ساعدها, تجوب شوارع مدينتها الغافية على دمع الحكاية, تعلي الصوت: “شامية نابلسية.. هي شامنا الحبيبة”
***
من وردة الغارقة في حضن الغياب، ترسم نهارا مغايرا, يسكن بين جنباته بعضا من نور الحياة.. يكتب إليها:
كأنك أنت حين أتأملك.. هي أنت..
هي أنا.. وهي الصورة الأحب إلى قلبي, أمي علقتها على جدار بيتنا هناك, ودوما ما تذكرني بحكاية صورة هي لي, وما قاله المصور الهندي أن ابنتها سيكون لها شأن ما..ظلت أمي على حلمها وحلم الانتظار, أنا مازلت أقبض على مواقيت البهجة بلقاء كان لنا وان تأخر كثيرا ولم يكتمل.. كم هو غريب هذا الزمان, زمن يختار مواقيته ولا خيار لنا إلا أن نحث الخطى, نكمل ما تبقى من رحلة العمر بمفارقات قدرية لا حيلة لنا فيها..
هو القدر يا سيدتي. نستسلم له في هدوء وصمت, قد نكمل فيه بعض رجائنا وقليل من احتياجاتنا التي صارت عصية علينا, نلوذ من بوابته لسكينة ورضى, وتعلقنا أن يكون لنا أحد هنا أو هناك يعزف على ذات القيثارة التي قاربت خيوطها لأن تذوي من كثرة العزف عليها.. ما بيننا جسور ممتدة من وطن بحجم الجغرافيا والزمان قد نجد في ما نحن فيه مرثيتنا في وحدة ومنفى لا نهاية لها.
***
في أوقات كثيرة كنت أعاند القلم والنظر إلى أوراق تناثرت من حولي, أقاتل الفراغ فلا أجد إلا أنا, تركت مفرداتي الصغيرة وأنا العاشقة لها, هجرت روايات عشت بين أوراقها, وحكايات أحببتها, كنت أطيِّرها في وجه الريح وأطير صوبها حيث يسكنني فضول إلى أين ستمضي وأين ستحط كلماتي, أعاند الوقت قد يرق لحالي ويهديني البهجة وروح الفرح, خرجت من دائرة اهتماماتي كل منمنماتي الصغيرة والتي كنت أقتفي أثرها لأكتبها, بل هي التي تكتبني وكأني أنا التي رحلت عني وصرت لا أعرف كيف أستعيدني من جديد..
استسلمت لوقت الحالة, صار يومي يشبه غدي، وغدي صار أمسي, مثقلة أنا يا صاحبي بالهم, لا أعرف كيف أرده عني, أفتح كل محطات التلفاز على أخبار أدمنتها, أقرأ مواقيت وداع الشهداء, وأساطير البطولة, تمر بي وجوه أبطال لتسكن قلبي وروحي ووجداني ولا تغادر, غابت عني روح الموسيقى, غابت عني أطياف من ألوان قزح, أقتفي أثر الأخبار قد تدلني على موعدي مع نهايات أرنو إليها, صرت أبي والذي كنت أعجب لحاله ولمحطات أخباره, عقلي يضج بجغرافيا الزمان والمكان وبإشكالية الإنسان فيها.. التقيتك على بياض صفحات لم نكتبها بعد, لا أعرفك.. لا تعرفني..كنت أكتب للغيب قد يصالحني على زمن تسرب من أعماقي.. هل أعود لأشيائي التي أحببتها، إلى منمنماتي الصغيرة، إلى فنجان قهوتي الوحيد،إلى صبح كان لي وتسرب من روحي, هل أعود وأشتاق لغدي وأنا التي أجدت الهروب منه..
لا تعجب يا صاحبي إن قلت لك أنني أراك هناك على حافة البحر الغريب في منفى بعيد لا يستطيب لي.. منفى اختياري هو.. قسري هو.. أنت في بلاد لا ترحل إليها نوارس بحرنا، ولا تشتم هواءً بحريا مفعما برائحة اليود, ولا تلفح وجهك نسمات نهر لا يكف عن شدوه لإيزيس وأوزوريس, شدو يراقص أوراقا من شجر صفصافنا.. تسكنه عصافير تصفق بأجنحتها من نبضات قلبها، وطين بلادنا الذي أنبت عظام أجدادنا..
أنت يا سيدة الحضور والبهاء, أنت هنا, وهناك أنت، وفي منفاي نحن سويا, أنت يا من كشفت قهري وشجني وحيرتي, ونوراسي التي تلونت بالخيبة تقف على حافة الوقت تنعق حظها الذي هو حظي وغربتي ومنفاي.. تعالي نلتقط أنفاسنا على محطة وحيدة وربما أخيرة, نفتح محطات مغايرة, قد نجد إجابة في لماذا وكيف أصابتنا حالة واحدة؟!.. من هنا من أعماق ألمي أجد نفسي حيث أنت.. أنتِ يا سيدة البهاء منفاي وسكني الذي ألوذ فيه من صقيع يسكنني..
