في ذكرى بلفور: فلسطين بين مطرقة وعد بلفور وسنديان وعد ترامب

 

 

د. عقل صلاح

تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على وعد بلفور الذي تم إعلانه في 2تشرين الثاني/نوفمبر1917 مستقبل القضية الفلسطينية والقدس بعد ربع قرن من توقيع إتفاقية أوسلو وإصدار الوعد الثاني من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6كانون الأول/ديسمبر2017 الذي نص على الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس المحتلة.

الوعد الأول: وعد بلفور

لقد تبلور الوعد نتاج مصالح الدول الغربية التي كانت تريد التخلص من اليهود في أوروبا، فالفلسطينيون كانوا ومازالوا ضحايا حسابات ومصالح دول عظمى، حيث جاءت ملابسات إصدار وعد بلفور في وقت كانت فيه فلسطين تحت حكم الإمبراطورية العثمانية المترهلة، وفي ظل صعود الحركة الصهيونية، وتراجع القضية القومية العربية.

إن فكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين بدأت تتبلور في نهاية القرن الثامن عشر، عندما اقترح نابليون بونابرت هذه الفكرة على يهود فرنسا من أجل تشجيعهم على تمويل الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام 1798-1801. إلا أن هزيمة نابليون في 1799 في عكا على يد العثمانيين وبمؤازرة الأسطول البريطاني أدت إلى تراجع الحملة، وفشل أول مشروع استيطاني صهيوني .

فبريطانيا التي تبرعت بفلسطين للحركة الصهيونية بإعلان الوعد إلى ليونيل دي روتشيلد، لم تكن تحتل فلسطين التي كانت لا تزال تحت سيطرة الدولة العثمانية. ففي سنة 1838 لم يتجاوز عدد الجالية اليهودية في فلسطين 6500 نسمة، إلا أن كل من بريطانيا وفرنسا عبر قنصلياتهما اللتان أنشئتا في القدس قامتا بمساعدة اليهود على الهجرة لفلسطين. ومن ثم طلبت بريطانيا من الدولة العثمانية سنة 1845 طرد الفلسطينيين لتوطين اليهود مكانهم. وبعد عشر سنوات تم شراء أول قطعة أرض في فلسطين بتمويل من زعيم الجماعة اليهودية في بريطانيا وأحد الأثرياء البريطانيين. وفي عام 1891عرض اللورد البريطاني اليهودي غوشن على الحكومة العثمانية توطين اليهود في فلسطين مقابل مبلغ كبير من المال لكن مشروعه رفض. وفي عام 1900 قام روتشيلد بتسليم جميع مشاريعه في فلسطين إلى جمعية الاستيطان اليهودي

وفي الثامن من كانون أول/ديسمبر 1917 احتلت القوات البريطانية القدس، وفي سبتمبر/أيلول 1918 استكملت احتلال باقي فلسطين، وظلت السلطات البريطانية في حكم فلسطين لمدة عامين، حيث أخذت بريطانيا على عاتقها تهيئة فلسطين كي تصبح وطناً قومياً لليهود .

لقد أرسلت الحكومة البريطانية وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور في 5نيسان/أبريل1917بمهمة رسمية للاتصال بممثلي المصارف الأميركية من أجل إبلاغهم رسميًا بأن بريطانيا ستتبنى مشاريعهم المتصلة بالصهيونية السياسية مقابل تعهدهم بإدخال أميركا الحرب إلى جانب بريطانيا وهذا ما تم تنفيذه من قبل الطرفين. حيث أرسل اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد أحد قادة الحركة الصهيونية للحكومة البريطانية نصًا يتضمن فقرتين للموافقة عليه، وهو ما أصبح فيما بعد يعرف بوعد بلفور . وكان بلفور معارضًا للهجرة اليهودية إلى شرق أوروبا خوفاً من انتقالها إلى بريطانيا. وفي سنة 1906 حين التقى بلفور بالزعيم الصهيوني حاييم وايزمان أعجب بشخصيته، فرأى في الصهيونية قوة تستطيع التأثير في السياسة الخارجية الدولية وبالأخص قدرتها على إقناع الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بالمشاركة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب بريطانيا. وحين تولّى منصب وزارة الخارجية في حكومة لويد جورج في الفترة من 1916 إلى 1919 أصدر وعده المعروف بـ”وعد بلفور” عام 1917 انطلاقاً من تلك الرؤية .

وفي 11أيلول/سبتمبر 1922 أقرت عصبة الأمم الانتداب بشكل رسمي على أساس وعد بلفور. وغطت منطقة الانتداب المنطقة التي تقع فيها اليوم كل من (دولة إسرائيل) وقطاع غزة، بالإضافة إلى منطقة شرق الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية). وفي 22 تموز/ يوليو من نفس العام أعلنت شروط الانتداب البريطاني لفلسطين، وجاء فيها أن الانتداب مسؤول عن تنفيذ إعلان بلفور . لم يكن وعد بلفور جزءاً من سياسة الانتداب البريطاني في فلسطين فقط، وإنما أصبح جزءاً أصيلاً من مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها الخاصة بالقضية الفلسطينية.