***
أقرأ كلماتك يا صاحبي الذي هناك، تدعوني لقنوات مغايرة, وأنا التي أدمنت حكايات الحرب وصوت رصاص البنادق, ولهاث الجنود في صولاتهم, أتتبع خطاهم, يأخذني الفضول لأعرف أنواعا لطعام يصل إليهم, زيت زيتون, وخبز الطوابين البعيدة, وكوب شاي وحيد قد لا تصل إليه يد مقاتل لم يسعفه الوقت لشرب كوب شاي وحيد وأخير..
أقرأ من على شاشة التلفاز عن “عين غزال”, “سلمى”, “ريف اللاذقية”, “دير العصافير”, “مرج السلطان” في الغوطة الشرقية..
من عين غزال يطل عليّ “د نزار بني المرجة” وبيت القصيدة “نام الغزال.. لا توقظوه.. لا تقلقوه.. نام الغزال..” هل تطل “عين غزال” من جديد ونور من بشائر النصر يقترب إلينا, يفترش الساحات حتى سهل الغاب, جبل الزاوية, ريف اللاذقية، دير الزور،إدلب, حماة, حلب، دمشق.. هي محطات أخبار أراها وقد تلونت بشارات النصر..
وأنت يا صاحبي حيث أنت هناك هل نضبط ساعة الوقت على حروف تأتي إلينا ضمادات لجروح غائرة.. كيف لنا من راحة؟!.. تعبنا ولم نصل لطرقات تدلنا عليها, حتى صار الألم والتعب وصولات التحدي وروح الانتصار تسكن كياناتنا، وخيبات عاهدنا أنفسنا لئلا تصل إلينا ولا ينفذ سهمها إلى كياننا..
كيف لنا براحة، ونحن نعيش ساحات قتال دون سماع لطقطقات السيوف ووقع لطبولها, نعاهد أنفسنا لأن نقف في وجه العاصفة, نبقى على عنادنا, لا نلين ولا نهادن.
الراحة والسكينة غادرتنا, تهنا عن محطاتها, ولم يبق أمامنا سوى محطات الأخبار, هي لي ملاذ لأنشودة ضائعة, كيف لنا أن نغادر محطات الأخبار ونحن ما زلنا في عين العاصفة, قد نستطيع أن نشحذ قوانا, نذود عن أنفسنا، عن أهلنا, عن وطننا من ترديات الوقت في زمن صار إلى تيه ممتد, نحن هنا نستجدي ساعة الوقت في ساعة وحيدة وأخيرة, قد نستعيد منها بعض ما نرنو إليه من نور يعيد لنا أرواحا غابت وكدناها غادرتنا..
***
صباحك من دفء وحنان الياسمين.. للياسمين مواعيده, كما للدروب مواعيدها, نرنو لموعدنا على حافة أوراق الورد, تطلين يا سيدتي بسمتك الحنون فيطل الوطن..
أنا كما الوقت, يمضي بي وأمضي به, لي منه بعض من سويعات أستعيد منها بهاء الروح وسكينتها.. من حافة أوراق لزهرات الحياة, من برعمات لن يطالها الجفاف تكتب لي.. تكتب لوردة التي هنا والتي هناك.. هي عناوين لحكاية تلونها بالفرح, قد تصلني, تهديني باقة من حروف هي الهدية الأجمل منك. صباح يطل من عبق فنجان قهوة وحيد وليس بأخير..
ساعة وقتنا لم تحن بعد كي تعيدنا من جديد لطرقات نبحث عنها..طرقات تعيدنا لحضن شجرة زيتون أو برتقال.. لحارات كانت ورحلت عنا.. إلى أهلنا وبلادنا.. أعيد ما تبقى لي لأكتب إليك.. أنك أنت زماني وماضيَّ وأهلي.. أرى فيك كل ما فاتني وكل ما ضاع مني.. متى تأتين؟.. متى تطلين عليّ من حيث أنت هناك، لنعيد زماننا الذي مضى ونعدو بين دروب قريتنا التي مازالت تعيش فينا, نقطف حبات التوت، ونرقب موعد قطاف زيتوننا..
هل غاب الوقت عن الوقت.. أين كنت أنا؟ وأين كنت أنت؟!. وكأن مواقيتنا تهرب منا, ثم ما تلبث أن يجتاحها يُتم وصقيع وضباب, حيث اللاشيء, تعود أدراجها تنتظر ساعة الوقت التي لا يعرفها سوانا, نكتب عليها كيف تدور بعقاربها, ثقيلة هي, وقد ناءت بأحمالها, وما أن تأخذنا إليها حتى يصير الوقت في اللاوقت.. وقت أبدي من روح أسطورة نكتبها, نطيِّرها في وجه الريح, ننقشها على الحجر, على مطارح أقدامنا حيث هنا حيث وطن هو لنا.. صديقتي من بلدتي التي تتوسد جبالا شهدت عشقي وهيامي لترابه, لحواف صخوره, لشجر زيتونه, لحبات مشمش كنت أجمع نواه في كف يدي, أفتش عن مطارح لأدفسها في طين الأرض وأزرعها لتكبر وتهديني من ثمرها, صديقتي هناك تهمس لي بأن تخيط لي ثوبا كنعانيا ستحمله إليّ هدية حيث أكون.. كنعان تسكنني, تلاحقني, كنعان تقاسمني أنا وأنت كل مواقيت ساعة الوقت.. ثوب كنعان من خيوط الحرير, سيأتي إليّ يحمل بشائر انتصار قادم سيعيدني حيث هناك، حيث تراب الوطن..
ساعة الوقت تنتفض من جديد، تدق ترنيماتها الحزينة، قد تصل لزيتونة عاندت قهرها. سنظل نحمل الحلم, نرنو لأماكن غرسنا فيها نوى المشمش وحبات الزيتون.. في جغرافيا الذاكرة ألمح حارتنا وشجرة التوت والساقية ودالية مترعة بالحنين.. وأنت يا وردة لاهية بألعابك وشغبي ومشاكستي، رغم أنك لست من قريتي ولا من حارتي، لكني أذكر أنك كنت أنت.. أننا التقينا، وفرقتنا الأيام والسنين لتجمعنا مرة أخرى على دفء وحنين وشوق.. متى تأتين كي نعود معا إلى مواقيتنا ودروبنا وألعابنا..
تدعوني إلى وقت كان لنا، وإنني هي من كانت تشاركك المشاكسة والمشاغبة،والتي كانت تقبض على خيوط الخيال, تنسجها من حكايات ألف ليلة وليلة, والتي كتبت عن زمان كان لها, كنت أنت وليس سواك بين رفاقي في شارع بيتنا الطويل, أنا التي فتحت حجرات الذاكرة, أنا التي تكتب حروفها, أنا هنا.. أنا هناك.. كدتك يا صاحبي غافيا عن زماننا, كدتك نسيت الحارة والبيت القديم, شجرة جميز نتفيأ ظلالها, ساقية لا تكف تدور وتنثر أهازيجها من مرثيات حضاراتنا الغائبة, رائحة الطوابين التي تسكن صدري, أتنفسها حتى وإن غاب خبز أمي عن مذاقاته, مصطبة جدي وأرجوحة العيد في آخر حاراتنا المنسية, اليوم نستعيد بقايا الأسماء والحكايات, نستعيد ترنيمة وطننا, أخاف أن تعود الوحشة وتسكن قلبك وأنت العائد القريب لحضن وتراب هذا الوطن. أنا هنا يحط على قلبي السهوم, هل صار لي رفيق يقاسمني ذات الهم وذات الوجع؟! وأنا التي عرفتني طرقات المنافي البعيدة والتي أمضي إليها وحيدة وأعود منها وحيدة..
أيتها الوردة التي من روحها أتنسم شروق الحياة، عائدون، أقسم أننا عائدون, حتى وإن فارقت أرواحنا أجسادنا المتعبة, حتى وإن بعد الجسد عن تراب الوطن إلا أننا منه والعاشقون له, عشق يتماهى حنانا ودفئا، أبا وأما وجيرانا.. ألعاب صنعناها براحات أيدينا: خشب, صفيح, عرائس من طين الأرض، وقطن من روح الأبيض نجمع فيه أحلامنا التي تدلنا على طريق عودتنا.. أنت أيتها الوردة الأجمل في حجرات ذاكرتي البعيدة, هي أنت التي كانت تصاحبني في العدو بين الدروب, ما بين توتة وساقية وشجرة زيتون, نتعربش على داليات العنب, تتسابق أكفنا في التقاط قطوف حباتها شامية. نحن من بقينا في وجه العاصفة, نرفل بالحلم.. حلم المكان والزمان. نعيش أنشودة العودة رغم الغصة التي لا تبارح أرواحنا من مناف لا تكف تثقلنا بصقيع يحيلنا لحالات من التشظي, نلملم ما تبعثر منا, نجاهد لعودة قريبة.. نمسح عن وجه مدننا رمادا من وجع الحكاية, نحيلها إلى روح الأبيض, إلى الأخضر من زهرات لوزنا وزيتوننا.. نعود نفترش ظل شجرة جميز.. نقتات على ظلال غابت وعادت إلينا من جديد تمسح عن وجوهنا لهيبا كاد يحرق جلودنا ويقضم من أعمارنا..
***
أودع نهاري بكلمات أطيرها حيث أنت هناك، موعد هو لك مع شروق نهار آت،وأنا لي موعد مع أفول نهار مسافر.. أنا العاشقة لغروب وليل مضرج بعتمته, أزيح بعضا منها من حروف كلمات أكتبها إليك لا أملك سواها. وقت تسرب مني، غيب عني رفاق طفولتي البعيدة, تأتيني أنت بباقة من زهرات ربيعنا.. إنها الحلم، تروي لي تفاصيل حياة عشناها معا, تختزل كل المرايا وكل الصور في حكايات لا يعرف كيف تروى سوانا.
كدتني في طفولتي وفي صباي وحيدة, أصاحب الخيال, وروح المغامرة, لا أحتسب للأخطار, دوما ما أندفع نحو التجربة بروح جسورة, عقلي يقودني على مدارج الخيال, أذهب بعيدا, وأعود على ذات الممر الطويل لحديقة بيتنا, ألتقط أنفاسي تحت شجرة برتقال زرعها أبي, أجمع قواي وكأني على موعد مع غد يلاحقني حيث مغامرات تتجدد في عقلي, كنت أظنني وحيدة لا يراني أحد, وأنت الذي رافقتني بين الدروب, تأخذني الأحراش بعيدا, تذيبني بين حناياها, يجتاحني الفضول, أراقب كل الموجودات من حولي, أتبع الحشرات لأعرف من أين تبدأ رحلتها, كنت أخاف “فرس النبي” أخاف لأن يحملني بعيدا ويحط بي حيث أرض غريبة, ولا أجد من يعيدني من جديد, هي تفاصيل من منمنمات طفولتي على تراب وطن لا يزال يسكنني, وأنت ما بين توتة وجميزة, ما بين ساقية ودالية عنب آثرت أن تمضي, فغيبتك طرقات المنافي البعيدة..