إن وعد بلفور الذي منحته بريطانيا لليهود مهد لتأسيس دولة قمعية واستعمارية في المنطقة، وإن الهدف من إقامة تلك الدولة الصهيونية كان تفتيت الوطن العربي، وأن تلك الدولة الصهيونية الآن أصبحت عبئًا ومصدرًا للارهاب. إن الدولة القومية لليهود التي تم تأسيسها أضحت أداة لقتل الفلسطينيين وتشريدهم واغتصاب أراضيهم، وما وعد بلفور في الحقيقة إلا كارثة على الشعب الفلسطيني . لقد ثبت الانتداب البريطاني الكيان الصهيوني في فلسطين من خلال أربع منهجيات رئيسية؛ انتزاع الأراضي الفلسطينية، ودعم وتشجيع الهجرة اليهودية، والتشجيع والدعم للمشروعات الاقتصادية اليهودية، وقمع الشعب الفلسطيني.

إن الاستيلاء البريطاني على فلسطين جاء ضمن سياسة استعمارية يسودها التفكير العنصري، والذي يرى تفوق بعض الأعراق على البعض الآخر . ويعتبر وعد بلفور البذرة انطلق منها النزاع الذي لا يزال يؤرق المجتمع الدولي حتى الآن .

ويعتبر روتشيلد كبير أغنياء اليهود في ذلك الوقت، والذي مول إقامة مستوطنة “تل أبيب” سنة 1907، حينها كان الفلسطينيون يعيشون ظروف الفقر المدقع، ويفتقرون إلى المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وممنوعون من التواصل مع محيطهم العربي بعد تقسيمه بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي . وقد أصبح روتشيلد عضوًا في مجلس العموم البريطاني من 1929-1945.

وقامت بريطانيا خلال عشرات السنوات التي تلت الوعد، بالعمل على جعله ممكنًا وبشكل عملي، وتسابقت الدول الكبرى من أجل الاعتراف بدولة إسرائيل، ومن ضمنها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وغيرهم . وقام بلفور بزيارته الأولى إلى فلسطين سنة 1925 حينما شارك في افتتاح الجامعة العبرية، وعمت وقتها المظاهرات معظم فلسطين احتجاجاً على قراره المشؤوم.

ومن جهة أخرى، يؤكد المؤرخ الفلسطيني جوني منصور معارضة وزير الخارجية البريطاني بلفور نفسه لأجزاء كبيرة من صيغة الوعد الأصلية، التي قدمها اللورد ليونارد روتشيلد، وجاء فيه “فلسطين تكون وطناً قومياً لليهود”. لذلك تم تغيير نص الوعد ليصبح “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

بعد فرض بريطانيا انتدابها على فلسطين لم يستطع الفلسطينيون وقف تدفق قطعان المستوطنين رغم الثورات المتواصلة. ومن ثم سلمت بريطانيا كل مؤسسات دولة الانتداب إلى اليهود. وفي المقابل نسفت بريطانيا كل بيت فلسطيني كانت تجد فيه بندقية، أو طلقة نارية واحدة، واعتبرت أن تدخل الجيوش العربية يعتبر عملاً عدائياً ضدها .

لقد لعبت فرنسا أيضًا دورًا هامًا وحيويًا لإقامة دولة إسرائيل، من خلال مساعدة اليهود على تنظيم الهجرة بأعداد كبيرة . إضافة إلى اقرارها بحق بريطانيا في الانتداب على فلسطين وتخليها عن بند أساسي في اتفاقية “سايكس بيكو” ينص على أن تكون الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الدولية. وقد باركت إيطاليا هذا الوعد لاحقاً، واشترطت ألاّ يتعرض الصهاينة للطوائف غير اليهودية في القدس، وعلى نفس المنوال سارت روسيا بسبب رغبتها في حماية أملاك ونفوذ الكنيسة الأرثوذكسية . وكان للولايات المتحدة الأمريكية أيضًا دورًا رياديًا في توطين اليهود في فلسطين في عهد الرئيس الأمريكي وود ورد ويلسون، الذي ظل وفيًا لإلتزامه ودعمه للوعد إضافة إلى تقديم الدعم المالي للحلفاء ضد الدولة العثمانية وحلفائها . وبعد ضعف بريطانيا ورثت الولايات المتحدة الوصاية على الكيان الصهيوني عبر الدعم اللامحدود منها وفرضت مساعدتها ماديًا وعسكريًا على بعض الدول .