مضيت لمحطة لن تكون الأخيرة, مضيت لبلاد تتوسد البحر ولها من لهيب الشمس ما يلسع بياض العين, وعين لا تسدل أهدابها عن ماض قريب آت إلينا وكأنه وليد على برعمة حياة هي لنا..
“من على دروب قريتنا الجنوبية أعدت لي عبق لرائحة برتقالة تلونت من خيوط شمسنا الذهبية.. تعيدينني لمذاقات الدفء حين كانت تضمنا ظلال أشجار وطننا, حنان يضمنا يحمل قطرات من الندى الرطب, فراشات ونمل, طيور عابرة تلتقط أنفاسها لمواصلة رحلتها في فضاء الكون.. يصلني صوتك تناديني كي لا أبتعد ويأخذنا تيه جديد, أسمع صوتك لأن آتي إليك لصيد حشرات, ضفادع, قنافذ وثعابين صغيرة.. حروفك تسكن قلبي وأذني..دوما ما تتحدثين بلغة العارف عني.. هو مكر برئ يسكن عقل وقلب وردة. كم أفتقد هذا الشغب وهذه المشاكسة, أقنط هنا في وحدتي وهم غربتي.. أخاف أن يضيعك الوقت مني وأنا هنا لائذ في ضعفي وغربتي.. أخاف أن يضيعك الوقت مني وأفقد آخر أوراق من هويتي.. كم أخاف.. كم أخاف.”
“من صبح طازج مضمخ بالبهاء تعيدني لحكايات لم تغادر ذاكرتي والتي ألملمها من فضاء الكون خوفا عليها من عبث سنوات ووطء زمن ثقيل.. هو قنفذ وحيد أسكنته آخر رف في خزانتي, أضبط ساعة الوقت في كل يوم بعد عودتي من مدرستي لأقضي بعضا من الوقت وأنا أتوسد بلاد الدار, أفتح بحرص شديد الرف الأخير, أراقب تحركاته وعتمة صار فيها, أدفس إليه وبحذر أوراق الخس وبعضا من ماء, لا أكترث بوجبة الغداء, يصلني صوت أمي مهددا بأن يأتي الغد وحين عودتي من مدرستي ستطلق سراح هذا القنفذ حيث حديقة بيتنا, ينفذ إلى قلبي سهم من وجع, يسكنني حزن وخوف من ما ستفعله أمي حين تطلق سراح قنفذ هو لي..
إلى وقتي هذا كلما مرت بي كلمة قنفذ أعود بذاكرتي البعيدة وقنفذ وحيد أطلقت سراحه أمي ليعيش في الدغل تائها عني, ومن وقتها غاب قنفذي الوحيد وما كان يجلب الصبر إلى قلبي أنه صار حرا, صار يشبهني وأنا أجوب الدروب ولا أحد يوقف خطواتي, ولا أنكر أنني أحببت قنفذا وحيدا رغم أشواك يحملها فوق ظهره, تنغز راحة يدي كلما مررت بها حانية عليه فأغرق في بحر أشواكه.
أنت حيث أنت هناك يسكنك القلق والخوف لأن تفقدني ونحن مددنا جسورنا على كل أسباب الفقد والغياب.. نحن الغائب الحاضر يا سيدي.. سر وجودنا من سر غيابنا…. ليلة الأمس مرت بخاطري فكرة..يوم تحزم حقائبك من شوق ينهش فؤادك لعودة حيث الوطن, تحزم حقائبك عائدا حيث جميزة وساقية وشجرة برتقال, ظل لدالية عنب, سيحملك الوقت في مدى زمني هو ساعات..
أما أنا التي تكتب إليك أقتات على شوقي وعذابات فقدي, لا حقيبة سفر تطاوعني لأصل بها، لا طائرة تعرف مطاراً تصل إليه, ونهر قد يحملني جف نبعه, صحراء ممتدة قد أصل آخر حدود لها, حيث أرض العنب والتين, سكنتها رايات سوداء تعصف بكل قلب محب عاشق لتراب وطنه..
أنت تناشدني عدم الغياب وأنا التي تلتحف كل حروف الغياب, حيث اللاشيء..
***
يصلني صوت “دارين عاقل” وهي تشدو بأنشودة الانتصار، وأنا أحث الخطى حيث تكون أردد معها:
“ونصر كتبناه على جبين الشمس، نجدل من خيوطها جدائل تحمل كل حكايات البطولة”
أضم دارينإلى صدري.. أدقق في ملامحها, أجدها وطنا, أجدها سورية, من إشراقة صبحها, من عنفوان نصرها.. “دارين” أخذتها طرقات المنافي البعيدة, تعود لشامها من جديد, تنثر حروفها على طرقات قريتها, تبوح بسرها أنها تستمد وجودها من بين سطور تكتبها..
كم يخاف قلبي على حزن لا يريد أن يغادرك، كلما غبت تعودين لتجمع دمع حكايات من ملح الأرض, هل لي أن أقص عليك حكاية “فادي عمار زيدان” له صورة وحيدة وقد علقها على جدار بيته, عينه وقد سكنها سهوم الوقت المغادر, يحنو عليه علم بلاده, علم له عيون خضراء..
“فادي” لم يكن جبانا, ولا خائنا, تطوع في الجيش, قدم أوراقه لمطار حماة, لم يكن مطلوبا لخدمة إلزامية ولا احتياطيا.. آثر الوطن على روحه, ظنت أمه أنه المسافر غير العائد, تتوسد الهواجس في عتمة ليلها, هل خطف فادي؟.. هل استشهد كما رفاق له؟..
“فادي” أطل على شاشة التلفاز يقف وحيدا مكبلا أمام مجنزرة تحمل راية سوداء..”شادي” لم يقل لأمه كلمة وداع.. دهسته مجنزراتهم.. وغرست أشلاؤه في تراب وطنه.. هي حكاية نكتبها كما “ميرابو”، و”غسان”، و”فادي”….”
***
“وحكاية لنا بدأت منذ عقود بعيدة، قرى تقاوم الاندثار بفعل البطش الصهيوني الغاشم, وطنك يا وردة هو وطني, أرضي وترابي, أنا لم أرها ولم أعشها, ولكني تربيت على الولاء لها وحبها وفدائها..
لو نظرت لجيبي ستجدين مفاتيحي معلقة في قبة الصخرة وعلى الوجه الآخر خريطة فلسطين, وبالتجاور رقعة أخرى تسكنها ملامح “ناصر” منذ عقود بعيدة وأنا أحملها في يدي وفي قلبي, ولي في منزلي الذي لم أسكنه بعد خريطة كبيرة لقرى فلسطين القديمة قبل نكبتها ومحاولة تغييب تاريخها وحضارتها من زمن كنعان..
كم أشفق عليك يا وردة لي هناك, لأنك عشت وشهدت شروق شمسها وغروبها, واليوم أحبها أكثر لأني اكتشفت أننا كنا معا, وكبرنا معا على تراب هذه الأرض.. أنت معي في منفاي, أتدثر بنسمات قدسية تأتيني من هناك، أنا الفلسطيني العاشق لترابها..”
“مدرستي “القاهرة الابتدائية” “غزة”، ومنها إلى الثانوية “الشهيد مصطفى حافظ” كان لي رفيق طفولة من أرض الكنانة, يجاورني في مقعد الدراسة, نكتب معا, نلون معا, نرسم خطوطنا, مرات أبدأ بها, ومرات ينتهي هو حيث لون واحد ومداد واحد..
دقت الحرب بابنا, جاء صيف “67” رحل عمر إلى بلاده، وأنا لم يتعب قلبي طول الانتظار والوقوف على باب مدرستي “القاهرة الابتدائية” قد تأتي به عربة أعرفها جيدا وندخل معا مدرستنا كما كنا في كل صبح, لم أمل الانتظار ومسحة حزن مع الوقت سكنت ملامح وجهي, أرنو لمقعد خاو يجاورني, أرنو للفراغ لا أحد..
يوم رزقت أمي بصبي, عائدة أنا بصحبة أبي على طريق مدرستي, يلتقط راحة يدي, يمسد عليها في حنو شفيف, يسألني لأن أختار اسما لأخي, هتف قلبي “عمر” أبي لم يكسر فرحتي, ذهب وسجل اسم “عمر” ليصير يتردد في الدار, أسمع صدى لحروف اسمه ولا أجده في ساحة مدرستي، حتى يومي هذا لا يكف عن سؤال يمر بخاطري, أين صرت يا عمر؟.. غاب عمر, وغاب عني وجه أضاء أيام طفولتي.. علمني أبي كيف ترسم الخرائط, دوما ما يوقف العربة ونحن على طريق سفر طويل, يأخذني من يدي, يشير لي إلى الأمكنة وتاريخها, وطرقاتها الالتفافية وكيف الوصول إليها, يؤكد لي ونحن نجوب طرقات وطننا على كل مساحات الجغرافيا من “أسدود” إلى “يافا” من “الجليل” إلى “تل الربيع”, يشير لي لكل مظاهر زائفة يؤكدون بها وجودهم من خلال جسور وأبراج وكيانات وأسماء, يقول لي:
“تأكدي يا ابنتي أن هذا الكيان إلى زوال ولن يدوم..”
وحين تطل علينا “غزة” وعلى مشارفها في كل مرة لا ينسى أن يذكرني بمعركة “الفالوجا” وتلة كان يقيم عليها “جمال عبد الناصر” في معركة الجهاد.. كنت أدقق النظر في التلة التي بقيت على حالها, وقد انداح لونها لرماد من دخان البارود, استحالت لسواد قاتم وحفر باكية, وكأنها تذكرني بأيام نكبتنا وبرجال ضحوا وقاوموا لأجل هذه الأرض، وخريطة ساكنة على جدار بيت لم تسكنه بعد, يوم تذهب إلى هناك تذكر أن لي مكان عليها, وأني أحفظ خطوطها من دورا حيث الخليل ومن الخليل حيث غزة وكثبانها الرملية الشقراء التي تتوسد صدر البحر وأنا العاشقة المتشظية ما بين جبل وبحر. هي حكاية لنا بدأت من عقود بعيدة..”