ولكن مع بداية حرب 1948، قام اليهود بتظاهرة توجهت إلى بيت بن غوريون مطالبين بالعودة إلى الدول الأوروبية لأنهم لا يشعرون بالأمان في فلسطين، فطلب منهم أن يمهلوه عدة أيام. خلالها تدخلت بريطانيا مع الحكام العرب، وتم فرض الهدنة الأولى في حزيران 1948، بعد أن كان المجاهدون على أبواب تل أبيب، وحاصروا المستعمرات. استقدم بن غوريون صفقة أسلحة تشيكية كانت سبباً في تحول الحرب لصالح العدو. ومنذ ذلك الوقت حرص الغرب على استمرار تفوق إسرائيل العسكري، وهذا مكن إسرائيل من توجيه ضربة ساحقة للعرب سنة 1967، وتم احتلال الضفة الغربية، وغزة، والجولان، وسيناء.

الوعد الثاني: وعد ترامب

بعد قرن على وعد بلفور تم إعلان وعد جديد يمكن أن يطلق عليه الوعد الثاني، ولكن هذه المرة جاء الوعد من أمريكا -وعد ترامب- الذي يمنح القدس لإسرائيل من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال-إسرائيل- ونقل السفارة الأمريكية للقدس. لقد تكرر مشهد بلفور “الذي أعطى من لايملك لمن لايستحق”. والمهم أن وعد ترامب لايمكن أن يحدث لولا الموقف العربي المتخاذل والموافق على هذا القرار، وأكبر دليل على ذلك أن كل المواقف العربية الرسمية بعد اتخاذ القرار لم تتجاوز الاستنكار والشجب.

وترى إسرائيل أن القرار الأمريكي لا يحمل سوى دلالة رمزية فقط بالنظر إلى سيطرة إسرائيل واقعيًّا على المدينة، لقد أصدر الكونجرس الأمريكي هذا القرار في سنة 1995، وعلى مدار 22 عامًا قام الرؤساء الأمريكيين بتأجيل تنفيذه بصورة روتينية كل ستة أشهر. وإسرائيل منذ احتلالها لكامل أرجاء المدينة سنة 1967 عكفت على تعزيز هيمنتها على القدس، ووصلت المحاولات أوجها في سنة 1980 بإصدار “قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل” .

ويقودنا هذا إلى تساؤل مفاده، لماذا الآن؟. لأن إسرائيل لا تتوقع حدوث ردود فعل فلسطينية لا يمكن السيطرة عليها، ولقد عبر عن ذلك رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق “عاموس يادلين”، بقوله إن الفلسطينيين والعرب والأتراك “يهدّدون بمسدس فارغ” .

وإن اتصال ترامب بقادة فلسطينيين وعرب لم يكن لإعلامهم بقراره نقل سفارته للقدس، وإنما لتحذيرهم من القيام بأي خطوات ضد القرار. وتبعية غالبية الحكومات العربية والإسلامية لأمريكا تؤكد على أن هذه الدول تغلب مصالحها على أي اعتبارات دينية أو قومية.

ويتجلى مما سبق، أن الموقف الرسمي العربي- الإسلامي تجاه قرار ترامب يؤكد بأن علاقاتهم مع إسرائيل أهم من المقدسات الإسلامية ومن القضية الفلسطينية. فردود الفعل الرسمية على القرار لم تصل لمستوى الشجب والاستنكار، فاجتماع رؤساء الدول العربية والإسلامية في قمة اسطنبول لم ينتج عنه حتى قرار واحد على المستوى الرسمي يؤكد رفض هذه الدول المجتمعة لقرار ترامب، فعلى سبيل المثال لم يتم قطع العلاقات مع إسرائيل وأمريكا، أو سحب سفرائهم من أمريكا وإسرائيل، أو حتى طرد السفراء الإسرائيليين والأمريكيين من بلادهم، بل تم التطبيع العلني مع إسرائيل من خلال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سلطنة عُمان والتقى السلطان قابوس بن سعيد في 26تشرين الأول/أكتوبر2018، واستقبال وزيرة الرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف في الإمارات وزيارة مسجد الشيخ زايد، الذي يعتبر من أهم معالم أبوظبي الإسلامية السياحيةفي 28تشرين الأول/أكتوبر2018، والعد يد من الوفود الرياضية والثقافية في العديد من الدول ومنها قطر وغيرها. إضافة إلى أن بعض الدول العربية متواطئة مع هذا القرار، وتريد منع أي حراك ضد القرار . فالتضامن العربي مع القضية الفلسطينية كان باهتاً جداً ومازال. ويتبدى ذلك من خلال تصريح لوزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، في 21كانون الأول/ديسمبر2017، بين فيه أن قضية فلسطين قضية جانبية وليس من المفيد إثارة الخلاف مع أمريكا بشأنها .

فبناء على معطيات لدى إسرائيل، قامت بالإيعاز لأمريكا بالتوقيت لتنفيذ قرار نقل السفارة إلى القدس، فكل من إسرائيل وأمريكا تدركان ما تفعلان، فإسرائيل متأكدة تمامًا بأنه التوقيت المناسب ولن يكون هناك أي حراك ولو حتى بالكلمة على المستوى العربي الرسمي

*كاتب فلسطيني وباحث مختص بالحركات الأيديولوجية.

2018-11-02