“كل الأماكن وكل الخريطة لك.. هي خريطة حبيسة لبرواز وزجاج, لم تعلق بعد على جدار بيت هناك.. تقتات على الانتظار للحظة آتية كما القرى التي تتوسدها, تنتظر قيامها كما العنقاء من تحت الركام والأنقاض, تنفض عنها أسماء عبرية لم تكن أبدا تريدها.. كل الأماكن لك يا سيدة الحضور والبهاء.. سنزرعها من جديد, زيتونا وعنبا وتينا, وستعود الطوابين تسكنها نار الدفء وحنان الأمهات
سيدة الدفء.. أنا “عمر” أعود من جديد، أعود بحب الطفولة وشغب البراءة.. لخطوط رسمناها معا ولم تكتمل رحلة الألوان فيها من قوس قزح.. لا تبحثي في الفراغ.. أنا هنا بجوارك.. أنا هنا حيث تكونين أنا هناك..”
“كل الأماكن لي، كل خطوط العرض والطول التي تلامس حدود وطني لي. زيتونة زرعها الجدود حباتها لي. بياض الأزمنة لي، ودفء ظلها لي. أما أنا فلست لي، أنا من سكنها الفراغ.. أنا لا شىء.. أنا وهم.. أنا سراب..”
***
قوس قزح مر بمدينتي, يمسح عن جبينها دخان البارود, ينبسط للكون, يصل شامنا, يلقي عليها أناشيد الانتصار, يمسح عن وجهها أسطورة حزنها الأبدي, يزيح دمعات الملح التي كادت أن تزيح الأبيض عن ياسمينه.. ما سر قوس قزح هذا؟!. يتجه حيث قلوب أنهكتها دروب الحزن والمشوار الطويل وحكايات دامية غارقة بدمع الحكاية..قوس قزح تاج كوني ينثر محبة اللون من روح الحياة ووهج الانتصار, يمر من فوق الكنيسة المريمية بدمشق القديمة.. ينثر حروفا من ألوان قد تزيح بعض من ألم وتعود بهجة الحياة لنور الحياة
***
“لمياء السراج” أنشودة غزاوية, جابت كل المدن وحطت على كل مطارات الكون, أبت إلا أن تعود وتحط قدماها على تراب وطنها الغالي, غيبتها حافلة تلو حافلة, تركن لمقعد وحيد, تلصق وجهها بزجاج النافذة, تستطيب لها كل ملامح الجغرافيا لتشق أخدودا على ملامح وجهها, تمر من خلف الجدار, أمام الجدار, تصل حيث أسلاك من شوك, تدمي جلد الأكف والأقدام..
تلتقط أنفاسها على مقعد وحيد, وصوت الغريب ينهر كل موجودات الكون بأن اجلسوا هنا, ساعة وساعات, حتى قارب قرص الشمس على الأفول, فتحت البوابات, غابت أشواك الجدار, تلقي بجسدها على تراب مدينة شهدت أحلامها وفجر أيامها, تصل لبيتها, تعانق بكفها زهرات الأقحوان, داليات العنب, حشائش غارقة بجذورها في تراب لا يزال يحفظ مطارح أقدامها منذ عقود بعيدة “لمياء” لا تعرف من أين تسقط مسارب دموعها, لا تعرف كيف توقف سيلها, حتى مناديلها صارت غارقة في دمعها “لمياء” تبحث عن طريق يقودها للبرية، وفي يدها وردة, كما “سلمى ديبو” و”وردة” على قبر “ماجد” غايتها مقبرة يرقد فيها أخ لها ودع الحياة دون أن تلحق بموكبه, الطرقات صارت حفرا عميقة, طائرات لا تكف تلقي بحقدها وراجمات صواريخها, الطريق إلى البرية صار فجوات عميقة لا يستطيع أحد أن يعبر عليها, صارت البرية بعيدة, والوطن بعيد إلا من زهرة أقحوان وقوس قزح
“لمياء” لم تستطع الوصول لقبر أخيها, لتنثر عليه مرثية حزنها وفقدها, وأنا أمي توسدت تراب المقبرة دون أن أعرف طريقي إليها, دون أن أعرف إلى أي اتجاه أمضي, دون أن أعبر الجدار, وأسلاك الشوك, فكانت مرثيتي الوحيدة والأخيرة أن أمي تسكنني, رحلت وشطرت روحي, غاب عني نصفي المشطور حيث هي هناك, أعيش بما تبقى لي من وقت, أعاند الوقت على سفود الوقت..
عادت “لمياء”،وفي حقيبتها خبز من بلادي, عادت وفي حقيبتها حلوى لا يعرف مذاقها سوانا, عادت “لمياء” تحمل حبات الفلفل الحمراء المطحونة, لها مذاقات لا تشبهها أي مذاقات.. عادت “لمياء” ووطن أخذ مجراه على جلدها، صار وشما، صار حياة..
***
“مريم الدرابيع” تلاحقني في خيوط الحرير لتغزل لي ثوبا من كنعان..تلاحقني بصور من جبال وأحراش تحفظ ملامحي.. تلاحقني بجبال وقد استنامت على وجه الغيم وامتشقت فضاء الكون.. تلاحقني بحروف من اسمي وقد كتبتها على صفحات من لون الأبيض, تنثرها في ساحات القدس, تناديني:
“الأقصى يشتاق لك،عودي يا وردة الحكاية، عودي يا عنفوان التحدي..”
“مريم” تهديني من نور صباح وطننا ألف ألف صباح.. ومن نور قمرنا ألف ألف مساء..
“مريم الدرابيع” كيف لها أن ترسم وتغزل من خيوط الحرير على ثوب من مكحلة الليل.. وليل لنا من زمن كنعان..هل أكتب إليها لترسم لي طائر الفينيق وقد اعتلت رأسه خوذة حربية, تعلن عن الصمود وروح المقاومة.. هل أكتب إليها لترسم لي وجوها لأمهات الشهداء وهن يرفعن راية الشهادة.. وحكايات من ملحمة البطولة لجيش مسح غبار الزمان عن أمته من ملحمة الانتصار هل يتسع ثوب تغزله من خيوط الحرير كل حكايات البطولة؟
***
“ما بين الرحيل والرحيل.. والرحيل والمنفى.. صرنا معلقين في خطاف أبدي من ألم سكننا ونعيشه على مدار الوقت، ووقت أضاعنا في المنافي والفيافي البعيدةعن نبتتنا ودارنا.. سيدتي.. الوقت كله لك، والأرض التي اغتصبت هناك وشرد من فيها من بشر وتغييب للتاريخ ستعود.. أقسم أنها عائدة.. ربما لن نعيش تلك اللحظات ولكنها ستعود.. عودي يا وردة للقادم إلينا هنا. نرسم معا ملامح أمهاتنا وجداتنا؛ حتى لا تضيع منا ولا نتوه عن تفاصيل وقسمات وجوههم.. عودي يا وردة قد تعيدين لي بعض من ملامحي القديمة..”
“تكتب لي عن الماضي البعيد.. ترسم لوحة كادت تفقد ألوانها وتذوي خطوطها وأنا التي غادرت بوابات الغياب وسكنت الفراغ. من يعيدني للوحة ولون وبهجة الأيام؟!. يمضي بي الوقت ونور قلبي يذوي.. كم تشبهني يا صاحبي، وأم لي كانت هي الحلم, أطلب صورها من هناك, تصلني وقد اعتلى الغبش ملامحها, كيف للغبش أن يعرف طريقه لقسمات وجه هو وجهي أنا… وإلى إشراقة روح هي روحي أنا.. تعزف على وتر من وجع رحيل أمي وقد شطر روحي وبت أعيش بروح مشطورة, أراها هناك من بوابات الغياب, تجمع أخواتي وتقول لي:
“تحدثي يا وردة إليهن من قصة أحببتها منك ولا أحد يستطيع أن يرويها سواك..”
كنت أنا لا أحد سواي، وكان رحيلها لا يشبهه أي رحيل.. معذرة يا صاحبي.. حروف أكتبها تتبعثر ما بين يدي, لا أعرف كيف ألملمها؛ ففي حضرة الغياب أمضي إلى تيه ممتد، وأنت نكأت جرحا غائرا في قلبي”
“على بوابات الغياب أقف منذ عشرات السنين, أنتظر ما يكتبه القدر لي، وأخبرتني به أمي ذات حلم.. رأيتك يا وردة تأتين من تحت ركام الوقت وقسوة السنين والمنافي.. أتيت لتنفضي عني غبار الوقت تطلين مشرقة يافعة.. من فيض نور وحنان كان قد غاب مع أمي وحبيبة لم تأت.. التقيتك وسكنتني الدهشة, وحط على قلبي السهوم, التقيتك يا وردة فأعدت لي صباحاتي البعيدة, وحناني المفقود, وأهلي الذين ذهبوا, وحبيبة لم أرها, حبيبة غادرت قبل أن ألتقيها..”
“هل تشابهت أساطير عرفناها وجمعناها في حجرات القلب ولم تغادر؟.. أم أنني من ذلك الزمان البعيد؟ أحسبني من زمن آرام وكنعان, كلما اقتربت أخذني البعاد حيث آخر مدارات الأرض.. هل رحل الربيع عني وصرت أعانق أيامي الخريفية, ألملم ما تساقط من أوراق, أحفظها في كف يدي, أمسح عن وجهها دمعات بقيت على جفافها, هل أنا العابرة لهذا الزمن, أبعثر حروفي, ألملمها لتولد الكلمات, كلمات تنداح للغموض مرات, ومرات أنت من يجيد كتابتها, فتصير شمسا أبدية في أفق حياتي, تكتب من روح أسطورة قديمة, تضبط إيقاع ترنيمة حياة صارت لنا, أما أنا فأكادني وقد هربت مني كل مفردات الأبجدية, وأنت الماهر في العزف على أوتار الحالة.. هل هي إشكالية العمر؟.. أم هي حالة مأزومة لم تفارقنا في رحلة حياتنا؟..
الأوراق وقد تبعثرت من حولي, أكتب من كل مواقيت الحياة على أوراق قد تحفظ ما تبقىلي من الوقت, حكايات لن نمل نكتبها ونجمع أوراقها، نعود ونكمل ما تبقى لنا، وأنت “عمر” العائد بعد غياب..”
***
من ساعة الوقت ينهض صبحي من دقائق تطالعني فيها كلماتك, ويرحل عني يومي من دقائق أطير لك كلماتي..هي مواقيت تعرفني وأعرفها, ما بين الفصول أنثر حروفي, أنحاز مرة لفصل خريفي وأنحاز مرات لشتاء لم يغادر قلبي, اليوم تقابلت والشتاء وحبات المطر, وكلماتك التي أستقبل بها بدايات يوم هو لي، تحرضني على الكتابة، وأنا كثيرا ما أعاند قلبي وأركن أوراقي حيث أعيش خواءً أبديًّا
ماذا أقول لك؟.. وما حيلتي في كلمات ترقب مداد قلمي ليكتب عن غدر الوقت، عذاب الرحيل، عن أمهات غبن وهن الأشد حضورا، أنت تعيدني لخيط النور, تدعونني للوقت الذي غاب وللأرض التي هناك, تدعوني لأعيد خطوطا من ملامح أمي.. تدعونني لأن آتي وأنا من ضاع مني الطريق وضيعني إلا من حروف كلمات هي أيقونتي الأبدية..
***
عادت “دارين عاقل” فيما تبقى من الوقت.. كم يخاف قلبي ليروي لها، وكم يخاف قلبها لأن يروي لي… قرية “دارين” العنازة بانياس, يعتلي جدار كل بيت ملامح لشهيد, يسكنها إصرار لأن تحث خطاها حيث البرية, تقرأ الأسماء.. تنثر ورودها, تجدد عهدها بأن لم ولن تنسى..
في البرية يرقد “ميرابو عاقل” يقابله “اسكندر عاقل” “عمار علي زيدان”، و”دارين” لا تخلف موعدها ولا تنسى أن تجدد عهدها..تغافل الوقت, تركن إلى جدار في سور البرية, تمر بحروف اسم “عمار عليزيدان” وسيرة حياته من يوم مولده, أمه “نخلة” ومكان استشهاده “دمشق” رقيب احتياط..
هي تداعيات الذاكرة البعيدة, تهمس “دارين” لـ “وردة” يوم جمعتهما مقبرة ضمت أسماءً وأسماء:
“هو عمار ابن خالتي “نخلة” من يوم مولده وهو يقاسم أمه مواقيتها, في طفولته كانت تحمله على ظهرها في موسم جمع الزيتون, كبر الصبي والتحق بمدرسة العنازة الابتدائية, في الصيف يساعد أمه في أعمال يدوية في قرية يسكنها الدفء والحب والنور، كان حلمه أن يلتحق بالجيش, دقت الحرب أبوابنا, التحق باللجان الشعبية, صار معه بندقية, اشتد الحزن وأيام الوجع يوم فقد رفيقه “ساهر” صارت الأيام تزف إلينا الشهداء والجرحى، وتحمل إلينا أخبار المخطوفين.. في شرفة بيتنا تحلقنا حول مدفئة تحمل حطبا يشتد لهيبه.. قال “عمار”:
غدا سأغادر, طلبت في الاحتياط, لا تخبروا أمي..
رحل “عمار” وترك وصيته:
“لا تحزني يا أمي.. لن أنساكِ.. لا تسقطي دمعاتك الغالية في قلبي وروحي.. الوطن غالي”
***
“دارين” من هذا الصبح العفي الطازج ببشائر الانتصار، تكتب لوردة، من روح الفرح ومن طول أمل الانتظار
“فتح طريق “أثريا – خناصر” حيث حلب المحاصرة من سنوات, ما أسعدني في هذا الصبح يا وردة، “فاتح” سيعود إلى حلب وسيضم “كوكب” حفيدته إلى صدره وفي يده حلوى كان يتمنى أن تعرف مذاقاتها الغائبة من يوم مولدها, ولكنه الحصار من أصحاب الرايات السوداء..حلب تفك حصارها، وسيعود مطارها ينقل العائدين إلى حضن الوطن.. سيعود كل غريب إلى داره.. فاتح عائد من جديد”
صفحة “ميرابو” لم تغتلها عتمة الليل، ملامحه وقد افترشت صفحته، وكلمات أطرزها في أكمام الليل, قد تصل إليه حيث هو هناك.”ميرابو عاقل” أنت هنا.. أنت هناك.. أنت في كل الأزمنة البيضاء, كما صفحات حياتك, كم جميل أن تعاند الوقت وتبقى صفحتك يا ميرابو البطل, كم جميل أن تطل علينا من روح البطولة والخلود.. كم جميل أن تسكن أوراق كتبتها, تحفظ خطاك على طريق بلدتك الدافئة “العنازة” “بانياس” وطير يحلق من كل صبح يفرد جناحيه سورية وأنت العاشق لترابها…”
**** ****

يتبع

2018-11-02